يتحدث المحللون والساسة وعلماء الاجتماع والحزبيون عن الوضع السياسي في المغرب، والملاحظ في خطابهم وحديثهم هو غياب أو تغييب ملاحظات المواطِن البسيط صاحب التعبير الحقيقي عن همومه ومعاناته، والويلات التي يصطلي بها في قوته ومعاشه اليومي. بل إن من يهمهم الأمر لم يكلفوا أنفسهم أن يسائلوه أو حتى يقرؤوا تقاسيم وجهه الذي أعيته كلماتهم وأصبحت تفزعه وجوههم وصاروا نذير شؤم يقظ مضاجعه. همه في واد وأوهامهم في واد.

سؤال مشروع

من الخطابات التي تصخ آذان المواطن المغربي ضرورة المشاركة الانتخابية وواجب الانخراط في المؤسسات، و”تحمل المسؤوليات”، والاهتمام بأمر العباد… والحقيقة أن لا أحد يجادل أو يماري في كون الانخراط في المؤسسات من أجل طرح البرامج والرؤى والحلول التي يراها مناسبة في الاقتصاد والصحة والتعليم ووو… لكن سؤال المواطن هو عن أي مؤسسات يتحدث هؤلاء؟ بل ما معنى المؤسسة في بلدنا؟ ما صلاحياتها؟ من يصنعها؟ من يضع لها الخطط والبرامج؟ متى تكون ديمقراطية؟ ومتى لا تكون؟… وغيرها من الأسئلة التي لابد من الإجابة عنها حتى يكون المواطن على بينة من أمره، لا استغفالا له ومتاجرة في همومه ومصائبه، بعد أن جُهِّل وفٌقر وجُوِّع، واغتُصبت البهجة منه في الأعياد والمناسبات، وأدمي فؤاده في شبابه وفتياته، وأُعدِمت فيه الكرامة والغيرة وإرث الأجداد والآباء، وصار الشعب يتيما، لا مُعين ولا مُعيل. لم يسمعوا المواطن الذي يريد من مؤسساته، أن تعبر عن الخيارات الحقيقية له، مؤسسات تصنع القرار، وتتمتع بالصلاحيات لتنفذ هذه القرارات، مؤسسات تحظى بشعبية داخل أبناء المجتمع. ألم يفهم من يهمه الأمر مقاطعة الانتخابات الأخيرة حين قاطعها ثلثا المغاربة على الأقل، ليبقى السؤال مشروعا عن الشرعية السياسية لهذه الحكومات والمؤسسات؟ ومن تمثل؟ ولمن تعمل؟ ووفق أي مشروع؟… ولنسأل من جهة أخرى من يمثل هذين الثلثين؟ ما محل هؤلاء من الإعراب في المنظومة المخزنية؟ بل حري التنقيب في الأسباب الحقيقية التي كان من أجلها المقاطعة.

على الهامش

لا يتورع كثير من الفاعلين السياسيين في التصريح بأنهم لا يشتغلون إلا على الهامش المتاح، ويتنافسون على ما تبقى من المائدة المخزنية، وهم راضون بذلك مطمئنو القلوب والأفئدة، فجعلوا الشعب مطية لـ”التناوب” عليها، واستصغروه لحداثته، وأبرموا كل أمورهم على الهامش، وكأنهم من غير هذا الشعب الذي يعاني الأزمات من جوهرها وأساسها. وعوض البحث عن حلول جذرية للواقع المأزوم صار البحث في الهوامش. حتى تحولت بعض الهيئات الحزبية السياسية أشبه بالتعاونيات أوالجمعيات المدنية، تتباهى بتنظيف حي، أو تنظيم سهرة فنية، أو…

أما المواطن المكتوي بنار الأسعار، المدفوع بأبواب المشافي والمستوصفات، “المٌريَّش” في الإدارات والطرقات، الضائع في المدارس والجامعات، فلا من يسمع شكواه ولا من يتولاه إلا الباري جل علاه. لا صحة ولا أمن ولا تعليم ولا خدمات. حتى أصبحت ترى أفواج الشحاذين والمتسولين، وقد أبدعوا أيما إبداع في استمالة القلوب التي أقستها الفواتير، والبطالة، وقلة ذات اليد. ولا بأس بما أننا بلد الريادة في كل الميادين- كما علمنا إعلامنا- أن تكون لنا السابقة في تعليم أفريقيا السوداء فنون “التسول”، فرغم لكناتهم المختلفة، وألسنتهم الأعجمية صاروا تلاميذ نجباء لمتسولي المغرب، والممرات العامة، وأبواب المساجد تنبؤك إن كنت جاهلا.

إن مشروع أي حزب في المنظومة الديمقراطية، هو أن يسعى للوصول إلى السلطة لتطبيق مشروعه المجتمعي، نعم مشروع يشتغل على الأساسيات لا على الهوامش حتى تلحظ الفوارق بين حكومة أو أخرى… تساعده في ذلك ثقة المواطنين، الذين يميزون بين مشاريع مختلفة. لا استمرارا حرفيا في الشكل والمضمون.

أما بعد

هذه بعض ملاحظات المواطن المغربي على المهزلة، والتي رضي أن يبقى متفرجا عليها، لأنه يعرف أن العجوز الشمطاء لا تنفعها عمليات التجميل، وإن كانت بالمئات، ولن يرضها عروسا، بل إنه طلقها طلاقا ثلاثا لا رجعة. فهل يعي من يهمه الأمر ما الذي يريده المغربي والمغربية، وما الذي يعيشه، وأي مؤسسات يرضاها، وأن الأزمة أكبر من أن يبق الجَمْع على الهامش؟

الخطب جلل!