لما فرغ عمرو بن العاص من فتح مصر وبرغبة من أهلها، كان ضروريا أن يتوجه إلى برقة لتأمين مصر، لا سيما وأن حاكم برقة كما يذكر الواقدي قد جرت بينه وبين حاكم الإسكندرية اتصالات لأجل صد جيش المسلمين ومدافعتهم، فتوجه إليها وفتحها عام 21هـ، وقد صالحه أهلها على مقدار من المال يؤدونه ولم يبدوا أي مقاومة، لذلك قال عبد الله بن عمرو بن العاص “لولا مالي بالحجاز لنزلت برقة فما أعلم منزلا أسلم ولا أعزل منها” 1 .

ثم سار عمرو بعد ذلك إلى طرابلس فحاصرها شهرا “فاقتحموا البلد فيما بين البحر والبيوت فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم وارتفع الصياح فأقبل عمرو بعساكره فدخل المدينة ولم يفلت الروم إلا بما خف في المراكب” 2 . نسجل هنا أن الصدام ما كان يوما ضد الأهالي البربر، إنما كان مع الروم الغازين.

بعد ذلك كتب ابن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنه في التقدم إلى أفريقية فنهاه عمر وقال “ما هي بافريقية ولكنها مفرقة غادرة مغدور بها” ذلك أن أهلها كما يقول البلاذري كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئا فيغدرون به وكان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم 3 . كلام عمر ينم عن حذر بالغ تجاه منطقة لم يكن يعرف عنها المسلمون كما عرفوا فارس والشام قبل فتحهما فمنعهم من التوغل فيها.

في عهد الخليفة الثالث “عزل ابن العاص على مصر وولّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأمره بغزو أفريقية سنة 25هـ… وخرجوا إلى أفريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدونه… ثم إن عبد الله بن أبي سرح استأذن عثمان رضي الله عنه… فاستشار عثمان الصحابة فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة… ثم ساروا إلى طرابلس فنهبوا الروم ثم تجاوزوها إلى أفريقية وبثوا السرايا في كـل ناحية وكان ملكهم جرجير الفرنجي يملك ما بين طرابلس وطنجة تحت ولاية هرقل ويحمل إليه الخراج فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا من العساكر ولقيهم على يوم وليلة من سبيطلة” 4 .

وبعد انتصار المسلمين “حاصر ابن أبي سرح سبيطلة ففتحها وخربها… وبث جيوشه في البلاد… فسبوا وغـنموا وبعث عسكرا إلى حصن الأجم… ثم صالحه أهل أفريقية على ألف ألف وخمسمائة ألف دينار…. وانساح الفرنجة ومن معهم من الروم إلى حصون أفريقية وانساح المسلمون في البسائط بالغارات ووقع بينهم وبين أهل الضواحي من البربر زحوف وقتل وسبي” 5 . وممن أسروا آنذاك صولات بن وزمار الزناتي، “فرفعوه إلى عثمان رضي الله عنه فأسلم على يده، وأطلقه وعهد له على قومه ويقال إنما وصله وافدا فأكرم وفادته” (ن.م، ص132). لا شيء يدل على مقاومة منظمة من البربر، واصطدامهم مع العرب يكتنفه الغموض وتـتعاوره ملاحقات العرب للروم، ثم “رغب الفرنج والبربر في السلم وسألوا الصلح وشرطوا لابن أبي سرح ثلاثمائة قنطار من الذهب على أن يرحل عنهم بالعرب… ففعل ورجع المسلمون إلى المشرق” 6 . جاء ذلك بعد إسلام وزمار الزناتي، ألا يشير ذلك إلى رغبة وتسليم بربر زناتة بسيادة المسلمين بدل الروم في تلك الفترة؟ احتمال وارد لأن عبارة الناصري موهمة ويقول عبد الله العروي أن الروم هم الذين طلبوا “من الفاتحين العرب مغادرة البلاد مقابل مكافأة مالية كبيرة” 7 . تأثرت عملية الفتح بسبب الفتنة الكبرى في اتجاه المغرب لكن لم تتوقف إلى زمن معاوية عام 45هـ، إذ نجد أن عقبة بن نافع فتح واحة غدامس سنة42هـ وعدة حصون جهة الجنوب.

في تلك الفترة كان البربر قد عينوا على أنفسهم ملكا يسمى هباهيا، وطالبهم هرقل ملك الروم بأداء المقدار الذي صالحوا به المسلمين فرفضوا “فبعث إليهم هرقل قائده نقفورالذي طرد هباهيا، فالتجأ إلى معاوية الذي أمده بجيش عظيم يقوده معاوية بن حديج وكان لقاء الجيش العربي بجيش هرقل في مدينة قونية التي بنيت القيروان مكانها فيما بعد” 8 . ألا يدل هذا على تفهم البربر لمقاصد العرب والمتمثلة في إزاحة روما ونشر الإسلام دون إكراه فطلبوا دخولهم؟ ألا تستحق شخصية هباهيا أن ينوه بها كما ينوه بماسنسن ويوغورطن وغيرها من الشخصيات الأمازيغية؟ ظهر جليا أن المنطقة ستكون مسرحا لصراع بين قوتين وهكذا سيشارك البربر إلى جانب المسلمين في معاركهم ضد الروم البيزنطيين.

لا معنى إذن لتحامل بعض الدارسين المعاصرين على العرب المسلمين، لأن كل شيء كان بإرادة البربر، انتصر العرب والبربر معا على الروم فأسفر ذلك عن فتح جلولاء وسوسة وبنزرت فظهر الاسلام في البربر كما قال الناصري 9 .

بعد ذلك سيظهر عقبة بن نافع القائد المتمرس، فبنى مدينة القيروان حوالي 53هـ ، وبنيت حولها دور ومساجد، ويصدق المومنون كرامات أظهرها الله على يده ولا يلتفت إليها آخرون، لكن من المؤكد أن الإسلام سرى وامتد بعد تأسيس المدينة حتى كان يستعين بالبربر في السرايا، لكن سياسته التي اتسمت بالصرامة والعنف جعلت معاوية يقيله من مهمته 10 .

موقف معاوية يدعو للتمييز بين مُستويين: مستوى الفتح الرسمي كما دعت إليه دار الخلافة بالمشرق وطبقه ابن العاص وابن أبي سرح، ومستوى الملابسات التي اكتنفت الفتح (غارات وتشريد) والتي لم ينج منها البربر أنفسهم مع غيرهم (في الأندلس مثلا)، ومع بعضهم البعض (برغواطة مثلا) هذه الملابسات لا تمثل بحال توجيهات أمراء المشرق ومقاصدهم من الفتح، يفوت هذا التمييز على البعض فيتسرع لوصف المسلمين بالغزاة المستعمرين.

تولى المهمة بعده أبو المهاجر دينار فوصل إلى تلمسان فجمع له كسيلة وكان نصرانيا جموع البربر والفرنج فزحف إلى المسلمين وهزمهم أبو المهاجر حول تلمسان وتمكن من البلاد فأظهر كسيلة الإسلام 11 نفهم إذن سبب حنق عقبة على كسيلة، كما أن تواجد الفرنج في صفه يشير إلى أنه يعمل لحسابه الخاص لا تمثيلا لإرادة الأهالي البربر.

ثم ما لبث أن استعاد عقبة ولايته على أفريقية سنة 62هـ. فواصل الفتح، ففتح حصونا ومدنا فشتت جموع البربر وأثخن فيهم إلى أن تجاوز نهر ملوية ودخل المغرب الأقصى، واستعان بالبربر في فتوحه “ودخل في طاعته الأمير الغماري جليان وأصبح دليلا له في تحركاته” 12 . كان البربر( خاصة زناتة) ينظرون إلى عقبة كمخلص لهم من العناء الذي يلاقونه من توالي الأمراء محليين وخارجيين، وهذا ما تشير إليه دراسات حسين مؤنس وسعد زغلول عبد الحميد، إذ بعد وفاته على يد كسيلة بسبب خطأ عسكري أصبح يكنى بسيدي عقبة تعظيما وتقديرا لجهاده وفروسيته، وينظر إليه كواحد من كبار العارفين القديسين، وقد مات معه ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين.

استولى كسيلة على القيروان عام 64هـ فقام زهير بن قيس البلوي يحرض المسلمين على القتال لكنهم رفضوا ورأوا النجاة في الرحيل فانحازوا إلى برقة واستمر كسيلة أميرا على البربر خمس سنوات، تزامن ذلك مع وفاة يزيد بن معاوية وحروب آل الزبير فاضطرب المغرب نارا وفشت الردة في بربر زناتة إلى أن استقل عبد الملك بن مروان بالملك “فبعث إلى زهير بالمدد وأمره بالانتقام لعقبة واستنقاذ القيروان ومن بها من المسلمين فزحف زهير سنة 69هـ ولقي كسيلة بممس نواحي القيروان واشتد القتال وانهزم كسيلة بعد حروب صعبة واتبعهم العرب حتى وادي ملوية ففنيت فرسانهم واضمحل أمر الفرنجة” 13 .

يسجل المؤرخ العربي أمثال هذا الخبر بشيء من الفخر وينسب لبني أمية الفضل الأكبر في نشر الاسلام بشمال أفريقيا، لكنه لا يتنبه إلى ما شاب هذا الفتح من نزعة ونية عدوانية لا معنى للتغاضي عنها (الانتقام لعقبة)، كأن الغرض هو فرض السيادة على البربر لا نشر الإسلام، لكن الله سبحانه إذا أراد خيرا بقوم ساقه على يد أهل الخير، فقد كان غرض زهير هو الجهاد لنشر الإسلام وكان كما قال الناصري من العباد المخبتين فخاف على نفسه من فتنة النصر فرجع إلى برقة وهناك استشهد وهو يقاتل الروم الذين هجموا من جهة البحر عام71هـ، والمؤرخ يسيئ إلى مادته إن نسب النصر والفتح إلى الحكام وكأن السياسة وحدها المحركة للتاريخ، وينسى أو يتناسى الفاعل التاريخي بحق: من خطط وقاتل واحتسب وثبت في الميدان.

بعد موت هذا الرجل الصالح اضطربت الأحوال وتفرق أمر البربر وتعدد سلطانهم، حينئذ قام “حسان بن النعمان” فزحف إلى القيروان في أربعين ألف مقاتل، قال الناصري “ولما دخل القيروان سأل الأفارقة عن أعظم ملوكهم فقالوا صاحب قرطا جنة” 14 . في كل مرة يقدم الأهالي الأصليون المساندة للعرب في تحركاتهم وهذا ما يتغاضى عنه الدارس الأمازيغي المعاصر، يعكس ذلك رغبة شريحة واسعة من البربر في المسلمين، فخرب حسان قرطاجنة كي لا يكون للروم فيها مطمع كما يقول الأستاذ حركات، “حتى ظهر عنصر جديد هو تجمع البربر تحت قيادة الكاهنة الأوراسية بتحالف مع جماعات بيزنطية مسلحة، حينذاك خانه الحظ في مواجهات دارت في منطقة باغاي وتبسة فقرر الالتحاق بطرابلس في انتظار أن يأتيه المدد أما الكاهنة فإنها أرادت أن تحافظ بكل الوسائل على وحدة القيادة وهذا السلوك العنيد سمي فيما بعد بسياسة الأرض المحروقة” 15 ، إذ اعتقدت أن العرب جاءوا لاستيطان ونهب ثرواته “فخربت الكاهنة ديار المغرب وعضدت أشجاره ومحت جماله وجاست بالفساد خلاله فشق ذلك على البربر واستأمنوا على حسان… فأمنهم ووجد السبيل إلى تفريق أمرها فزحف إلى المغرب سنة 74هـ وبرزت إليه فأوقع بها وبمجموعها وقتلها” 16 . هذه السياسة التي تعاملت بها الكاهنة هي التي يحاول البعض إلصاقها بالعرب الوافدين تبريرا لأيديولوجيتهم القومية، إلا أن البربر أثبتوا باختيارهم العكس إذ استأمنوا حسانا لثقتهم أن مصلحتهم في قبول المسلمين إلى جانبهم، بعد ذلك عين موسى بن نصير واليا على المغرب سنة 85هـ ووصل إلى طنجة، وكان له دور كبير في نشر الإسلام في أقاصي البلاد، قال ابن أبي زيد القيرواني: “ارتدت البربر اثنتي عشر مرة من طرابلس إلى طنجة ولم يستقر إسلامهم حتى عبر موسى بن نصير إلى الأندلس وأجاز معه كثيرا من رجالات البربر برسم الجهاد.. فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه وتناسوا الردة” 17 . كانت سياسة حكيمة وخطوة تربوية خطاها موسى أن أشرك البربر ليتألف قلوبهم للإسلام، فاجتاز طارق بن زياد ومعه آلاف البربر إلى الأندلس، وهنا تطرح عادة أسئلة من قبيل: إلى أي حد أسلم المغاربة؟ وهل انتشرت العربية في البربر؟ يجيب عبد الله العروي “كانت القيروان منذ البداية مصرا عربيا… كان يلجأ إليه ضحايا الحروب والقلاقل فيتأثرون باللغة والعادات العربية ويقوم هكذا بإشعاع حضاري… رغم هذه المعطيات لا يمكن أن نجزم أن اللسان العربي انتشر فعلا في المغرب لا سيما وأن النميات تدل على العكس، بقيت الكتابات المنقوشة على المسكوكات والأنصاب مزدوجة لزمن طويل، تكتب باللاتيني والعربي هذه بديهيات يغفل عنها الباحثون لأن الإدارة تعربت في مدة وجيزة…. تطلب إسلام البربر وتعريبهم زمنا طويلا وتم قرونا بعد الفتح العسكري على يد أمراء بربر بعد أن استقل المغرب سياسيا عن الشرق” 18 . يقبل جل الدارسين هذا الرأي وهو يشير إلى أن الإسلام انتشر برغبة الأهالي وعن طواعية، وتحليل الأحداث يشير إلى أن الاسلام وإن لم يغطي مساحة واسعة من بلاد البربر إلا أنه يبدو أنه قد استقر في المنطقة بشكل نهائي وسيبدأ بالانتشار شيئا فشيئا، بعد موسى بن نصير الذي عزل عام 96هـ. عين بنو أمية عددا من الولاة اهتم بعضهم بنشر الاسلام خاصة الثاني عبيد الله بن أبي المهاجر الذي عينه عمر بن عبد العزيز عام 100هـ وأرسل إليه عشرة من التابعين ليفقهوا البربر في أمور دينهم 19 .

هكذا مرّ ما يقارب الثمانين عاما على محاولة العرب المسلمين تأصيل الاسلام في شمال أفريقيا من برقة وطرابلس إلى جنوب المغرب الأقصى، كان ذلك كله مرحلة إعدادية ليفهم المغاربة مقاصد الدين الجديد، وليقتنع الجميع أن التوحد مع العرب تحت راية إسلامية هو الضامن لاسترجاع الاستقلال الضائع قرونا مع روما وغيرها، أوليس هذا ما ستبرهن عليه أحداث وتطورات القرن الثاني الهجري؟؟.


[1] فتوح البلدان للبلاذري، ج1، ص266.\
[2] ناصري، ج1، ص129.\
[3] نفس المرجع، ج1، ص227.\
[4] ناصري، ج1 ص131.\
[5] الناصري، ج1، ص131-132.\
[6] ن.م، ص132.\
[7] مجمل تاريخ المغرب، ج1، ص122.\
[8] المغرب عبر التاريخ لحركات، ج1، ص76.\
[9] ج1، ص134.\
[10] ن.م، ص135.\
[11] ن.م، ص136.\
[12] المغرب عبر التاريخ، ج1، ص78.\
[13] ن.م، ص140و147.\
[14] ن.م، ص148.\
[15] العروي، ج1، ص124.\
[16] ناصري، ص149-150.\
[17] ناصري، ص156.\
[18] مُجمل..، ص128-129.\
[19] ناصري، ج1، ص192.\