تعرض المسلم في هذا الزمان إلى تخريب خطير جعله لا يهتم في هذا الكون إلا بنفسه، ولا يعنيه منها سوى الجانب المادي، فكانت النتيجة انحطاطا كبيرا وتخلفا مذهلا لأمة الإسلام حتى ساد في كثير من الأوساط العربية والإسلامية النظر إلى المسلمين كأنهم ما خلقوا إلا ليخضعوا للحوادث ويتأثروا بها، جاهلين أو متجاهلين لحقيقة دينية وتاريخية “وهي الحقيقة الخالدة المسيطرة على جميع الاعتبارات السياسية والاقتصادية، إن المسلمين أصحاب رسالة، إن المسلمين أصحاب عقيدة، إن المسلمين جند الله”، وهذا يفرض أول ما يفرض إعادة تركيب الإنسان عقليا ووجدانيا وسلوكيا وفق منهج الإسلام. وحسبي في هذا المقال التذكير بالرسالة، حقيقتها، أبعادها ومقتضياتها.

1- أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا

لكل موجود دور ووظيفة يقوم بها بشكل محدد لأنه خلق الله المنزه عن العبث. فللجماد وظيفة، وللنبات مهمة، وللحيوان دوره، يؤدونه طوعا وكرها، وكذلك للإنسان رسالة يبلغها اختيارا ليتحد مع الكون في أداء حق العبودية للباري عز وجل إضافة إلى وحدته معه في المأتى والمصير. وإلى هذا يشير الله سبحانه في قوله: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا وقوله: وإذ أخذنا من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. فهي إذا مسؤولية وعهد، الوفاء به يرفع إلى الأوج والعبث به يهوي إلى الحضيض.

2- المقاصد الأساسية من خلق الإنسان

* العبادة: قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، فمنطق الإسلام يقضي أن تكون الحياة كلها عبادة وكلها طاعة قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين فالعبادة حركة عقل وجوارح وانطلاقة روح.

* الخلافة: قال الله عز وجل وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، وقال سبحانه ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون، فهي المهمة الوجودية للإنسان وتعني الخلافة عن الله تعالى لتنفيذ مراده وإجراء أحكامه. وظيفتها مباشرة الكون بالروح وبالجسم.

* العمارة: قال تعالى واستعمركم فيها، ويدخل فيها الغرس والزراعة والبناء والصناعات المختلفة التي اعتبر علماؤنا تعلمها وإتقانها فرض كفاية. وهي ضرب من ضروب الحضارة وهذه الأخيرة تعني مظاهر الرقي العلمي والتقني والفني والاجتماعي في الكيان الإنساني.

* الشهادة: قال الله سبحانه هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس وقال أيضا وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس

3- تبليغ الرسالة وحمل الأمانة

أول ما يجب أن يُفهم، حقيقة الرسالة والتي هي في كلمة: الإسلام بمعنى (إسلام النفس إلى واجبها أي إنكار الذات “إسلامها” طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها) فهو رسالة مصالحة مع الله ومع خلق الله، رسالة العدل والأخوة بين الناس استخلافا في الأرض إصلاحا وتعميرا، فهي كلمة الله إلى الأرض هي القرآن باعتباره مادة إحياء وتطهير وتنوير وتحرير، إنها رسالة توحيد لله عز وجل.

وجدير بالذكر كذلك أن “الإسلام عقيدة سليمة، وعبادة خالصة، وخلق قويم، وعمل صالح، وعمارة للأرض، ورحمة للخلق، وتواص بالحق وتواص بالصبر، وجهاد في سبيل الله كما أنه تشريع وقانون منظم”، رسالتنا لأنفسنا وللناس أن يكون الله سبحانه هو غاية كل فرد من العباد.

ولما كانت الرسالة بالرسول وكانت الرسالات الكبيرة تحتاج إلى حراس أقوياء من رجالها وأنصارها، كان لزاما على الإنسان المسلم الرسالي الصالح، أساس الأسرة الصالحة والمجتمع الصالح والأمة الصالحة، أن يكون ذا إيمان وعقيدة، نسك وعبادة، خلق وفضيلة مع من يحب ومن يكره، شريعة ومنهجا، منضبطا يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي، دعوة وجهاد، عمارة وإنتاج، وعقل وعلم. فلا بد له أن يكون – أو يسعى أن يكون – كذلك وإلا فإنه ليس هناك.

يقول الدكتور الترابي في كتابه تجديد الفكر الإسلامي “وجهان من التدين على كل فرد أو قرن من المسلمين: التفقه في الدين اجتهادا، والعمل في الدين جهادا”، واعتبرهما من شروط أداء الوظيفة وتبليغ الرسالة على وجهها الأكمل لأنهما ملخص العلم والفهم والعمل والدعوة.

وأختم شعرا شكر الله ناظمه:ليل بهيـم مدلهم غيـر أن الديك صـاح
الصبح موعدهم، بكم ستعود تزدهر البطاح
ويهزكم ويهز كـل الكون حي على الفلاح