في الفصل الثالث من القسم الأول والمعنون بـ”التأثيرات الأوربية الحديثة في الدعوة الإصلاحية في المغرب”، وقف الكاتب عند دور الاحتكاك المغربي–الأوربي في صوغ وبناء موضوعات النظر الإصلاحي في المغرب المعاصر، هذا البناء الناتج عن الصلة بين النخبة المغربية والأفكار الإصلاحية الأوربية و”التي خرجت إلى الوجود في سياق تحقيق الغلبة الأوربي ونجاح أوربا في إجبار البلاد المغلوبة – ومنها المغرب- على الانتباه إلى نموذجها وإلى مواطن قوتها”.

واعتبر الباحث أن تعرف النخبة المغربية على أوربا كان عبر وسيلتين:

– أولهما: تولدت عن ما عاشه المثقف المغربي داخل بلاده من ممارسات الدول الأوربية “من حيث هي دولة (أو دولة غازية) وسيحصي أوجه الشبه بين ممارستها على أرضه (الوطنية) وممارساتها على مجموع “دار الإسلام”.

– وثانيهما: تولدت عن اكتشاف المثقف المغربي لأوربا من “الداخل” من واقعها المعاش من واقع اقتصادي واجتماعي وتنظيمي وسياسي وعمراني وثقافي…..الخ. هكذا وباحتكاك النخبة المغربية بأوربا في كلتا الحالتين لاشك أن ذلك أثر في الوعي المغربي الحديث الذي أصبح يتوق ويتشوف نحو التقدم والترقي والتمدن والإصلاح”.

وفي هذا السياق العام وقف الباحث أولا عند “أوربا المعيشة” ووعي المثقف المغربي بها، من خلال رصده لثلاثة نماذج للاحتكاك بالغازي الأوربي، فتحدت عن احتلال الجزائر، وما مثله حدثي إيسلي ( 1844) وتطوان (1859-1860) من وجه لأوجه الضغط العسكري الأوربي على المغرب من جهة، و”من مناسبة لإعادة بناء وعي النخب بشروط التقدم من خلال تمثل قوة الغالب”. هذا الوعي الذي جعل الفئة المثقفة المغربية تبحث أولا عن تفاسير لنمو وتقدم وقوة أوربا. ولقد كانت العلة في نظرهم في شيء اسمه “التنظيم” هذا التنظيم الذي شمل بنيوية الدولة في شتى النواحي من تنظيم للجيش، والتنظيم الإداري والتنظيم السياسي ثم الجانب العلمي.

واستخلص الكاتب أن “أوربا الماثلة المسيطرة على الأرض، غازية محتلة، لكنها مثار إعجاب لأنها قوية. قوتها شاملة ومتكاملة: في الجنس والإدارة والنظام السياسي، وفي الميدان العلمي، وهي لذلك كله، ستكون مصدرا من مصادر تمرين الفكر الإصلاحي لدى النخبة الواعية”.

ووقف ثانيا عند “أوربا المشاهدة” كمحطة عاين فيها المثقف المغربي أوربا من داخلها وقد “بدت أوربا في هذه اللحظة أكثر جاذبية وإغراء، بل هي أودعت شيئا من عجائبها في نفسه يحمله متاعا إلى دياره عله يجد السبيل والأداة لإنهاض الهمم وبث دعوة الإصلاح”.

وأكد الكاتب أن أحداث العلاقة الأوربية المغربية من هذه الناحية تمت من “خلال رحلات عدة لمثقفين مغاربة إلى البلاد الأوربية”.

وقد اقتصر في هذا الإطار على رحلة الصفار لاعتبارات عدة أجملها في :

– كون الرحلة وقعت وحررت في وقت مبكر جدا 1845، أي بعد 15 سنة من احتلال الجزائر وسنة واحدة على معركة إيسلي.

– لأنها كتبت بمرور 15 سنة على تحرير رفاعة الطهطاوي لرحلته الشهيرة “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -1-

– لأنها تقدم صورة تفصيلية عن أوربا كما تمثلها الجيل الأول من المثقفين المغاربة الذي اصطدم بها.

– لأنها تنطوي على إعجاب عميق للنظام الأوربي-الفرنسي.

هكذا وقف الكاتب وقفة تأمل ودراسة عميقة وفاحصة لرحلة الصفار كنص “ذات وظيفة في المجتمع والفكر”، وسجل ملاحظات حولها أهمها:

– إعجاب وانبهار الصفار بفرنسا “مع أنه أبدى في مواطن كثيرة تمنعا ضد الاعتراف بذلك”.

– أن الصفار، إذ “يصف فرنسا- نظاما سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا – كان يصفها بوعي مقارن”.

– سقوط الصفار في بعض “السقطات الإيديولوجية لبس فيها ثوبه القومي والديني فقرأ الموضوع من مرجعه”.

– أن الصفار قرأ ووصف الواقع الفرنسي ب “نظام مفاهيمي إسلامي تقليدي”.

ويتبين من خلال استقراء المؤلف بلقزيز لرحلة الصفار مدى “الفارق بين صورة فرنسا في الرحلة ( فرنسا المشاهدة)، وصورتها المعيشة، كما هي عند مثقف معاصر للصفار كالكردودي مثلا، إنها في الأولى إيجابية بينما هي في الثانية سلبية”.

وبناءا على كل ما تقدم صاغ المؤلف استنتاجات عامة لهذا القسم الأول من كتابه، استجمع من خلالها لأهم ما تمت دراسته، وسجل خلاصات يمكن وضعها على الشكل التالي:

* مدى إقبال المثقف النهضوي على التعامل مع ضرورات الإصلاح، شعورا منه بأن فعل الإصلاح من صميم الإسلام.

* مدى وعي الفقهاء المصلحين بضرورة الانفتاح على الآخر تحقيقا للمصلحة العامة.

* مدى التداخل بين البعدين العقدي والسياسي في تبني الفقهاء المغاربة للوهابية.

* ازدواجية نظرة المثقف الإصلاحي المغربي لأوربا، فهي رمز للمدنية والتقدم والإعجاب من جهة، ورمز للوحشية والاستعمار والغزو من جهة ثانية.

* التزاوج الحاصل بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الأوربية في بلورة الخطاب الإصلاحي للمثقف المغربي حيث “أن الإسلام يمده بفكرة الإصلاح، لكن تقدم له أدوات الإصلاح ونموذجه”.

في هذا القسم الذي يحتوي على أربعة فصول، حاول المؤلف تقصي مختلف مظاهر الإصلاح وتجلياته في وعي النخبة المغربية المثقفة، فتحدث عن الإصلاح في الميادين العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية.

وقبل سبره لأغوار هذا التقصي، وضع الكاتب مقدمة عنونها ب “من أجل النظام” ذكرنا من خلالها، من جهة على أن هزيمتي إيسلي وتطوان كانتا “المناسبة الأولى لتأمل المغرب في معماره العام”، وأنها كانت وراء إدراك “المثقفون المغاربة دور غياب النظام في إلحاق الهزيمة بعسكر المغرب”، ومن جهة ثانية ذكرنا بأن مثل ذلك ما أحدثته “أحداث الفتن الداخلية” المغرب بداية ق 20، فقد كشفت هي الأخرى عن “غياب النظام وأنعشت أفكار ومقترحات الإصلاح”.

وفي هذا السياق أكد الكاتب على أن مؤسسة الجيش أول ما جرى الانتباه الإصلاحي إليه بحسبانها أداة القوة والاستقرار والسيادة”.

وتبين من خلال ما قدمه المؤلف عن تحديث الجيش، ورغم أهمية هذه المسألة، أنه لم يقدم لنا صورة واضحة عن حيثيات وتجليات هذا الإصلاح، بل اكتفى بإحالة القارئ على عدد من المصادر والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع، والإشارة إلى أن برنامج إصلاح الجيش قائم على ثلاثة قواعد “إنشاء مؤسسة عسكرية نظامية، خلق أطر إدارية عصرية ومثقفة ثم تأسيس نظام جبائي جديد”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -4-

وفي الفصل الرابع “إصلاح التعليم أو من أجل إنتاج نخب جديدة” أشار المؤلف بداية إلى أن انفتاح المغرب على أوربا في ميدان إصلاح التعليم، “اتخذ شكلين رئيسين: أولهما إرسال بعثات علمية إلى أوربا والشرق، بكثافة خاصة في فترة حكم المولى محمد الرابع والمولى الحسن الأول، وثانيهما تطوير وتعميم تدريس العارف العلمية (حساب، هندسة، فلك….).

وأكد الكاتب في مقابل ذلك، على أن “إعادة النظر في الجهاز التعليمي التقليدي وإرساء نواة المؤسسة التعليمية الحديثة”.

طريقان أساسيان لتكوين “ذهنية جديدة” ولعل هذا “ما بدأت بوادره في المرحلة الثانية مع بداية ق 20، حين نضجت في وعي النخبة المغربية فكرة إصلاح القرويين”، ونضوج فكرة إرساء المدرسة الحديثة على مثال ما هي عليه في البلاد الأوربية.

ركز إصلاح التعليم إذن على نقطتين أساسيتين: إصلاح القرويين وتبني نمط النظام المدرسي العصري.

فبالنسبة لإصلاح القرويين الذي أدخله الكاتب ضمن ما سماه ب”التحديث من الداخل” ويرجع بداية التجربة الإصلاحية للقرويين إلى بداية العقد الثاني من القرن العشرين “حين قام الفقيه المخزني محمد بن الحسن الحجوي بصياغة تصور إصلاحي متكامل حول مؤسسة القرويين، واقتراحه على المخزن، فالنهوض بمهمة تنفيذه بعد مهمة التكليف الرسمي السلطاني بذلك”.

ولقد كان الباعث لدى الحجوي وراء ضرورة إصلاح القرويين هو “غياب التنظيم العلمي والإداري” ومن ثم ضرورة “إدخال النظام إليها”، وكذا ما آلت إليه المعرفة الفقهية في المغرب عموما.

ولقد كان ل”التكليف السلطاني” دور مهم في إخراج مشروع الحجوي “من ساحة النظر إلى ميدان الاختبار”. ومن هنا جاء المؤلف ليقدم للقارئ معطيات ومحتويات هذا المشروع وما آل إليه.

ففيما يخص معطياته، استقرى بلقزيز كتاب الحجوي “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”، فبين ما قدمه الحجوي في مجال إعادة هيكلة القرويين، وما تتسم به من “الروح العصرية التي كانت قوام إدارتها”. ومن “ممارسة متكاملة للقواعد الديمقراطية الحديثة”، كما أن الإطلاع على القانون الأساسي للمشروع يبين مدى “الوعي الحاد بحيوية ومركزية” النظام “في تصور أي عمل إصلاحي”.

ورغم ما حواه هذا القانون من مطالب مرتبطة بالجانب العلمي والإداري، مطالب فرضتها فكرة الإصلاح في جامع القرويين، وما تعبر عنه من “درجة من التشبع بروح القوانين العصرية”، فإن مشروع الحجوي لم يكتب له الاستمرار”إذ سرعان ما سيعفى الحجوي من منصبه في العام نفسه الذي عين فيه، لتنتهي هذه المحاولة إلى الإخفاق والإجهاض”.

وهكذا انتهى مشروع الحجوي إلى الزوال، ومرد ذلك حسب الحجوي إلى أمرين “التنافس والتنازع داخل نخبة الدولة وإيثار المصلحة الشخصية”. إلا أن بلقزيز يضيف سببا آخر لإخفاق الحجوي يعتبره جوهريا في الموضوع “إنه التقليد”، حيث أن الحجوي جاء ضد التقليد الذي يتعارض مع مقومات القوى المحافظة التي وقفت ضده، خوفا على أهدافها ومكانتها.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -3-

إن فشل الحجوي في محاولته الإصلاحية للقرويين بعد إعفائه من منصبه عام 1914، لم يقف أمام السير في مسعاه خاصة وأنه “أعيد تكليفه بنيابة الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف عام 1918” وحول اهتمامه بإصلاح التعليم إلى صعيد المدارس عموما وليس على صعيد القرويين فحسب.

ولقد حدد الكاتب الأهداف التي حواها المشروع الإصلاحي للحجوي في أربعة أهداف “التجديد، أحياء العلوم العربية، الانفتاح على المعرفة المعاصرة، إقامة التعليم على أساس نظام عصري”.

أما بالنسبة للنظام المدرسي العصري أو نواة الحداثة، فقد جاءت الرغبة في بنائه، بعدما صار النظام التعليمي في المغرب نظام تقليد لمدة طويلة، ومن ثم فهذه الرغبة، هي محاولة لإعادة النظر في هيمنة هذا النظام التقليدي وذلك ب “إدخال النظام العصري وبداية تعميم مؤسساته في المدن الكبرى في العقد الثاني من هذا القرن (العشرين)”.

وكان ممن دافع عن هذا النظام العصري، عدد من دعاة الإصلاح، أمثال محمد بن الحسن الحجوي وأبي عبد الله الأعرج السليماني.

وخلص المؤلف في هذا الصدد إلى أن “الرغبة في إصلاح التعليم رغبة أصيلة لدى الرموز النهضوية من النخبة المغربية، ولم تكن صدى باهتا للمشروع الاستعماري الذي قضى بإدخال هذا النظام الحديث لاستيلاء نخبة جديدة تحتاجها إدارة “الحماية” الوسيط بينهما وبين الأهالي”.

ولعل من الجواب الذي تضمنه مشروع إصلاح التعليم لكل من الحجوي والسليماني، عن سؤال طرحه المؤلف حول: لماذا إصلاح التعليم وتعميمه؟ تبين مدى “التلازم بين الرقي والتقدم وبين العلم واكتسابه بالتعليم”، وهذا الوعي العميق برسالة التعليم في صناعة شروط التقدم هو ما يؤسس فكرة “توزيع المعرفة توزيعا عادلا، ولم يتحقق ذلك إلا ب “إصلاح برامج التعليم تبسيطا، والتركيز ابتداء على التعليم الأساسي، أي ما عبرنا عنه بخوض غمار إستراتيجية البناء من تحت”، وهذا حسب الحجوي.

ويرتكز مشروع أبو عبد الله السليماني على أساس “الدفاع عن بنية تعليم جديد ترفع من قدرة المجتمع على ممارسة اكتساب أفضل للعلوم والمعارف، والدفاع ذلك متمظهر في صورة عرض صريح لهيكل النظام المدرسي الحديث، كما هو مطبق في أوربا وفرنسا بخاصة”. وبهذا يبدو مشروع السليماني “في جملته عرض تفصيلي للنظام الحديث في فرنسا مع بعض التكيف والتعديل”.

إن مشروع السليماني “شامل وجريء ويعبر بقوة عن ذهنية نهضوية متقدمة لا تهيب من الانفتاح على النماذج والمرجعيات المعاصرة، من دون أن تفقد الشعور لديها بالانتساب إلى حضارة وثقافة أخرى”.

وخلص الكاتب في هذا الفصل إلى أن إصلاح نظام التعليم، بإصلاح نظام القرويين، ووضع مشروع قائم على النظام العصري الحديث، يدخل ضمن ما سماه بـ”إصلاح المؤسسة”.