الفقرة الثانية: على المستوى المالي

لقد كان للمقتضيات التي طبقت تنفيذا لإصلاح التعليم الأساسي سنة 1985، والذي كان بدوره تنفيذا لسياسة التقويم الهيكلي –في شقه المالي على الأقل- أسوء الأثر على وضعية الجامعة، خاصة الوضعية الاجتماعية للطلاب. كيف ذلك؟

انطلاقا من سنة 1983 ظهر بون شاسع بين مؤسسات التعليم العالي الجامعي ومؤسسات التعليم العالي غير الجامعي، فإذا كان عدد طلبة مؤسسات تكوين الأطر قد انتقل من 8149 خلال الموسم الدراسي (1984-1985) إلى 8876 خلال الموسم الدراسي (1990-1991)؛ فإن عدد الطلبة في التعليم الجامعي انتقل على التوالي من 126.400 إلى 207.600 طالب؛ أي بمعدل تزايد سنوي يقدر بـ12,7% (الجدول 7)، وإذا كانت نفقات التعليم غير الجامعي تناسب تزايد الطلبة، بل تفوقه في أحيان كثيرة، فإن تزايد نفقات التعليم الجامعي لا يُناسب تزايد أعداد الطلبة، فنفقات الاستثمار تعرف ركودا بل تراجعا ملحوظا في بعض السنوات 1 ، ونفقات التسيير لم تتزايد بين سنة 1980 و1990 إلا بنسبة 1,95% سنويا، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن نسبة تزايد الطلبة 2 .

تلك الاختلالات نتيجة طبيعية لسياسة التقويم الهيكلي، التي جُسدت بشكل واضح آنذاك في إصلاح التعليم الأساسي لسنة 1985، فقد كان من بين أهداف هذا الأخير الحد من تزايد النفقات العمومية في التعليم بصفة عامة، حيث تم في هذا الصدد وضع عدة إجراءات فيما يخص التعليم العالي منها:

أ- إبطاء وتيرة القبول مع انتقاء الطلبة وتوجيههم للتخصصات الأحسن تلاؤما مع حاجات النمو الوطني؛

ب- تشجيع التعليم العالي الخاص حتى يخفف من عبء الدولة؛

ت- إلغاء نفقات التجهيز المبرمجة للتعليم العالي؛

ث- فرض رسوم التسجيل والزيادة في أثمان السكن والإطعام بالتعليم العالي؛

ج- الحد من المنح الدراسية بالخارج؛

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008 )-32-

ح- تقليص الطاقة الاستقبالية للأحياء الجامعية.

انطلاقا من هذه الإجراءات، وبعد أن بقيت قيمة المنحة الدراسية شبه جامدة بين سنة 1977 و1983، تم اتخاذ عدة تدابير من أجل المزيد من تقليص النفقات المتعلقة بالمنح الدراسية. منها:

أ- عدم حصول الطلبة المقيمين بالأحياء الجامعية إلا على نصف منحة؛

ب- قبول سنة احتياطية واحدة فقط للمنحة؛

ت- سحب الحق في الحصول على المنحة كاملة أو نصفها عند التكرار؛

ث- التقليص من عدد المنح الدراسية بالخارج.

لقد شكلت هذه التدابير استجابة واضحة لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وظهر أثرها السلبي سريعا على الوضع الطلابي، فرغم أن عدد الطلبة الممنوحين تزايد من 92.370 طالب خلال الموسم الدراسي (1982-1983) إلى 154.054 طالب خلال الموسم الدراسي (1989-1990)، فإن نسبة النفقات المخصصة للمنح انتقلت على التوالي من 51,44% إلى 36,2%، أما نسبة الممنوحين بالخارج فانخفضت على التوالي من 27,06% إلى 6,28% 3 .

وتكريسا لذلك المنظور التقليدي باعتبار التعليم قطاع استهلاكي، وانسياقا في نفس الاتجاه الذي كرسته المنظمات المالية الدولية، وحتى لا تتضرر خدمة الدين، صدر مرسوم في يوليوز 1983 يفرض رسوما للقبول بالمؤسسات الجامعية، كما كانت هناك محاولة لنهج سياسة التوجيه الإجباري عند ولوج التعليم العالي، إلا أن الاحتجاجات الطلابية المتواصلة حالت دون تنفيذ هذه الإجراءات.

ورغم رفع مخطط المسار (1988-1992) لبعض الشعارات لإنقاذ الجامعة من قبيل: متابعة اللامركزية الجامعية، إدماج المؤسسات الجامعية في البيئة الاقتصادية والاجتماعية، منح تسهيلات للطلبة كالضمان الاجتماعي والنقل، فإن غياب الإرادة السياسية الحقيقية، والارتهان إلى توصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بالإضافة إلى بعض العوامل الموضوعية من مثل توالي سنوات الجفاف بين سنة 1981 وسنة 1987، وثقل النفقات العسكرية، وارتفاع قيمة الدولار، وتزايد أسعار النفط، وارتفاع الديون الخارجية –كل هذه المعطيات- جعلت الوضع يستمر على ما هو عليه من أثار سلبية. يقول الأستاذ مكي المروني في هذا السياق: “إن هذه السياسة –أي سياسة تقليص النفقات- أدت إلى تدهور شروط العمل، وتعزيز الفارق بين تعليم جماهيري، ذي توجه أكاديمي، وطابع مفتوح، وأعداد غزيرة، وتأطير ضعيف من جهة، وتعليم نخبة ذي توجه تقني ومهني، وطابع انتقائي، وأعداد محدودة، وتأطير مناسب (في مؤسسات تكوين الأطر وبعض مؤسسات التعليم العالي الخاص) من جهة أخرى. إن تقليص نفقات التعليم العالي تم على حساب فعاليته وجودته” 4 .

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -9-

[1] ميزانية الاستثمار في التعليم العالي انخفضت من 600 مليون درهم سنة 1986 إلى 295,5 مليون درهم سنة 1989 إلى 462,5 درهم سنة 1994.\
[2] المروني (المكي)، الإصلاح التعليمي بالمغرب، الطبعة الأولى، البيضاء، 1996، ص 195.\
[3] نفس المرجع السابق ص 196.\
[4] نفس المرجع السابق ص 196.\