يكتسي التعليم بصفة عامة أهمية خاصة، إذ يعتبر الوسيلة الفعالة، والقاطرة التي لا محيد عنها، لتحقيق التنمية في كل مستوياتها وأبعادها، وذلك من خلال ترشيد الكفاءات، وتوجيه القدرات، ونشر المعرفة والوعي، والقضاء على الجهل، والرفع من المستوى العلمي للشعوب… بل إن مقياس تقدم الأمم أو تخلفها يكون بالنظر إلى نظامها التربوي والتعليمي.

ولما كان التعليم العالي آخر مرحلة تعليمية، كان له أكبر الأثر في تقدم الأمم ورقيها، لذلك حظي لدى مختلف الحضارات باهتمام خاص، بما فيها تلك الحضارات القديمة، من مثل الحضارة اليونانية والرومانية، وخضع لتطور ملحوظ؛ فالأكاديميات العلمية المنتشرة في العالم المعاصر، تجد أصل تسميتها في أكاديمية أفلاطون، التي أنشأها في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، والجامعات المعاصرة يرجع أصلها إلى تلك الجامعة التي أنشأها اليونانيون في الإسكندرية بشمال إفريقيا.

والمغرب لم يكن بدعا من الدول، بل عرف هو الآخر، بانسجام مع حضارته الإسلامية، أنماطا للتعليم العالي، تمثلت ألمع صورها في جامعة القرويين، التي أنشئت في القرن التاسع الميلادي، إلا أن التراجع العام الذي بدأت تعرفه الدولة المغربية في القرون الأخيرة، كان له أثر سيئ على نظامها التعليمي بصفة عامة، وعلى التعليم العالي بصفة خاصة، بل يمكن القول أن ذلك الانحطاط الشامل يتمثل سببه الرئيس في تراجع التربية وانحطاط التعليم بكل مراحله.

هكذا، فُرضت الحماية على المغرب في ظل وضع تعليمي مأزوم؛ فالتعليم العالي الملقن بجامعة القرويين كان يعرف إهمالا ملحوظا لبعض العلوم الأساسية، واعتمادا تاما على الحفظ والاستظهار، ولا مكان فيه للمنهج العلمي بما هو مشاهدة وتجريب وملاحظة، وأصبح الطلاب يعتمدون المختصرات بدل الرجوع إلى أمهات المراجع العلمية المتخصصة… هذا الوضع دفع ببعض العلماء، رغم نير الاستعمار، إلى الدعوة الملحة لإصلاح التعليم بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة، كان من أبرزهم محمد بن الحسن الحجوي، فبعد أن عدد هذا العالم مظاهر الأزمة بالشكل الذي رأيناه آنفا، قدم مشروعين للإصلاح، أولهما سنة 1914، والثاني سنة 1929، لكن لم يكتب لأي منهما التطبيق الكامل.

وبعد الحصول على الاستقلال، وجد المغرب نفسه بين نوعين من التعليم العالي؛ الأول اصطلح على تسميته التعليم العالي العصري، والثاني اصطلح على تسميته التعليم العالي التقليدي. تمثل الأول في بعض المعاهد والمدارس التي أحدثها المستعمر، وتمثل الثاني بصفة أساسية في جامعة القرويين وجامع بن يوسف. وإذا كان من أهم خصائص هذا النوع الأخير من التعليم العالي التشبث الواضح بأصالة المغرب وحضارته الإسلامية، فإنه –مع ذلك- كان ولا يزال يتخبط في ذلك الوضع المأزوم، الذي أشار إليه محمد بن الحسن الحجوي. أما التعليم العالي العصري فقد استطاع أن يحقق انفتاحا على علوم العصر، لكنه يعرف وضعا من الشتات وعدم التنسيق، بل إن مناهجه وبرامجه لم تخل من حمولة استعمارية. فكيف يا ترى سيواجه المغرب بعد الحصول على الاستقلال هذا الواقع؟

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -14-

لقد انصب الاهتمام على تطوير التعليم العالي العصري، من خلال إحداث جامعات عصرية، وتقديم الدعم لتلك المدارس والمعاهد المتخصصة، وتم إصلاح جامعة القرويين بهدف عصرنتها. والذي يبدو خلال السنوات الأولى من الاستقلال غياب سياسة واضحة للتعليم العالي، فالهاجس الوحيد تمثل في إيجاد مقاعد للطلاب الذين يتزايد عددهم سنة بعد أخرى، مما جعل تلك المظاهر التي عرفتها فترة الاستعمار تتضاعف، بل تنتج مظاهر جديدة للأزمة.

وبعد أن مر حوالي ثلاثة عقود ونصف على ظهير 25 فبراير 1975، وظهر قانون جديد للتعليم العالي 1 ، نعتقد أنه أصبح من الضروري مساءلة التجربة “الإصلاحية” لمنظومة تعليمنا العالي، فنرجو أن يكون هذا البحث مساهمة في ذلك.

وإذا كنا سنتطرق لمفهوم التعليم العالي عند الحديث عن ظهير 25 فبراير 1975، وكذا عند الحديث عن القانون 01.00، فإننا نتبنى منذ البداية تعريفا مختزلا للتعليم العالي بكونه ذلك التعليم الذي يستهدف الطلاب الناجحين في امتحانات الباكالوريا، ويلقن بمؤسسات تعليمية ذات طابع نظامي، تخضع قانونيا وإداريا، إما للسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، أو لأجهزة رسمية أخرى، أو تكون تابعة للقطاع الخاص.

كما نحدد منذ البداية أهداف هذه الدراسة وتساؤلاتها الأساسية والمقاربات المعتمدة.

أولا: أهداف الدراسة

ترمي هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

1. معرفة تطور التعليم العالي بالمغرب من سنة 1975 إلى الآن، وذلك بوضع كل من ظهير 25 فبراير، والقانون الجديد المنظم للتعليم العالي في إطارهما التاريخي.

2. الإحاطة بمختلف عناصر أزمة التعليم العالي من أجل تحديد مواصفات الإصلاح المطلوب.

3. استخلاص الخصائص التي طبعت تنظيم التعليم العالي بالمغرب والبحث عن الشروط اللازمة لنجاحه.

4. المساهمة بملاحظات واقتراحات نعتقد جدواها للنهوض بالتعليم العالي.

ثانيا: تساؤلات أساسية

لتحقيق تلك الأهداف ننطلق من أسئلة أساسية نذكر منها:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -20-

هل يكمن مشكل ظهير 25 فبراير 1975 في تطبيقه الجزئي؟ أو أنه بالإضافة إلى التعثر في التطبيق توجد بوادر النقص والقصور في مضامين النص ومحتوياته؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الخلفيات التي حكمت المشرع في وضعه لأول تنظيم جامعي؟ وما هي المحاولات التصحيحية التي عرفها تنظيم 1975؟ وإذا عرف عقد التسعينات من القرن الماضي أزمة واضحة في التعليم العالي ومشاريع متعددة للإصلاح، فلماذا ظل الإصلاح مفقودا؟ ولماذا لم تعرف تلك المشاريع المتعددة طريقها نحو الإلزام القانوني؟ ومن تم طريقها إلى التنفيذ والتطبيق؟ وما هو السياق العام بشقيه الخارجي والداخلي للقانون الجديد المنظم للتعليم العالي؟ وما هي أهم الملاحظات حول هذا القانون؟ وكيف كان مسار تطبيقه؟ وما هي حصيلة كل ذلك، ليس فقط على مستوى التعليم العالي، وإنما على مستوى كل مراحل التعليم، بل على مستوى المجالات الثقافية والعلمية والتنموية؟

وهل يكمن قصور إصلاح التعليم العالي بالمغرب في عدم تطبيق النصوص؟ أم يكمن في تلك النصوص نفسها وفي ما حوته من مضامين؟ وإذا كان المشكل في النصوص أيضا، فهل يرجع ذلك إلى خطأ في التقدير، وتذبذب في الصياغة، أم أنه يرتبط بإرادة سياسية معينة واختيارات محددة؟ وهل يملك المغاربة حق التقرير والاختيار في التعليم العالي؟ أم أن تعليمنا العالي لا يزال رهين إكراهات خارجية؟ وما هي أهم الخصائص التي طبعت تنظيم التعليم العالي بالمغرب؟ وهل من اقتراحات للنهوض به؟ …

ثالثا: المقاربات المعتمدة

إننا لم نرتبط في دراستنا هذه بمقاربة بعينها، بل كان همنا الاستعانة بمجموعة من المقاربات، في أفق تحقيق الأهداف المرسومة، وخدمة الأغراض المنشودة، وذلك على الشكل الآتي:1. المقاربة التاريخية

إن اعتمادنا المنهج التاريخي في هذا البحث ساعدنا على معرفة التطور الذي شهده تعليمنا العالي على مختلف المجالات. وإذا كان ظهير 1975 تجاوز زمنه المفترض، فإن المقاربة التاريخية ستمكننا من معرفة أثر ذلك في تعميق مظاهر الأزمة وتنويعها. وبما أن معرفة الماضي تساعد على استيعاب الحاضر، والتأهيل للمستقبل، فإن رصدنا للتطور التاريخي للتعليم العالي منذ سنة 1975 إلى الآن سيمكننا من مساءلة موضوعية للقانون 01.00، ولسياقه الخاص المتمثل في الميثاق الوطني للتربية والتكوين…2. المقاربة القانونية

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008 )-15-

تعد هذه أهم مقاربة تم اعتمادها في البحث بعد المقاربة التاريخية، حيث لم نجعل بيننا وبين النصوص التي توخت إصلاح التعليم العالي أية وسائط، بل كان الرجوع المباشر إلى تلك القوانين لفحصها، والتنقيب فيها عن إيجابيات الإصلاح وسلبياته، وفي بعض الأحيان كان من أهم معايير التقييم مدى انضباط تلك النصوص لمقومات النص القانوني وخصائصه…3. المقاربة الإحصائية

لم نجد أفضل ما نبرز به واقع التعليم العالي من إحصاءات وبيانات، حرصنا كل الحرص على استيفائها من الوثائق الرسمية، وقد مكنتنا المقاربة الإحصائية من وضع جداول تلخص تطور التعليم العالي في بعض المستويات، كما مكنتنا من الاجتهاد في وضع بعض الجداول والرسوم البيانية…4. المقاربة التحليلية

يتضح ذلك من خلال التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، عبر الانطلاق من الكل إلى الجزء، حيث ننطلق في بعض الأحيان من الظواهر العامة لنصل إلى الظواهر الجزئية المتفرعة عنها، لكننا لا نغوص في التفاصيل، إلا بالقدر الذي يتيح تحقيق الأهداف المتوخاة من هذه الدراسة…5. المقاربة التركيبية

اعتمادنا المقاربة التحليلية لم يمنعنا في بعض الأحيان من اعتماد مقاربة تركيبية تنطلق من الجزء إلى الكل، وتنطلق من الظواهر الفرعية لاستخلاص سمات الظاهرة العامة.

انطلاقا من هذا التقديم سنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أبواب وهي:

الباب الأول: ظهير 25 فبراير 1975: السياق والمضامين والتطبيق المعاق

الباب الثاني: عقد تسعينات القرن الماضي: الأزمة العامة والإصلاح المفقود

الباب الثالث: قانون الأصفار الثلاثة وإعادة إنتاج الأزمة


[1] القانون 01.00 صدر بتاريخ 19 ماي 2000 نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 25 ماي 2000، ع 4798، ص 1194.\