أجرت جريدة الملاحظ حوارا شاملا مع الأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول عدد من القضايا المطروحة على الساحة السياسية ومنها الانتخابات، وأخرى خاصة بالجماعة. نعيد نشره تعميما للفائدة:

سؤال:

تناولت في الآونة الأخيرة بعض التقارير الإعلامية صحة المرشد عبد السلام ياسين، أعلم أنه من غير الأخلاقي تناول الموضوع من زاوية الحياة والموت. ما مدى صحة هذه المعلومات؟

جواب:

الأمراض والأسقام من الأحوال التي تعتري الناس، كل الناس، لا يكاد يفلت من ذلك أحد. والأستاذ عبد السلام ياسين هو عبد من عباد الله ولا يمكن أن يكون استثناء من هذه القاعدة. فما هو الإشكال إذن؟ لست أدري لمَ كلما أصابه مما يصيب الناس، وإن كانت نزلة برد، تلقفتها ألسنة السوء وأضافت إليها، وضخمت وهوّلت، وتناسلت الاستنتاجات والتحليلات، وكأننا بصدد ظاهرة غير عادية. والأقبح من ذلك هو التزيد والافتراءات. فمرة روّجوا أنه يحتضر، ومرة أدخلوه إلى المستشفى، ومرة أخرجوه منه، ومرة زعموا أنه تحت العناية المركزة ومحاط بفريق طبي في استنفار موصول… وكل مرة إشاعة، قد يكون فيها شيء من الحقيقة لكنها مخلوطة بمائة كذبة. وكلنا يتذكر ما كان يقال قبل أن يظهر في برنامج مراجعات مع قناة الحوار، ثم عادت بعض الصحف لتقول إنه بدا في صحة جيدة خلافا لما كان يُظن ويروج.

سؤال:

من المستفيد ومن المسؤول عن تسويق هذه الإشاعات؟

جواب:

النظام أساسا، ومن يسير في ركابه من المرتزقة، وكذلك بعض الخصوم والمنافسين الذين يسوؤهم تماسك جماعة العدل والإحسان، وتوسعها المطرد، وبقاؤها خارج سرب المنبطحين رغم كل الأساليب الخبيثة التي استعملت لترويضها أو تحجيمها. والأعجب أن يشارك في هذه الحملات الخبيثة حتى بعض مناضلي أمس الدابر. ولله في خلقه شؤون.

سؤال:

ولماذا هذه الإشاعات وفي هذا الوقت بالذات خاصة أنها تتزامن مع حجب الموقع مما يقلص من إمكانية رد الجماعة؟

جواب:

القصد معلوم. إنهم يظنون أن ترويج مثل هذه الإشاعات من شأنها أن تشوش على أعضاء العدل والإحسان. يحسبون أن جماعة العدل والإحسان هيكل متهالك أو مشدود بلصاق رديء، وأن بقاء تنظيمها رهن ببقاء شخصية الأستاذ عبد السلام ياسين، نفع الله بعلمه وجهاده، وكأن أعضاء الجماعة اشترطوا على الأستاذ المرشد أن يبقى أبد الدهر، فإن أخل بهذا الشرط انفضوا وذهب كل إلى حال سبيله. إنه استخفاف بذكاء الناس، وجهل أو تجاهل لأصل من أصول الإيمان وهو أن البقاء لله وحده، وأن كل نفس ذائقة الموت.

وقد فات هؤلاء، ويا للغباوة، أن يعلموا أن بقاء الدعوات أو الحركات ليس رهنا ببقاء المؤسسين، وإنما بصدقهم وإخلاصهم وصلاح المشاريع التي يتبنونها وما تتميز به من قوة وتماسك وكذا بنجابة الأعضاء ووفائهم وحيويتهم وإيثارهم ما يبقى على ما يفنى. أما كون الجماعة ليست لها منابر وفرص لكي ترد وتوضح، ولاسيما بعد حجب مواقعها الإلكترونية، فهذا وإن كان يخلق لنا بعض المتاعب، فإنه لن يضرنا بإذن الله، بل إنه يزيد من إصرارنا على الاقتحام، ويستفز ذكاءنا للبحث عن الوسائل الكفيلة بتجاوز هذه العقبات التي هي على كل حال من طبيعة الطريق إلى التغيير الجدي والإصلاح الشامل. ولذا يقال كم من نقمة في طيها نعمة.

سؤال:

هل سنشاهد اعتقالات جديدة في صفوف ناشطي الجماعة، وما سيكون ردكم على هذه الحملة؟

جواب:

الاعتقالات لم تتوقف منذ تأسست الجماعة، والمحاكمات مستمرة إلى حد الساعة. ظلم مستمر واستخفاف بعواقبه. ونحن وإن كنا لا نريد الأذى لمخلوق فإن على المسؤولين في هذا البلد أن يعلموا أن الناقد بصير، وأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قد يمهل ولا يهمل. وقد قص علينا في كتابه العزيز من أخبار الظلمة والطغاة الذين تجبروا واستكبروا استكبارا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. فما نفعهم إذ جاءهم عقاب الله ما أوتوا من مال أو سلطان، وفي هذا يقول عز وجل “ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليومنوا كذلك نجزي القوم المجرمين”. إنه، وكما يسميه بعض العلماء، قانون “التماثل”. فكما أهلك الله عز وجل المجرمين في السابق فسيهلك أمثالهم في اللاحق. أما ردنا العملي فهو أننا ماضون في طريقنا وفي عملنا دون توقف أو تردد متوكلين عليه عز وجل، محتسبين له ما يصيبنا من أذى، داعين أن يتدارك هذا البلد بلطفه، وأن يكفينا وبلدنا شر المفسدين ومكر الظالمين.

سؤال:

ما هو مستقبل الجماعة بعد الشيخ، خصوصا أنه يعتبر في الجماعة بمثابة المؤسس والشيخ والمنظر دعويا وسياسيا وعندما أسأل عن الخليفة أقصد على مستوى شغر منصب المرشد العام وكذالك مستوى التنظير للمرحلة القادمة التي لن تخلو من الجديد في علاقة الجماعة بالسلطة.

جواب:

هذا سؤال شبيه بالسؤال الذي طرحته قبل قليل وقد وضحتُ الموقف وإن شئتَ أن أضيف فأقول: إن جماعة العدل والإحسان مؤتلفة حول مشروع ومنهاج، والمشروع باق بإذن الله وإن رحل المؤسس، بارك الله في عمره، لاسيما والمقتنعون بهذا المشروع والحاملون له والمتهمّمون به كُثر، ويزدادون بحمد الله، لذا فنحن ماضون لما نحن بصدده، وإذا غاب منا واحد خلفه آخر مثلما قال الشاعر:إذا مات منا سيد قام سيد *** قؤول بما قال الكرام فعولأما علاقتنا بالسلطة فالأمر رهين بطبيعة وشكل السلطة المقصودة؛ فإن كنت تقصد السلطة في شكلها الراهن الرديء فإن الموقف محسوم، وإن كنت تتحدث عن سلطة أخرى تأتي في المستقبل فمن السابق لأوانه الحديث عن شيء لا يزال في رحم عالم الغيب.

سؤال:

ما هو ردكم على دعوة الريسوني لجماعة العدل والإحسان إلى تجاوز الوقوف في الطرف الثاني من الطريق في العمل السياسي، والعمل على بلورة فعل سياسي عملي يتجاوز المعارضة المشروطة أو التصريحات القولية في انتظار توفر شروط الانخراط السياسي، وقبله دعوة محمد اليازغي الكاتب الوطني السابق للاتحاد الإشتراكي؟

جواب:

أذكر إن أسعفتني الذاكرة أنه قد جاء في كلام الأستاذ الريسوني ما يعفينا من الرد، فقد أشار، حفظه الله، إلى أنه لم يتغير في النظام السياسي شيء يغري جماعة العدل والإحسان بتغيير موقفها، وهذا يكفي. لكن الادعاء بأن الجماعة تكتفي بالتصريحات وتؤثر الانتظار -والإيحاء هنا أننا نتفرج على ما يجري ولا نقوم بأي شيء ذي بال – هذا الادعاء لا يستند إلى أساس ويجانب الصواب تماما. نحن في شغل دائم، وما أعتقد أن هناك تنظيما في المغرب يمكن أن ينافس أعضاء العدل والإحسان في حيويتهم وعملهم الموصول بالليل والنهار، لا سيما وأن مبعث هذه الحركة الدائبة شريف، كذلك نحسبها ولا نزكيها على الله، فليست هناك انتخابات أو مناصب أو امتيازات حتى يقال أن هذا النشاط يعود السبب فيه إلى المكاسب المأمولة.

وإني أستغرب لمَ الإلحاح على الزج بنا في نفق مسدود. فماذا حقق المنخرطون في ما يسمى باللعبة؟ هل تراجع الظلم والاستبداد؟ هل تراجع الفساد والرشوة؟ هل تحسن قضاؤنا وتعليمنا وإدارتنا وصحتنا؟ هل توقف التردي الأخلاقي أم ازداد وأصبح يعلن عن نفسه وبوقاحة غير مسبوقة؟… فقل لي بربك أي مجال، لا أقول تحققت فيه إنجازات، ولكن على الأقل توقف فيه التردي، أين هو؟ دُلني عليه. يكفي الرجوع للإحصائيات والتقارير، سواء الرسمية منها أو المنجزة من قبل مؤسسات صديقة للنظام، للوقوف على حجم الخراب الذي يعرفه البلد. إذن فما هذا الذي يقترحونه علينا؟ وهل الخيار المطروح هو الانتحار السياسي بدعوى أنه ليس هناك بديل آخر؟ فقد حجّرنا واسعا، والدين والعقل والمنطق يأبى كل ذلك علينا أن نقبل بسلوك سبيل الذلة والإهانة. وفي تقديري لَأن نبقى بعيدين عن مخالطة القوم وتبقى الأوضاع على ما هي عليه من السوء أهون من أن ننخرط في مؤسسات الزور، ونزكي الباطل، ونقول في رموز الفساد قولا يعلم بتهافته القائلون أنفسهم قبل غيرهم ولا يصدقه حتى الأطفال الصغار، وفضلا عن ذلك لا يتأتى لنا أن نغير من الأوضاع شيئا، بل يتواصل التردي ويستمر النزيف. ولا أقول هذا جنوحا إلى ما يسمى بالحفاظ على “الطهرانية” أو التهرب من المسؤولية. نحن مستعدون للمساهمة في أي مبادرة جادة ببرنامج واضح يزكيها الشعب وتسندها إرادة سياسية حقيقية. هل هذه مطالب تعجيزية؟ لا يمكن القبول بأقل من ذلك. ولمن يعنيهم أمر هذا البلد واسع النظر.

سؤال:

الانتخابات المحلية على الأبواب هل ما تزالون عند موفقكم من مقاطعة الانتخابات بشكل قطعي أم أن هناك نقاشا داخل الجماعة ودائرتها السياسية بخصوص خيار المشاركة من عدمه؟

جواب:

أنا أحدثك عن قضايا جوهرية لإنقاذ البلد من الخراب الذي عم كافة أرجائه، وأنت تحدثني عن أشياء هي أقرب إلى العبث منها إلى شيء آخر. ما التفت الناس إلى الانتخابات التشريعية فأحرى أن يهتموا بالانتخابات المحلية. إن وقتنا أثمن من أن نضيعه في مناقشة عملية فاسدة ومعلومة المآل وتتم تحت السيطرة الكاملة للتحكم المخزني الاستبدادي.

سؤال:

هناك من يقول بأن قرار حجب مواقعكم على الإنترنت سببه خوف الدولة من أن تستغل الجماعة الإنترنت من أجل ”التحريض” على مقاطعة الانتخابات ما هو ردكم على قرار الحجب وهل هناك أسباب أخرى لهذا القرار؟

جواب:

أعتقد بأن الأحداث الجارية، وسياسات النظام الفاشلة، والمعاناة التي يكتوي بها الناس بسبب التدبير الفاسد لشؤون البلد، كل ذلك فَعَلَ فِعْلَه وأفقد المغاربة، أو أغلبيتهم، الثقة في النظام ووعوده وانتخاباته وبرلمانه وحكومته. ولذلك فهو لم يعد يحتاج لمن يحرضه على المقاطعة، فهو مقاطع أصلا. وما أحسب أن حجب مواقعنا الإلكترونية يعود إلى السبب الذي أشرت إليه في سؤالك وفضلا عن ذلك فإن استعمال الانترنت ليس في متناول كل المغاربة خصوصا وأن ما يقرب من خمسين في المائة (50%) لا يقرأون ولا يكتبون. السبب في رأيى يعود إلى سياسة المخزن الثابثة من جماعة العدل والإحسان والرامية إلى التضييق على الجماعة والسعي لسد كل المنافذ التي من خلالها يمكن التواصل مع الأعضاء وعموم الناس. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

سؤال:

الأكيد أنه في كل تنظيم هناك اختلافات قد تتطور إلى خلق تيارات في نفس التنظيم، هل توجد مثل هذه الحالات في جماعة العدل والإحسان وإن وجدت فلماذا لا تطفو على السطح وكيف يتم تدبيرها؟

جواب:

تباين الآراء وتعدد زوايا النظر من الأمور الطبيعية، ولا ضير في ذلك، بل فيه إثراء، إن خلصت النيات، للقضايا المطروحة. وهذا موجود في الجماعة لأننا لسنا نسخا مكررة وليس لنا كلنا في كل قضية نفس الرأي. فنحن وإن كنا نجتمع على تصور واحد ومنهاج واحد ومشروع واحد، فإن لنا، أعني كل الأعضاء، شخصياتنا المستقلة. والمجال مفتوح لكي يدلي كل بدلوه ويساهم بما يراه أبعد عن الخطإ أقرب إلى الصواب. لكن أن يتحول هذا التعدد إلى جيوب وأحلاف وتيارات يتعصب بعضها ضد بعض فهذا مرفوض وعافانا الله منه. إنه يوفر الشروط للتباغض والتنازع المفضي إلى التفرق والشقاق وذهاب الريح والعياذ بالله. لذلك فالتربية عندنا في العدل والإحسان هي الأساس، وهي الشرط الذي لامناص منه لتوفير البيئة الصحية المناسبة للتنشئة على الإخلاص لله عز وجل، والاستعداد للائتلاف والتعاون، واستبعاد الأهواء التي عادة ما تكون وراء الاختلافات المذمومة. فالكل عندنا يساهم بما يراه وفي المجال الذي يعنيه أو المؤسسة التي ينتمي إليها، لكن ما تفضي إليه المشورة يلتزمه الجميع. وليس من الضروري أن نخرج إلى الناس بعد كل اجتماع لنتحدث إليهم عما دار أثناء النقاش وما اتفقنا عليه وما اختلفنا فيه.

سؤال:

الذي يبدو للمتابع لعلاقة الجماعة بالدولة المغربية هو الصراع والصدام سواء في داخل المغرب أو في خارجه كما حدث في إيطاليا منذ حوالي الشهر، السؤال هنا هو هل توجد قنوات حوار خلفية أو حتى مبادرات؟ وهل بوسيط أم مباشر؟

جواب:

نحن لسنا في صراع مع أحد، ولا رغبة لنا فيه، ولم نبحث عنه. ولا أعتقد أن لفظة صراع تطابق واقع الحال، إنما الحاصل أنه هناك ظلم واضطهاد من قبل النظام على فئة من الناس أرادوا أن يعيشوا أحرارا، وعبروا عن مطالب مشروعة تتمثل أساسا في أن يسود العدل والشورى وتصان كرامة الناس، وينتهي الفساد والاستبداد. لكن المفتتن بقوته، المغرور بحلم الله عليه، المعرض عن الاعتبار بدروس التاريخ وما أكثرها، لا يعرف شيئا اسمه الحوار. إنما يطالب بالخضوع ولاشيء غير ذلك. فكيف يتصور والحالة هذه أن تكون هناك قنوات للحوار. فليست هناك أية مبادرات بهذا الصدد سواء مباشرة وغير مباشرة. 1


[1] المصدر: جريدة الملاحظ، عدد 9، من 28 مارس 3 أبريل 2009.\