المطلب الثاني: على مستوى المردودية

أصبحت مؤسسات التعليم العالي بسبب تقليص النفقات تعاني من عجز كبير على مستوى الاستيعاب والتأطير والتجهيز، الأمر الذي زاد من حدة ضعف فعالية التعليم العالي وجودته. فإذا كانت الكلفة السنوية الإجمالية للطالب انخفضت من 8975 درهما سنة 1981 إلى 5932 درهما سنة 1988 1 ؛ فإن ذلك لم يكن نتيجة تخطيط وترشيد مدروس للنفقات، وإنما كان على حساب تكوين الطالب الجامعي وتأهيله.

الفقرة الأولى: المردودية الداخلية

إن مردودية التعليم العالي ضعيفة جدا بالمقارنة مع مردودية تكوين الأطر، حيث أن ثمانية طلبة من بين عشرة يغادرون الجامعة دون أن ينهوا دراستهم، بينما في المدارس العليا لتكوين الأطر ينجح ثمانية طلبة من مجموع عشرة 2 ، هذا إن دل على شيء إنما يدل على قصور تلك النظرة، التي تروم تحسين المردودية عبر إجراء وحيد، ألا وهو تقليص النفقات.

وصل معدل الهدر الجامعي في الفترة الممتدة بين 1982 و1989 إلى 74,33% في العلوم الدقيقة، و70,17% في العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، و60,66% في الآداب. وخلال سنة 1990 استطاع 5% فقط من طلبة العلوم الدقيقة، و12% من طلبة العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، و14% من طلبة الآداب الحصول على الإجازة دون تكرار. كما تبين إحصاءات 1991 أن التعليم الجامعي العام يستقبل ما يقارب 97% من المسجلين بالتعليم العالي لكنه لا يخرِّج سوى 12% 3 .

هكذا يتبين أنه انطلاقا من الموسم الدراسي (1982-1983) لم يطرأ أي تحسين على المردودية الداخلية للتعليم العالي، بل على العكس من ذلك، سُجل تفاقم ملحوظ لظاهرتي التكرار والهدر. الأمر الذي سيدعو لاتخاذ عدة تدابير من أجل تحسين المردودية الداخلية للتعليم العالي منها:

أ- تقديم الدخول الجامعي بأربعة أسابيع ابتداء من الموسم الدراسي (1982-1983)؛

ب- تقسيم السنة الدراسية إلى فصلين؛

ت- إصلاح نظام الامتحانات؛

ث- استعمال طرق بيداغوجية حديثة؛

ج- إحداث نظام لاستقبال الطلبة وتوجيههم.

ورغم أهمية هذه التدابير فإن معيقات حالت دون تحقيقها، أو على الأحرى دون تحقيق الأهداف المتوخاة منها. من أهمها: ضعف الوسائل البشرية والمادية، وتبعية المؤسسات الجامعية بشكل شبه مطلق للمصالح المركزية بالوزارة الوصية. إن كل هذا ليس إلا تجسيدا لذلك القصور الذي طبع مضامين ظهير 25 فبراير 1975 من جهة أولى، وعجز عن تطبيق ذلك الحد الأدنى من اللامركزية التي نص عليها الظهير من جهة ثانية. سيتجلى هذا بشكل أوضح عند بحث المردودية الخارجية للتعليم العالي خلال عقد ثمانينات القرن الماضي.

الفقرة الثانية: المردودية الخارجية

عرفت ظاهرة بطالة حاملي الشهادات تفاقما ملحوظا منذ بداية الثمانينات، إذ ارتفعت بطالة المجازين مثلا من 6,5% سنة 1984 إلى 23% سنة 1991 4 .

وإذا كان من أسباب ذلك إحجام الدولة عن توفير مناصب الشغل، بسبب سياسة التقويم الهيكلي، فإن من أسبابه أيضا توجه سوق الشغل نحو الأطر التقنية غير الجامعية.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -10-

إن مشكل بطالة الخريجين جعل العديد يتساءلون: هل يكمن الخلل في التعليم العالي؟ بمعنى أنه لا يقدم التخصصات المطلوبة في سوق الشغل، أم أن المشكل في القطاع الاقتصادي المتخلف، الذي يظل عاجزا عن استقبال المتخرجين من التعليم العالي؟

في تصورنا المسألة أكبر من الانحياز إلى موقف دون آخر، فهي في غاية التركيب والتعقيد، فبطالة حاملي الشهادات وجدت خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي أسبابها في إحجام الإدارة العمومية عن التوظيف تطبيقا لسياسة التقويم الهيكلي، وفي تخلف القطاع الخاص بالمغرب، الذي هيمنت فيه المقاولة الصغرى، القليلة الاستعمال لليد العاملة وللأطر، بالإضافة إلى تلك العقلية التي تم تكريسها، والتي ترى أن التوظيف بمؤسسات الدولة هو المآل الحتمي عند الحصول على الشهادة. ويبقى من أهم الأسباب أيضا عدم ملاءمة التكوين لحاجيات الإنتاج.

تفاقم مشكل بطالة الخريجين بشكل ملفت، وتدخلت الدولة لإيجاد بعض الحلول، حيث وضعت الإجراءات لتشجيع المقاولين الشباب، لكنها –أي تلك الإجراءات- لم تنتج النتائج المنتظرة نظرا لمحدوديتها. وفي سنة 1990 تم إنشاء المجلس الوطني للشباب والمستقبل، وأُوكلت إليه مهمة التفكير في بطالة الشباب واقتراح الحلول، ورغم اجتهاده على مستوى التصور والتنظير، فإن افتقاده للوسائل الضرورية من أجل إنجاز برامجه أضعف مبادراته وجعل مساهمته جد محدودة.

وعلى المستوى الجامعي تمثلت الإجراءات التي اتخذتها الوزارة من أجل تحسين المردودية الخارجية للتعليم العالي فيما يلي 5 :

أ- تنويع التخصصات الفرعية داخل مسالك التكوين القائمة؛

ب- إحداث تخصصات قصيرة ذات طابع مهني؛

ج- إحداث شهادات جديدة (دبلوم الدراسات الجامعية للتأهيل، دبلوم الدراسات الجامعية التقنية، الميتريز المطبقة، دبلوم الدراسات العليا المتخصصة)؛

د- إحداث ثلاثة أنواع من المؤسسات الجديدة (المدارس العليا للتكنولوجيا، المدارس الوطنية للتجارة والتدبير، كليات العلوم والتقنيات).

ومع ذلك فقد كان لهذه الإجراءات هي الأخرى تأثير محدود على مردودية التعليم العالي، فالتكوينات المهنية التي أحدثت بكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في بداية الثمانينات، يبدو أنها كانت تؤدي نفس الوظائف التي كانت تقوم بها قبلها مؤسسات التكوين المهني، وبالتالي فخريجو هذه التكوينات الجديدة لم يجدوا مكانا في سوق الشغل. أما الشهادات فقد كانت غير واضحة وغير ملائمة، وبخصوص المؤسسات الجديدة، سيتبين أن مساهمتها في تفعيل التعليم العالي جد محدودة، لسببين رئيسيين: قلة الأعداد التي تستقبلها تلك المؤسسات من جهة، وقيامها بنفس المهام تقريبا التي كانت تؤديها المؤسسات القائمة قبلها (مدارس المهندسين وتكوين الأطر، وكليات العلوم التقليدية) من جهة أخرى.

وقد كان من أهم نتائج ضعف فعالية التعليم العالي العام تنامي التعليم العالي الخاص، حيث حظي بتشجيع خاص منذ سنة 1987، علما أن ذلك كان من توصيات المنظمات المالية الدولية، التي ضُمنت في إصلاح التعليم الأساسي لسنة 1985. سيبلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص ما مجموعه 37 مؤسسة، وعدد الطلبة سيصل إلى 6599 طالبا، خلال الموسم الدراسي (1992-1993) 6 . ومع ذلك يلاحظ أن حجم التعليم العالي الخاص لازال ضئيلا، إذ لا يشغل سوى 2,6% من مجموع التعليم العالي 7 .

طالع أيضا  دخول جامعي "ملتهب".. جائحة كورونا تعيد نقاش "التعليم العالي" إلى الواجهة (تقرير)

وإذا كان من أهم مجالات المردودية الخارجية للتعليم العالي مجال البحث العلمي، فإن هذا الأخير لم يعرف تحسنا ملموسا، سواء على مستوى الهيكلة أو على مستوى التمويل، وذلك نظرا للهاجس المالي الذي تحكم بشدة في التخطيط للتعليم العالي خلال هذه الفترة.

هكذا يتبين أن سياسة التقويم الهيكلي لم تزد ذلك التطبيق المعاق لظهير 25 فبراير 1975 إلا المزيد من الإعاقة والقصور، فالتنظيم الإداري الذي عرفته الجامعات والمؤسسات الجامعية في أواخر عقد الثمانينات ظل دون الفعالية المطلوبة، بسبب عوائق مالية ونفسية. وإذا كان الفصل الثاني من ظهير 25 فبراير 1975 نص على أن الجامعات مؤسسات عمومية، فإنه على مستوى الواقع لم يُخول لها أي استقلال إداري حقيقي، يمكنها من التسيير الذاتي، بشراكة مختلف الفاعلين في الحقل الجامعي من أطر إدارية وأساتذة باحثين وطلبة. وإذا نص الظهير المنظم للجامعات صراحة على أن هذه الأخيرة تتمتع بالاستقلال المالي، فإن الظهير نفسه ربط تمويل الجامعات بمعونات الدولة، مع إشارات عابرة إلى موارد أخرى، لم ينص الظهير، كما لم ينص أي نص تطبيقي له، على كيفية تفعيلها، مما جعل مسار التعليم العالي يرتبط ارتباطا ماليا مباشرا بالدولة، وقد كان من نتائج عدم الاستقلالية المالية للجامعات تدخلات أخرى في مختلف مجالات الشأن الجامعي، كالمجال الإداري والمجال البيداغوجي، مما كان له انعكاس واضح على مردودية التعليم العالي بنوعيها الداخلية والخارجية. وكان من نتائج ذلك الارتباط المالي أيضا، أن أصبحت مؤسسات التعليم العالي –خاصة الجامعي- أول متضرر من توصيات المنظمات المالية الدولية، التي تقضي بتقليص النفقات في القطاعات الاجتماعية. في هذا السياق، وفي محاولة للبحث عن موارد أخرى للتعليم العالي غير ميزانية الدولة، وفي غياب تطور تاريخي لبعض الموارد، تم التوجه لفرض رسوم للتسجيل على الطلبة، بغض النظر عن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية؛ وقد غاب عن أصحاب هذا التوجه أن من أسباب ضعف مردودية التعليم العالي تلك الوضعية الاجتماعية المتردية للطلاب، كما غاب عنهم أن من المبادئ المذهبية التي أقرتها الحركة الوطنية منذ بداية الاستقلال مبدأ “المجانية”، وبالتالي فإن نقض هذا المبدأ في غياب عدل اقتصادي واجتماعي لن تكون نتيجته إلا تكريس ذلك التعليم العالي النخبوي.

فعوض اعتماد مقاربة شاملة في معالجة مشكل التمويل، تم الاقتصار على جهتين، إما ميزانية الدولة، أو جيوب الطلبة. كما لم تبذل جهود حقيقية لتأهيل القطاع العام والخاص، وكذا لتأهيل الجامعات في أفق نسج شراكة حقيقية، ويبدو أن من أهم شروط تحقيق تلك الشراكة إثبات الجامعات لقدرتها العلمية والاستكشافية، وإبرازها لمقدرتها وجودتها، حتى تكسب ثقة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وحتى تنافس المؤسسات العلمية الغربية التي كثيرا ما يستشيرها قطاعنا العام والخاص بأموال باهضة جدا!، إلا أن تأهيل مؤسسات التعليم العالي منطلقه التخلص من تلك النظرة المغلوطة، التي كرستها الدوائر المالية العالمية، والتي مفادها أن التعليم قطاع استهلاكي، وبالتالي لابد من تقليص نفقاته.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008 )-32-

إن نفس هذه الإشكالات ستعيد نفسها خلال عقد التسعينات، وإن كانت الكثير من الوثائق الرسمية ستنص على ضرورة تأهيل الجامعة لتحقيق شراكة حقيقية بينها وبين القطاعين العام والخاص. والذي يظهر في مجال التعليم العالي وفي غيره من المجالات أن التصرف يكون مغايرا للتصور في كثير من الأحيان، وأن تجليات الأزمة التي تظهر على السطح لها جذور عميقة، ولها أسباب خفية، أو أخفيت لحاجة في نفس يعقوب، نرجو أن نوفق لملامسة بعضها فيما سيأتي من صفحات هذا البحث.

أما الآن وعلى سبيل خلاصة هذا الباب نؤكد –في غير تناقض- أن سياسة لامركزية التعليم العالي التي أقرها –بشكل من الأشكال- ظهير 25 فبراير 1975 أسهم في تقريب الجامعة من المواطن، وخففت من الضغط الطلابي في المؤسسات الجامعية التي كانت متمركزة بمدينة الرباط. إلا أن تلك النظرة المالية الضيقة جعلت تلك الجامعات المحدثة تفتقر في أغلب الأحيان إلى أبسط شروط الدراسة والبحث من مدرجات وأقسام ومختبرات ومكتبات وقاعات صحية وفضاءات رياضية … مما كان له أثر سلبي واضح على تكوين الطالب. ثم إن لامركزية البنايات لم تصاحبها لامركزية حقيقية في البنيات الإدارية والبيداغوجية، إذ وجدت هذه الجامعات نفسها دون استقلال حقيقي سواء في المجال المالي أو الإداري أو البيداغوجي، مما كان له تأثير سلبي على فعاليتها ومردوديتها. زاد من حدة ذلك سياسة التقويم الهيكلي، مما سيفرز لنا وضعا متأزما للتعليم العالي على مستويات متعددة، سيبلغ حدته خلال عقد التسعينات، الأمر الذي سيجعل إصلاحا جديدا للتعليم العالي مسألة اضطرارية وليست اختيارية. فماذا إذا ظل ذلك الإصلاح مفقودا!؟


[1] الجوطي (حفيظ بوطالب)، مقال: التعليم العالي والبحث العلمي في المغرب.\
[2] عمران (عبد الرحيم) الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية، الطبعة الأولى، فاس، 1999، ص 32.\
[3] المرجع السابق ص 30، ص 34 – المروني (المكي)، الإصلاح التعليمي بالمغرب، ص 197.\
[4] المروني المكي، الإصلاح التعليمي بالمغرب، الطبعة الأولى، البيضاء، 1996.\
[5] نفس المرجع السابق، ص 200.\
[6] المرجع السابق ص 201.\
[7] المرجع السابق، نفس الصفحة.\