نتطرق في هذه الحلقة لمفهوم غاية في الأهمية ضمن منظومة مفاهيم المنهاج النبوي، مفهوم تتضح أهميته كلما تفحصنا كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حيث نجد الحرص على جعل التربية أساس هذه الكتابات، وحيث التأكيد على التربية ثم التربية ثم التربية، وحيث التربية تكون أولا ووسطا وآخرا، وقبل وأثناء وبعد.

ونتناول هذا المفهوم من خلال تعريف التربية والأولوية التي تحظى بها، ثم بعد ذلك نتطرق لخصائص التربية حتى يتضح المقصود منها.

تقول العرب “ربا الشيء يربو ربوا ورباء: زاد ونما. وأربيته نميته (..) ربوت في بني فلان أربو نشأت فيهم (..) ربيته تربية وترببته أي غدوته” 1 ، ويقول الأستاذ المرشد “التربية في مفهوم القرآن والحديث تغيير باطني لنفس الإنسان، ومعناها في اللغة تنمية وتقويم” 2 ، وأهميتها تتضح من خلال ارتباط التغيير العام بها، وفي هذا يقول الأستاذ المرشد “إن قانون التغيير الإلهي قائم على التربية” 3 ، وهي مقدمة الجهاد وشرطه “التربية الإسلامية الدائرة حول محور جهاد النفس وإقامتها في الاتجاه السليم صعدا في عقبة الإيمان هي قوام الجهاد وقاعدته وأساسه” 4 ، وهي علاج داء الفتنة “أما منطلق التنظير المنهاجي فهو أن المسلمين جسم مريض يسمى مرضهم العام فتنة، وهذا الجسم بحاجة إلى تمريض وتطبيب وتربية بمعنى التربية الجذري أي بمعنى التنشئة والتنمية” 5 ، وعن أولويتها يقول الأستاذ المرشد “يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفوفنا وصقل قلوبنا (..) وقل ما شئت بعد أن تحكم مقدمات التربية وأسبقية تجديد الإيمان ويقظة التطلع إلى الإحسان، قل ما شئت عن ضرورة النضج الحركي، وإنشاء الشورى في الصف، وتكتيل الجهود (..) وعن ضبط التنظيم وتطعيمه بالوعي السياسي ودراسة الأوضاع القائمة، وعن التحالفات المرحلية وشروطها، وعن الخصم في الساحة السياسية (..) كل أولئك مكملات متممات ضروريات. أسلحة علمية ومعنوية وإعلامية ومادية لابد منها، لها الفاعلية التامة إن لم تتنزل على فراغ تربوي” 6 . ويؤكد الأستاذ المرشد ذلك حين يبين نتائج غيابها “التنظيم والحركة بلا تربية إيمانية تحزب سياسي ما هو من الإسلام في شيء. قيادة تنطق بالإسلام والقلب فارغ من حب الله والتوكل عليه تقود القافلة للتيه. التحليل السياسي والفقه الفكري دون ذكر الله، والخشوع الدائم بين يديه، هذيان على مستوى هذيان العالم. الحركة دون معرفة النفس وأمراضها وعلاجها هوس. لا يقدر يغير المنكر من في قلبه منكر النفاق. ولا يقدر يأمر بالمعروف من لا يعرف الله عز وجل. تدعو إلى الله في زعمك وأنت لا تعرف الله! لا تعرف الله وأنت تظن أن تشملك عنايته بالذين دعوا إليه بإذنه!

طالع أيضا  سلسلة مفاهيم منهاجية(1): الجاهلية

إن تربية تعطاها هذه الأولوية ويرجى منها تحقيق هذه الأهداف لابد وأن تتميز بخصائص. فما هي؟

– التوازن:

يقصد به شمول التربية لكل جوانب الإنسان، عقله وقلبه وجوارحه، وكذا شمولها للجماعة والفرد، وهذا ما يؤكده الأستاذ المرشد حين يقول “يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقا في الفكر ولا تقصيرا ولا إسرافا في الحركة (..) إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق” 7 ، فعن مزلق الإسلام الفكري يقول “يغلب على كثير من إخواننا الإسلاميين الاهتمام بالتكوين الفكري والتجديد الفكري، وهو أمر لا جدال في أهميته. لكنه ليس التربية التي نريدها شاملة عميقة، قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية تنظيمية بعد” 8 ، وعن مزلق الزهادة يقول “والمؤمن الكامل الإيمان هو ذاك الذي لا يهرب من الميدان مخافة التلوث، لا يدع العالم وصراعاته ليتفرغ للتقوى والعبادة. لا يفصل مصيره في الآخرة عن مصير أمته التاريخي (..) والربط بين المصيرين في وعي المؤمن وعمله من أهداف التربية إن لم يكن أهمها” 9 ، وعن مزلق الحركية يقول “من أخطر الآفات التربوية والتنظيمية شرة الوارد المندفع، ونشوة الحركي الذي يبدد جهده في فورات ثم تخمد”. 10

– التدرج:

“تزول الجبال عن قاعدتها ولا تزول الناس عن عاداتها” 11 ، بهذه الحكمة يوجز الأستاذ المرشد ضرورة التدرج في التربية، وعن سبب ذلك يقول “التربية معالجة لمادة إنسانية، وشخصية لها ماض، وبيئة اجتماعية، واستعدادات. هذه المعالجة تريد من النقيب المربي حلما كثيرا، وصبرا ومداراة (..) وكما تتأخر الشجرة الكريمة الثمار في الإنتاج (..) نصبر على ذوي الاستعداد الطيب السنين حتى ينضجوا”. 12

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (6): الإحسان

– المستقبلية:

تحت عنوان تربية مستقبلية أورد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين كلاما نقتصر على فقرات منه “نحتاج لجماعة تواجه عقبات الحاضر لتخرق طريقها إلى العزة بالله ورسوله عبر عقبات الاضطهاد، لكن مهمتها لا تنحصر في هذا، فلابد أن تهيء المستقبل، مستقبل تحمل مسؤولية دولة (..) فلا بد إذن أن يتطلع المؤمن الذي نربيه (..) ليكون من صانعي غد أمته”. 13

– الاستمرارية:

ليست التربية عملية ظرفية تنتهي في مرحلة معينة، ولكنها متواصلة إلى آخر الأمر مواكبة الجهاد من أوله لأن “الواجهة الأولى في الجهاد هي واجهة التربية (..) التربية أولا ووسطا وآخرا، ودائما، لا نفرغ من تقويم أنفسنا، ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزع الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة” 14

– الفاعلية:

“بالتربية المتكاملة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله” 15 ، وفاعلية هذه التربية تظهر حين تخرج جيلا من المجاهدين، إذ “ليست التربية الجهادية إنشاء جيل من الأصحاب المتبتلين، بل إنشاء جند الله المقاتلين، الطالبين وجه الله، الراغبين في الشهادة في سبيله” 16

تربية على شعب الإيمان:

“جند الله لابد أن يكونوا كلهم من المومنين لا يكفي أن يكونوا مسلمين بهذا المعنى الخاص لكن سعي كل واحد منهم لاستكمال إيمانه فالترقي إلى الإحسان أمر أساسي” 17 . وعن سبب ذلك يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين “حزب الله المخاطب بالقرآن في قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا” افعلوا أو لا تفعلوا فالمفروض أنه جماعة يتمثل فيها الإيمان الذي هو مناط التكليف بحمل الأمانة الجماعية. فلا ينتظر من جماعة مؤهلها لا يتجاوز مرتبة الإسلام أن تقدر على حمل الأمانة” 18


[1] ابن منظور، “لسان العرب”، م.س. ص. 14/304.\
[2] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، م. س. ص. 599.\
[3] ن. م. ص. 597.\
[4] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 382.\
[5] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، م. س. ص. 482.\
[6] عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء”، م. س. ص. 10.\
[7] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 51.\
[8] عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء”، م. س. ص. 11.\
[9] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، م. س. ص. 64.\
[10] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 292.\
[11] ن. م. ص. 298.\
[12] ن. م. ص. 293.\
[13] ن. م. ص. 42.\
[14] ن. م. ص. 383.\
[15] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، م. س. ص. 600.\
[16] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 169.\
[17] ن. م. ص. 34.\
[18] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، م. س. ص. 52.\