صدر للكاتب المغربي الأستاذ محمد ياسين العشاب كتاب “تحرير التعليم” في 160 صفحة من القطع المتوسط، يتطرق فيه لمختلف الإشكاليات التي ارتبطت بتطور قطاع التربية والتعليم بالمغرب.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة محاور رئيسية، يتطرق في الأول منها لتحليل تاريخي عميق لأزمة التعليم في المغرب على اعتبار أن الواقع الراهن هو نتيجة لتراكمات متعددة، ومن بين الإشكاليات التي أثارها الكاتب ضمن هذا المحور قضية الأمازيغية واللغة العربية والهوية، ومخططات الاستعمار لتحويل مسار التعليم في اتجاه خدمة مصالحه الاستراتيجية منذ “الظهير البربري” إلى ما بعد الاستقلال، وقضية الفرنكفونية وأسباب انتشارها القوي في جسم التعليم المغربي…

وأثناء تطرقه للمراحل الصعبة التي اجتازها التعليم المغربي أثناء فترة الاحتلال الأجنبي أشاد المؤلف بجهود رواد الحركة الوطنية والعلماء في مجابهة مخططات المستعمر، لكنه في نفس الوقت وجه إليهم انتقادات شديدة في مواضع أخرى من الكتاب.

ومن بين فقرات المحور الأول نقرأ في معرض حديثه عما أسماه الكاتب “الإعصار الفرنكفوني” الذي اجتاح التعليم بقوة أكبر بعد الاستقلال:

” … وفي غمرةِ الفساد السياسيِّ والانشغال بالمآسي التي كانت تعاني منها البلاد، كان الإعصار الفرنكفونيُّ يجتاحُ على جميع الأصعدة والمستويات، لا يَصُدُّهُ صَادٌّ ولا يحول بينه وبين التقدمِ شيء، فمع تمهيد الساحة السياسية يأتي ترسيخ التواجد الاستعماري ثقافيا، لاسيما على مستوى التعليمِ باعتباره مجالا حيويا حَرِيًّا بالاستهداف، وجاء دور الذين تخرجوا من المدارس الرسمية العصرية فتشبعوا بثقافة الاستعمار دون إدراك ووعي، فأُسنِدت إليهم سائر المهام، أما خريجو القرويين وابن يوسف والمعاهد الحرة فأُغلقت في وجوههم الإدارات والميادين الهامة، ما دامت تُسيَّرُ باللغة والثقافة الفرنسية، وتمَّ إلحاق المحظوظين منهم بدواوين الوزارات لتحرير الخطب الرسمية للوزير، ما دام “الاستقلال” يفرض إلقاءها باللغة العربية، ومادام “الوزراء” لا يفقهون إلا اللغة الفرنسية، وكلما ولَجَ مواطنٌ أبوابَ وزارةٍ أو إدارةٍ أو غيرها لم يجد فيها مثقفا واحدا باللغة العربية يتحدث إليه!

وكان الإحباطُ قويا والناسُ يتوافدونَ بأبنائهم وبناتهم على المدارس الرسمية، حتى حُوصِرَتِ المدارس، وأَلَحَّ الآباءُ والأمهاتُ على أبوابها ليحصُلوا على المقاعد المطلوبة، كان أملهم كبيرا وهمتهم متعلقة بتعليم أبنائهم وتأهيلهم للمساهمة في بناءِ وطنهم، فقد وَلَّى العهد الذي كانوا يحذَرُون فيه من إرسالِ أبنائهم إلى المدارس، فلطالما حَرَمُوهم من التعليمِ خوفًا عليهم من التَّغَرُّبِ والعمل مع سلطات الحماية، حتى إذا أقبل الاستقلالُ أَقبَلُوا بأبنائهم عليها بنية ووعي ساذجين.

لم يُدرِكوا أن ما تخوَّفُوا منه على أبنائهم من قبلُ قد ازدادَ قوة وأهمية، وأن المهامَّ الأكثر حيويَّةً في البلادِ إنما تُسنَدُ للنخبة الفرنكفونية، وأن القبولَ الواسعَ في التعليم الرسمي يعني في جانبٍ منه الدفعَ بالتعليم الأصيل والحر إلى الهامش، لأن اجتماعَ أبناء المغاربة على المدارس الرسمية يسهل توحيد التعليمِ وعدم تجزئته إلى أصلي وغير أصلي، مع تكريس الفرنكفونية وتقليص أو إقصاء المواد الإسلامية من التعليم الرسمي، الأمر الذي يفسر مسارعةَ المسؤولين إلى استيعاب الأعداد الهائلة من الوافدين على التعليم ولو باتخاذ إجراءاتٍ ارتجالية وسريعة ومؤقتة”. 1

أما المحور الثاني فنجده تحت عنوان: الحكم للبنك الدولي، ويتمحور حول أزمات التعليم التي نتجت منذ بداية مرحلة الثمانينيات عن تدخلات وإملاءات البنك الدولي، كما يتضمن مطلبا خاصا ينتقد فيه الكاتب طريقة تعامل علماء المغرب مع السلطة وأسلوبهم في الدعوة والإصلاح، ويحملهم فيه مسؤولية إخلاء الساحة لما يسميه “المد الفرنكفوني” الذي تدعمه الدولة للتلاعب بهوية الأمة والتحكم في مناهج التعليم والمسار التربوي، وخضوعهم لسيطرة “التدافع السياسي” الذي جعل منهم “كتلة مدجنة” يوازن بها الحكم كفتي المواجهة بين “اليمين” و”اليسار”.

ولعل من بين أهم الإشكاليات التي تطرق لها المحور الثاني في الكتاب ما يسميه الكاتب “ديكتاتورية السوق” وهيمنة الفكر الرأسمالي على المضمون التربوي للتعليم، ويهاجم بشدة خوصصة التعليم التي أحرقت مضمونه التربوي وفتحت المجال للمتمولين الكبار ليحولوا التعليم إلى “سلعة”، ونقرأ في معرض الحديث عن “تسويق التعليم” هذه الفقرات:

“… دائرةٌ مفرغةٌ يدورُ فيها الإنسانُ الذي لم يَعُدْ يصلُحُ إلا للاستهلاك، وآلةُ إنتاجٍ لا تتوقفُ لحظةً إلا لتعمَل، وتنافسيَّةٌ عمياءُ لا يَبِينُ لها غيرُ الربح، تُغرِقُ بلدانَنَا الْمُفَقَّرَةَ الْمُجَهَّلَةَ في محيطِ الاستهلاك، وتَغْمُرُ كيانَ الإنسانِ من المهدِ إلى اللحد بما تتقنُهُ من ألوان الإشهار وفن التسويق، حتى يفقدَ معناهُ وجدوى تصرفاته، ويدفع به التعليم المُسَوَّقُ الذي تربّى في أحضانه إلى الاستهلاكِ باستمرار، ولا يسألُ الرأسمالُ المتوحِّشُ عن فائدةِ الإنتاجِ ولا عن مدى قدرة المواردِ والموادِّ الخامِّ على توفيرِ المزيد، فليس يهمه إلا أن يستمرَّ الاستهلاكُ بمزيدٍ من الدعايةِ والإشهار، ولو بتدجينِ عقل الإنسانِ حتى يَظَلَّ يلهثُ في طلبِ المنتجاتِ وإن فَرَغَتْ منها الأسواق، ولو برَهْنِ مصيرِهِ وحاضِرِهِ ومستقبلِه بها، وغزْوِه في سائر الميادينِ والمجالاتِ التي تتكوَّنُ فيها شخصيتُه، حتى تتشَكَّلَ وتَصَاغَ بما يريدُهُ السوق، ولو بحرمانهِ وتعاستِهِ من أجلِ رفاهيةِ وسعادةِ أربابِ المال.

… وتتغَيَّرُ القناعاتُ بشكلٍ لا شعوري، فتغدو المعرفةُ سوقًا والسوقُ معرفة، وتغزو روحُ الاستهلاكِ المدارس، فتتربى الناشئةُ في مناخٍ اِستهلاكيٍّ حار، تسيطرُ على مخيلتها الصور والألوانُ التي تشاهدها في التلفزة والأنترنت والمجلات والجرائد ولافتاتِ الإشهار في الشارع، ويتولَّدُ لديها الشعور بالحرمانِ كلما تطلَّعت للمزيد، وليس يشفي غليلَها من ذلك شيءٌ مهما كَدَّ الآباءُ واجتهدوا في إرضاء فلذات أكبادهم، ومهما بَذَلُوا لتربيتهم على القيم لم يُدْرِكُوا إلا فائدةَ المزايا المادية، وقَصُرَ فهمُهم للمجتمع والحياةِ في ظلِّ تعليم السوق وسوق التعليم”. 2

ونصل إلى المحور الثالث الذي يعالج إشكاليات أخرى عن علاقة التعليم بالتنمية، وعلاقة الجامعة بالمجتمع، وأثناء معالجة تلك الإشكاليات ينتقد الكاتب كثيرا من مواد وفصول “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، بينما يتطرق غالب هذا المحور لإشكاليات تتعلق بالتعليم القرآني والتعليمين الأصيل والعتيق وجامعة القرويين، وسبل الإصلاح الممكنة للتعليم من منظور خاص ذي مرجعية إسلامية محضة، وهو ما يتجلى بشكل أقوى وأوضح في المطلبين الأخيرين للكتاب.

نقرأ من خاتمة الكتاب:

“كيف يتسنى للأمة أن تساهم في النهوض بتعليمها وفق اختياراتها وهويتها؟

كيف تفعل وهي تَبَعٌ مجرورةٌ مسحوبةٌ بقيود ثقيلة في ركاب النخبة المغرَّبة، تسير بها من سيء إلى أسوء، وتحرمها حق التعبير عن نفسها بنفسها؟

… مناهجُ متعددةٌ وبرامجُ ومخططات، ولقاءاتٌ وحواراتٌ واجتماعات بُذِلَتْ وتُبْذَلُ فيها الأموال، وكَيَانُ التعليم في كل مرة منها يتمزق رويدا رويدا، ويَهْوِي به سَدَنَةُ الاستعمار المتسللون عبر سراديب القرار إلى حضيض التبعية والانفصام، فلا تزيده المناهج والبرامج المتجددة إلا انحسارا وانكسارا، وينسرب بينها الغرس اللائيكيُّ الذي نما واستطال في مشاتل أنظمة التعليم، فلا يزيدها إلا خسارا، ويُلْتَمَسُ شفاء الأدواء وعلاج الأوباء التي نَخَرَتْ جسمَه من وصفات البنك الدولي، ويعدو وراءها الخَلْفُ المهزوم حضاريا وسياسيا ليتقمَّمَ ما يفضُلُ من موائد غُزَاةِ الأمسِ أُسَاةِ اليوم، ويَرْوِيَ غُلَّتَهُ بثُمَالة شرابهم، ويَغْمُرَ عقولَ بنيهِ في حُثَالَةِ فكرِهم، فلا يزيدُ جسمَ التعليم إلا سَقَاما.

وتسقطُ القيمُ وتغتِرِبُ الأخلاقُ والشِّيَم، ويَحكُمُ السوقُ أن نحيى في عقر ديارنا وبين أهلينا غربةَ المَنْفِيِّ المذءوم، لا الإعلامُ ولا الثقافة ولا الفن ولا التعليم المفروض علينا يلائم هويتنا، ولا الحياة التي يغرقنا في يَمِّهَا السوق شاءت لنا كرامةً أو أمنا، ولكنها المصالحُ تقضي بالعزة لمن تشاء وتذل من تشاء، وتسيطر على المعرفة، وتقتحم التعليمَ لتفرغه بأطماعها من جدواه، فإذا به ينسلخ من مضمونه التربويِّ شيئا فشيئا، حتى يصبح تعليمًا من غير تربية، وما نَفَعَ تعليمٌ بغير تربية.

وليس يغني عن التعليم شيئا أن يقترن دائما بمصطلح التربية لفظًا بغير روح، ومبنًى بغير معنى، أو أن يتصدى له موظفونَ يتلقون الأجرة آخرَ الشهر لا تعنيهم في شيءٍ رسالة التعليم وجوهر المعرفة وغاية العلم، وما كان للتربية أن ينضد زهرها ويعبق ريحها وينتشيَ المتلقي بطيب شذاها إن لم تكن أسوةً حسنةً من المُرَبِّي المعلم، لأنها تذبل وتتهشم وينكفئُ أثرها إن كانت كَلاَمًا ونظرياتٍ لا يعكسها سلوكٌ ولا تجسدها قدوة.

… إنه لا صلاحَ ولا إصلاحَ لتربية ولا تعليم إلا إذا كان نابعا من إرادة الأمة وذاتيتها، تسهم فيه بطاقاتها وقواها الصادقة بعيدا عن آفة الاستلاب وأغلال التبعية، وقريبا من المعاني التربوية الأخلاقية الإنسانية، لتنطلق به إلى أفق الحرية الذاتية، وتسمو به إلى مكانته اللائقة التي ترفعه من وهدة الإهمال إلى قمة الإجلال”. 3


[1] الصفحة: 35 ـ 36.\
[2] الصفحة 85.\
[3] الصفحة 152 و156.\