المبحث الثاني: تتبع “الإصلاح الجامعي” بعد سنة 1983

تميزت سنة 1983 بتطبيق سياسة التقويم الهيكلي المملاة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وقد كان من نتائجها المباشرة ما يلي:

– إعادة التوازنات الأساسية؛

– إخضاع السياسة الاقتصادية للإكراهات الخارجية؛

– تقليص حجم الكتلة النقدية؛

– الحفاظ على مرونة معدل الصرف؛

– الخفض من نفقات التجهيز؛

– الحد من التشغيل المباشر؛

– تجميد الأجور؛

– الرفع من أسعار بعض المواد الغذائية المدعومة؛

– توسيع مجال الإعفاء الجمركي؛

– تسهيل الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتصدير؛

– صدور قانون الخوصصة سنة 1989 1 .

تسببت هذه النتائج في اختلالات اجتماعية عميقة، تجلت في عجز واضح شمل خصوصا المجالات الاجتماعية من تعليم وتشغيل وإسكان وصحة. وقد تأثر تطبيق إصلاح التعليم العالي بإجراءات التقويم الهيكلي على المستوى التنظيمي والمالي (المطلب الأول) مما كان له نتائج سلبية على مردودية التعليم العالي، سواء الداخلية أو الخارجية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: على المستوى التنظيمي والمالي

أسهم الهاجس المالي في تأخير إنقاذ الجامعة من تلك الفوضى التنظيمية، التي عرفتها في الفترة السابقة، إذ أن الهيئات الجامعية، التي نص عليها ظهير 25 فبراير 1975، لم يتم تنظيمها إلا ابتداء من سنة 1987، أي بعد اثنتي عشرة سنة من إصدار الظهير الجامعي، وقد كان لهذا التأخير عواقب تنظيمية أخرى.

وإذا كنا قد رأينا أن تقليص النفقات في الوقت الذي تزايد فيه الطلبة بكثرة كان له أسوأ الأثر على التعليم العالي، فإن إجراءات التقويم الهيكلي ستزيد من حدة ذلك.

الفقرة الأولى: على المستوى التنظيمي

باستثناء جامعة محمد الخامس، التي كانت تتوفر على رئاسة جامعية شكلية 2 ، بقيت الجامعات الأخرى دون رئاسات ومصالح إدارية إلى حدود سنة 1985؛ ليتم إحداث رئاسة جامعة الحسن الثاني بالبيضاء، وفي الموسم الجامعي (1986-1987) سيتم إحداث رئاسات جامعات أخرى: جامعة القرويين، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، جامعة محمد الأول بوجدة، جامعة القاضي عياض بمراكش.

وقد لوحظ رغم إحداث هذه الرئاسات أنها لم تجد مقرات دائمة لها، كما تم الاكتفاء فقط بتعيين رؤساء الجامعات وكتابها العامين، دون إحداث الهيكلة التنظيمية المشار إليها في الظهير. نفس الأمر ينطبق على المؤسسات الجامعية؛ وذلك بسبب عدم صدور أي من القرارين، اللذين نص عليهما ظهير 25 فبراير 1975، سواء القرار المتعلق بالمصالح الإدارية للجامعة، أو القرار المتعلق بالمصالح الإدارية للمؤسسة الجامعية. وبقي الانتظار إلى غاية سنة 1987، لتصدر وزارة التربية الوطنية مذكرتين، الأولى خاصة بتنظيم المصالح الإدارية لرئاسات الجامعات 3 ، جعلت السلم الإداري للجامعة يشتمل بالإضافة إلى الرئاسة والكتابة العامة على ثلاثة أقسام؛ كل قسم يتكون من مصلحتين 4 . والثانية خاصة بتنظيم المصالح الإدارية للمؤسسات الجامعية 5 ؛ فبعد أن قسمت المذكرة الثانية مؤسسات التعليم العالي إلى ثلاثة أنواع: مؤسسات العلوم الاجتماعية، المؤسسات العلمية، وكليات الطب والصيدلة، جعلت لكل نوع من هذه المؤسسات خمس مصالح 6 . وفي المذكرتين معا تمت الإشارة إلى الطابع المؤقت لهذا التقسيم الإداري في انتظار القرارين المنصوص عليهما في الظهير؛ إلا أن الهيكلة المؤقتة أصبحت دائمة؛ حيث لم يصدر عن الوزارة أي قرار لوضع التنظيم النهائي. ففي يناير 1981 صدر مرسوم يمدد مقتضيات مرسوم 19 يناير 1976، بشأن نظام التعويضات المرتبط بمزاولة المهام العليا في مختلف الوزارات، ليشمل بعض موظفي الجامعات والمؤسسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر العليا والأحياء الجامعية، والفصل السادس من هذا المرسوم يحصر عدد الأعوان الذين يمكنهم الاستفادة من التعويض عن مزاولة المهام في ثلاثة مسؤولين فقط عن كل مؤسسة جامعية أو مؤسسة لتكوين الأطر، وهم: رئيس المؤسسة ونائبه أو مساعده والكاتب العام.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975 - 2008) -30-

لقد كان هذا الفصل من أسباب فشل مشاريع قرارات تنظيم الرئاسات الجامعية ورئاسات المؤسسات الجامعية، وجدير بالذكر أن وزارة التربية الوطنية هي من اقترحت مقتضيات الفصل السادس من مرسوم يناير 1981!.

أما فيما يرتبط بالنظام الداخلي للجامعة الذي نص عليه الفصل السابع عشر من الظهير، فلم يكتب له الوجود في أية جامعة، رغم إحداث رئاسات الجامعات ومجالسها. وقد يكون من أسباب ذلك حداثة عهد تلك المجالس، وقصور تركيبتها، وضعف فعاليتها. وقد كان للفارق الزمني بين تاريخ التنصيص عليها وتاريخ إحداثها أثره البين في ذلك. وأمام نهضة الحركة الطلابية من جديد في بداية عقد التسعينات صدرت مذكرة جديدة لوزارة التربية الوطنية 7 ، تدعو رؤساء الجامعات إلى إعداد مشاريع للنظام الداخلي، واحتوت المذكرة على العناصر الأساسية التي يجب أن يشتمل عليها مشروع النظام الداخلي 8 ، وتعد تلك المذكرة مخالفة صريحة لظهير 25 فبراير 1975؛ حيث نص الفصل 17 أن مجلس الجامعة يتولى إعداد النظام الداخلي، ثم تصادق عليه السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، دون أن يمنحها أدنى حق في التوجيه أو المراقبة القبلية. ورغم أن الوزارة الوصية كانت تسعى إلى تطبيق النظام الداخلي خلال الموسم الجامعي (1992-1993) فإن ذلك لم يتم لسببين اثنين حسب الباحث حسين العمراني 9 :

“1- أغلبية المسؤولين الجامعيين لم يفهموا التعليمات الموجهة إليهم؛ حيث تم الخلط بين النظام الداخلي والتنظيم الهيكلي.

2- تعدد المشاريع المقدمة وتناقضها وتباينها تباينا كبيرا، مما جعل الإدارة المركزية حائرة في التصرف”.

أمام هذا الفشل في إعداد الأنظمة الداخلية، وأمام تزايد الهاجس الأمني بسبب تنامي الحركة الطلابية، قامت الإدارة المركزية بتأليف شبكات مؤسساتية؛ بحيث تتكون كل شبكة من المؤسسات ذات نفس التخصص على الشكل الآتي:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -31-

– شبكة كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية؛

– شبكة كليات العلوم؛

– شبكة كليات الآداب والعلوم الإنسانية؛

– شبكة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان؛

– شبكة المدارس العليا للتكنولوجيا ومدارس تكوين الأطر.

يترأس كل شبكة من هذه الشبكات رئيس جامعة، كما تم ربط هذه الشبكات مباشرة بالوزارة الوصية، ومن أهم المهام التي أنيطت بهذه الشبكات وضع مشروع نظام داخلي موحد للمؤسسات المكونة لها. بهذا سيكون التعليم العالي قد ابتعد كثيرا عن مقتضيات ظهير 25 فبراير 1975.

أما فيما يرتبط بمجالس الجامعات، ومجالس المؤسسات الجامعية، فأهم ما لوحظ بعد إحداثها ما يلي:

أ- وجود تفاوت في نسب مختلف الفئات داخل نفس المجلس من جهة أولى، وتفاوت في العدد والنسب بين مختلف المجالس من جهة ثانية (الجدول 5 و6)؛

ب- بطء وتيرة عمل هذه المجالس، وضعف فعاليتها، وقد يكون من أهم أسباب ذلك عدم تخويلها اختصاصات تقريرية واضحة.


[1] العوفي نور الدين، التحولات الاجتماعية بالمغرب.\
[2] كانت جامعة الرباط تسير بشكل مباشر تقريبا من طرف الوزارة الوصية.\
[3] المذكرة رقم 87/45 بتاريخ 1 غشت 1987.\
[4] على الشكل الآتي:

أولا: قسم الشؤون الثقافية والاجتماعية والنشر.

1- مصلحة الشؤون الطلابية والاجتماعية.

2- مصلحة النشاط الثقافي والنشر والخزانة والمطبعة.

ثانيا: قسم الدراسات العليا والبحث العلمي والتخطيط والتعاون.

1- مصلحة الدراسات العليا والبحث العلمي والتخطيط والإحصاء وتكوين الأطر.

2- مصلحة العلاقات الخارجية والتعاون.

ثالثا: قسم الشؤون الإدارية والمالية.

1- مصلحة الموظفين والتشريع.

2- مصلحة التموين والمحاسبة والصيانة.\

[5] المذكرة رقم 87/46 بتاريخ 10 غشت 1987.\
[6] على الشكل الآتي:

– مؤسسات العلوم الاجتماعية: مصلحة شؤون الموظفين – مصلحة الشؤون الاقتصادية – مصلحة الشؤون الطلابية – مصلحة الخزانة والتوثيق – مصلحة الدراسات العليا والبحث العلمي والتعاون.

– المؤسسات العلمية: مصلحة شؤون الموظفين – مصلحة الشؤون الاقتصادية – مصلحة الشؤون الطلابية – مصلحة التجهيز والصيانة – مصلحة الدراسات العليا والبحث العلمي والتعاون.

– كليات الطب والصيدلة: مصلحة شؤون الموظفين – مصلحة الشؤون الاقتصادية – مصلحة الشؤون الطلابية – مصلحة التجهيز والصيانة – مصلحة الدراسات والمباريات والامتحانات والتخطيط والبحث والتكوين المستمر.\

[7] المذكرة رقم 92/35 بتاريخ 8 ماي 1992.\
[8] هذه العناصر هي:

1- شروط السير الطبيعي للمؤسسات وتنظيم الحياة العامة داخل الحرم الجامعي، واستغلال مرافقه ومكوناته، وتنظيم مختلف الأنشطة داخله: نقابية كانت أو ثقافية.

2- تحديد الإجرءات التأديبية وغيرها الواجب اتخاذها في حق كل من خالف النظام الداخلي أو عاكس السير الطبيعي للحياة الجامعية أو قام بأعمال تخل بالأمن العام وتهدد سلامة الآخرين.

3- تحديد الإجراءات الواجب اتخاذها في حالة تدهور الأوضاع داخل الجامعة.\

[9] العمراني (حسين)، إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، ج1، الطبعة الأولى 1999 ص 51.\