أمَا والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي

الحسين يشد الرحال إلى العراق

بعد أن توالت الكتب على الحسين عليه السلام من أهل العراق، ووصله كتاب مسلم بن عقيل يحثه على القدوم إليها عزم الإمام على الخروج، وانطلق في أيام التروية قبل استشهاد مسلم بيوم واحد (انظر الحلقة السابقة للاطلاع على الطريقة المروعة التي قتل بها)، وفي طريقه إلى الكوفة التقى بالشاعر الفرزدق فقال له: “أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب، فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه، فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، فقال الحسين: صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته، وقال: السلام عليكم ثم افترقا”.

واصل الإمام الحسين عليه السلام مسيره إلى العراق، وبينما هو في طريقه إليها بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل فعزم على العودة إلى مكة، لكن إخوة مسلم رفضوا ذلك وقالوا: “والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتل، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم”.

الحسين في كربلاء

وصل الحسين إلى كربلاء فوجد جيشا ضخما في انتظاره يقدر بأربعة آلاف مقاتل بين راجل وفارس يقوده عمر بن سعد بن أبي وقاص، في حين لم يكن مع الحسين سوى ثمانين من أنصاره بعدما خذله أهل الكوفة وتخلوا عنه كما تخلوا عن ابن عمه وكما تخلوا عن أبيه علي بن أبي طالب من قبل، بل أوصلهم جبنهم إلى إنكارهم كل الكتب التي أرسلوها إليه والتي تدعوه إلى القدوم عليهم لأن الناس لا رغبة لهم في يزيد.

وتمركزت الفئتان المتقاتلتان في هذا المكان: “كربلاء”.

“فإن قُتل الحسين فأوطئ صدره وظهره”

“أما بعد: فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه أو لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر !! فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتُمَثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتل الحسين فأوظئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق، قاطع ظلوم (…) وإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا… والسلام”.

هذا هو نص الأمر العسكري البربري الذي أصدره الطاغية عبيد الله بن زياد والي الكوفة إلى قائد جيشه في كربلاء عمر بن سعد بن أبي وقاص يأمره فيه بقتل ابن بنت رسول الله، وسبط رسول الله، وريحانة رسول الله، وأحب الناس إلى رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، بل والتمثيل به ودق صدره وظهره بالخيول.

طالع أيضا  شخصيات خالدة(8): شهيد كربلاء.. الحسين بن عليّّ 1

روايات تاريخية تحتاج إلى تدقيق

حينما نتصفح أمهات الكتب والمصادر في التاريخ نجدها تذكر أن الحسين قد عرض على عمر بن سعد بن أبي وقاص حلولا ثلاث لإنهاء ما يجري وهي كالتالي:

– أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه.

– أن يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام للجهاد فيه.

– أن يذهب إلى يزيد بن معاوية في دمشق فيضع يده في يده.

وذكرت هذه المصادر بأن الحلول الثلاث نُقلت إلى عبيد الله بن زياد لكنه رفضها رفضا باتا داعيا إلى ضرورة مبايعة الحسين ليزيد، وأرسل الرسالة التي ذكرناها آنفا والتي تحمل أوامره وقراراته العسكرية الهمجية.

لكن وبالنظر إلى الوقائع، وبقليل من التدقيق سنجد أن هذه الرواية عارية من الصحة تماما، وذلك للأسباب التالية:

1- لأن هذه المصادر ذكرت أن عبيد الله بن زياد رفض الحلول التي قدمها الحسين ودعاه إلى ضرورة مبايعة يزيد، مما يجعلنا أمام تناقض واضح، فكيف يطلب الحسين في أحد حلوله بأن يضع يده في يد يزيد بما تعنيه من مبايعة ومساندة، وتأتينا هذه الروايات لتخبرنا بأن عبيد الله بن زياد رفض كل تلك الحلول داعيا إياه إلى المبايعة!! ألم يطلب الحسين نفسه ذلك (حسب تلك الروايات طبعا) حتى يطلبها منه ابن زياد؟!! وكيف يرفض منه ابن زياد أن يضع يده في يد يزيد وفي نفس الوقت يدعوه إلى مبايعته مع أنهما يحملان نفس المعنى ولا فرق بينهما؟! مما يجعل هذه الرواية عارية من الصحة تماما.

2- لأن هناك من رافقوا الحسين عليه السلام من مكة وحتى مقتله ونفوا تلك الرواية، كعقبة بن سمعان الذي قال: “… لم أفارقه حتى قتل، ولا توجد كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم قتله إلا وسمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى أنظر ما يصير من أمر الناس…”.

3- لأن الحسين حينما وقف لحظة القتال وقال: “ذروني أرجع إلى مأمني في الأرض” رد جيش عمر بن سعد فقال: “وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمك” فأجاب الحسين: “معاذ الله إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يومن بيوم الحساب”، وفي هذا رفْض للقبول بحكم يزيد ومبايعته ووضع يده في يده، خاصة وأن هذا الكلام قاله الحسين والحرب على وشك البداية.

4- ماكان للحسين أن يقدم هذا العرض الذي نُسب إليه حتى يقف أمام تلك الجنود المجندة لقتاله، خاصة وأن أنباء مقتل مسلم بن عقيل وتخاذل أهل الكوفة وتفرقهم عنه وصلته بمدة تسمح له بالرجوع وإنهاء الأمر.

طالع أيضا  شخصيات خالدة (1): أسد الله ورسوله: حمزة بن عبد المطلب

5- تَأكُد الحسين ومن خلال قرائن عديدة من أن الشهادة في انتظاره، ومن ثم لا يمكن لرجل كالجسين أن ينقضها بتنازل كهذا، خاصة وهو القائل عليه السلام: “أمَا والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي”.

“هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا”

جمع الحسين أصحابه وأهل بيته وقال لهم: “إني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعا خيرا، ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، ألا وأني قد أذنت فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني زمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإن القوم إنما يريدونني…”، لكنهم تجمعوا حول الحسين وقالوا: “لا بقاء لنا بعدك، لا أرانا الله ذلك أبدا”.

قضى الحسين وأهله وأصحابه ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون استعدادا لغد الشهادة والاستشهاد، في حين كانت خيول جيش عمر بن سعد تحيط بهم من كل جانب.

وتبدأ المعركة…

نحن الآن في صباح اليوم العاشر من محرم، والحسين فوق حصانه يرفع يديه بالدعاء “اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلْتُه بك وشكوتُه إليك رغبة مني إليك فيمن سواك ففرجتَه وكشفتَه، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة”.

زحف عمر بن سعد قائد الجيش فرمى بقوسه وقال: “اشهدوا أني أول من رمى”، شهادة أراد بها الدنيا ونسي أنها شهادة عليه في الآخرة. لتبدأ المعركة بين جيش قوامه أربعة آلاف جندي بين راجل وفارس -كما ذكرنا- وبين ثمانين –فقط- من أنصار الحسين، لكن ورغم هذا التفاوت الكبير في العدد والعُدة فقد أظهر الحسين ومن معه ضروبا عجيبة من الصمود والبذل والشجاعة والإقدام ليرتقوا إلى العلا شهداء واحدا تلو الآخر وهم ملتفون حول الحسين ويقاتلون بين يديه، وتجاوز القتل الرجال المقاتلين إلى الأطفال من عثرته وآل بيته حتى أن أحد أبنائه قُتل وهو في حجر أبيه، ولم يبق إلا هو عليه السلام يقاتل تلك الجموع حتى أثخنوه بالجراح فسقط قتيلا، ليرتقي هو الآخر إلى العلا شهيدا وهو يحمل في جسده ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة.

وتنفيذا لأمر الظالم ابن زياد فقد داست الخيل صدره وظهره، ثم قطعوا الرأس الشريف وبعثوا به إلى يزيد، ولم ينج من القتل من أبنائه إلا علي زين العابدين بن الحسين الذي كان مريضا أثناء المعركة فحفظ نسل أبيه من بعده.

طالع أيضا  شخصيات خالدة (2): الصامد في وجه التعذيب.. بلال بن رباح

روى البخاري في صحيحه بسنده إلى أنس بن مالك قال: “أُتـيَ عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعله في طست ينكت عليه، وقال في حسنه شيئا، فقال أنس: إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مخضوبا بالوسمة”، وفي رواية أخرى عن البزار قال له أنس: “إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث يقع قضيبك (يقصد بالقضيب ما كان ينكث به يزيد رأس الحسين عليه السلام)”.

ثم بعث ابن زياد برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد بن معاوية بالشام، ولننظر إلى هذا المشهد الأليم الذي يصوره لنا ابن كثير عن أحد شهود العيان وهو “الغاز بن ربيعة الجرشي” قال: “والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زُحَر بن قيس فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، وَرَدَ علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته، وستون رجلاً من شيعته (أنصاره) فسِرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتل، فغدونا إليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمام من صقر، فوالله ما كانوا إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على أُخَرِهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة، تصعرهم الشمس وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرَّخم…”.

كان من نتائج فعل يزيد وزبانيته إذن استشهاد الإمام الحسين عليه السلام على ذلك النحو السادي البربري المروع، وقد كان ذلك سببا في قيام العديد من “الثورات” ضد حكم الأمويين حتى انتهى الأمر بسقوطهم وقيام الدولة العباسية على أنقاضهم.

على سبيل الختم

حينما نقرأ عن الحسين (وخاصة إذا اطلعنا على التفاصيل الدقيقة للمعركة) فإننا سنرى أهوالا لا تطاق وأحداثا أغرب من الخيال، سنرى الدماء والآهات والصرخات، سنرى الخيول اللاهثة والسيوف اللامعة والنار المشتعلة، سنرى قتل الأطفال بدماء باردة، والرؤوس المقطوعة بوحشية وهمجية قل لهما النظير… حينها لن تملك نفسك إلا وأنت تذرف الدمع الحار الغزير وتقول: “حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” .

لك الله يا حسين ولأهلك وأصحابك وأحبابك، فأنت مدرسة خالدة يتعلم منها الرجال الصمود والبذل والمقاومة والاستشهاد.