تقـديم

تميز القرن التاسع عشر والعشرين في المغرب بتبلور لخطاب إصلاحي مس مختلف مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، هذا التبلور، وهذه الحركة فرضتها عوامل خارجية تمثلت في الاحتكاك العنيف، والصدام المباشر مع الآخر/ الغرب، الذي تمكن من خلخلة موازين القوى لصالحه، ورج بعنف الصورة القوية التي اكتسبها المغرب عبر تاريخه الطويل، كما كان ذلك وليد أسباب وعوامل داخلية تمثلت في حدة الشعور بالخطر الخارجي الداهم، والرغبة في تجاوز البعد الاقتصادي من مسرح التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفها العالم.

وإذا كانت الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع خلال المرحلة المشار إليها أعلاه قد قاربته من زوايا مختلفة وتناولته من أبعاد متباينة، فإن فصل المقال في هذا الموضوع لا يزال بعيد المنال، وذلك لتعدد زوايا هذا الموضوع وعمق أبعاده وتشعب مجالاته وتفرع أسئلته.

وتأتي الدراسة التي قام بها عبد الإله بلقزيز في كتابه “الخطاب الإصلاحي في المغرب التكوين والمصادر (1844- 1918)” ضمن نفس السياق. وهنا نتساءل: كيف تمثل بلقزيز الخطاب الإصلاحي المغربي المعاصر؟ كيف بنى موضوعه؟ ما الوجهة التي من خلالها قارب هذا الموضوع؟ ثم ما الجديد الذي أتى به الكتاب؟

وفي محاولة للإجابة على تلك التساؤلات، تأتي هذه المحاولة في قراءة كتاب عبد الإله بلقزيز.

أولا: هندسة الكتاب ومضمونه

قبل الحديث عن هيكلة الكتاب ومضمونه، تجدر الإشارة إلى أنه لما كان موضوع البحث هو الخطاب الإصلاحي فقد قيد الكاتب قوله في الموضوع مكانيا وزمانيا. مكانيا بحصر الدراسة حول المغرب، وزمانيا بحصره في المرحلة ما بين (1844-1918). ولقد أعزى هذا الحصر الزماني إلى كون تلك الفترة وقعت بين أحداث سياسية وفكرية حاسمة “بين معركة ايسلي وتحرير أدبيات الجيش واكتشاف أوربا من الداخل … إنها الفترة الفاصلة بين الصدمة ولحظة استيعابها النظري، والفاصلة بين اكتشاف أوربا مباشرة واكتشاف تأخر المغرب … وبين إعادة بناء أوربا وتاريخ الإسلام في الوعي بناءا تركيبا جيدا”، وأنها غطت أربعة وسبعين عاما، بين جيلين من المثقفين الإصلاحيين ممثلا في جيل الناصري وجيل محمد بن الحسن الحجوي.

أما وقوفه عند عام 1918 فكان وراء رغبته في “أن يقيد القول في الخطاب الإصلاحي في طور تكونه، أي تبلور موضوعاته المركزية التأسيسية” ، ويعتبر الحجوي المحطة النهائية لهذا التكون، هذا من جهة، ومن جهة أخرى في دراسة الخطاب الإصلاحي النظري قبل تحوله إلى إيديولوجية سياسية للنخبة المثقفة في إطار ما يسمى بالحركة الوطنية.

في مقدمة هذا القسم، حاول الباحث أن يعرف مفهوم الإصلاح، في التداول الإسلامي القديم، وما يدعو إليه هذا الإصلاح. وبعد أن استعرض ما جاء حول هذا المفهوم في الموسوعة الإسلامية. خلص إلى أن الإصلاح من هذا المنظور هو: “تصويب ما اعوج في ممارسة أمور الدين والدنيا عند المسلمين، والعودة بها إلى الأصل الذي لم يلحقه فساد الزوائد والمحدثات”.

ونسجل هنا تطابقا بين ما خلص إليه بلقزيز، وما أعطاه الأستاذ علي اومليل معنى للإصلاح بمفهوم إسلامي فهو: “يعني أساسا دعوى لوضع الإسلام الاجتماعي في مستوى الإسلام المعياري (أي ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الإسلامي)”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -4-

وفي السياق نفسه طرح بلقزيز سؤال: ما الذي يفرضه ويقود إليه انفصام التجربة التاريخية الإسلامية عن روحها وجوهرها؟

وقد حاول الإجابة عن ذلك الإشكال حينما اعتبر التقليد المؤدي إلى التخريف والبدعة تفسيرا مباشرا للشرخ الحاصل بين الإسلام التاريخي المعاش عن روح وجوهر الإسلام الأصلي المرجعي.

وهنا وقف المؤلف مرة أخرى للتساؤل عن بداية ذلك الانفصال والتراجع عن الأداء العقائدي والتشريعي، والذي تولدت عنه الرغبة في الإصلاح؟ ويشير إلى أن ذلك كان نتاج أمرين: الانفصال الحاصل بين الدعوة والدولة من جهة، والجدل القائم بين العلماء والفقهاء من جهة أخرى .

لقد حاول الكاتب أن يبين الظروف الإسلامية التي تسببت في ظهور فكرة الإصلاح وإبرازالحاجة الملحة إليه. هذه الظروف التي جعلت بعض المثقفين الإصلاحيين أمثال جعفر الكتاني، يرجع التأخر الذي أصاب المسلمين إلى الإعراض عن الكتاب والسنة.

إلا أن الباحث أكد على أن الدعوة الإصلاحية المغربية، وفي ظل اصطدام الثقافة العربية الإسلامية بالمنظومة الثقافية الأوربية، اتخذت منحى يحضر فيه الآخر الأوربي، أكثر من حضور التحدي الداخلي من فرقة وفتنة وبدع….هذا في الوقت الذي يرى فيه باحثون آخرون” أن مجرد الانهزام أمام الأجنبي لم يكن وحده السبب في التسليم بالتأخر ولا في إدخال الآخر كبعد أساسي في منظور الإصلاح”.

في الفصل الأول من القسم الأول: الإصلاح، التحديث، الاجتهاد… في التداول الفكري المغربي.

وهو عبارة عن مدخل مفاهيمي لتأطير الموضوع المدروس.

يشير بلقزيز بداية إلى التداخل الحاصل بين المعاني: الإصلاح، التحديث، الاجتهاد، لكن هذا التداخل لم يمنعه من الوقوف الدقيق عند كل مصطلح لعله يبرز بذلك مستوى ذلك التداخل، وكذا أسباب الاختلاف وتجلياته.

– ووقف أولا عند مستوى التجاوز الدلالي وحدوده، فأكد الاختلاف الحاصل بين معنيي “التحديث” و”الاجتهاد” على مستوى الأهداف والموضوع، مستدلا بقول سعيد بن سعيد العلوي بأن “الأهداف والوسائل التي يتوسلانها تخت”.

واستنتج أن الشريعة الإسلامية، إذ تفسح المجال للاجتهاد كأمر يهم النظر في أمور الدين وفي الشريعة “بغية تقديم الحلول والأجوبة الشرعية على المستجدات التي تحدث في المجتمع الإسلامي” وتحث عليه، بل توجبه، فإنها تبدي إعراضا عن التحديث ونفورا من الحداثة واشتقاقاتها، باعتبارها أي الحداثة، تتداخل مع معنى الابتداع كمعنى دال على التدنيس والتنقيص.

وضمن السياق نفسه سجل الكاتب ملاحظة في غاية الأهمية، وهي أن الاجتهاد لا يعني العودة إلى الأصول فحسب، بل هو يتعدى ذلك إلى التشوف إلى المعاصرة والتطلع إلى توظيف قيم العصر في نسيج الفكر والمجتمع…”. هذا التطلع إلى الحداثة شمل كل من المثقف العصري، والفقيه السلفي، ولتأكيد تطلع هذا الأخير إلى ذلك أورد الكاتب نموذج محمد بن الحسن الحجوي الذي أعلن عن دعوته الإصلاحية العصرية مؤكدا أن “علينا النظر للحقائق الراهنة، واعتبار أحوال أهل زماننا الحاضرة، وأن نربي رجال الاجتهاد للمستقبل.”

وبين الحجوي في الآن نفسه شروط تحقيق الاجتهاد، هذه الشروط ” هي نفسها شروط ولوج العصر بالأدوات ” نفسها ” التي أمكن لأوربا بواسطتها تحقيق نهضتها الحديثة: العلم والديمقراطية”.

والحديث عن العلم والديمقراطية كوسيلتين تمكنان المجتهد من ممارسة عمله -حسب الكاتب- لا تحتاج إلى دعامة “الانفتاح على الآخر فقط، بل -وفي رأي الفقيه المصلح- إلى دعامة الانفتاح على الذات والموروث وتشذيب الوعي الإسلامي مما لحقه من بدع أو مزالق في النظر… بنبذ التعصب وتكريس فكرة الاختلاف كمظهر جلي للاجتهاد، وليس نبذ التعصب ذاك إلا إعراضا عن ضالة التقليد”…

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -3-

ويرى المؤلف أن هذه الدعامات “ثمرة لعلاقة جديدة بمرجعيتين رئيسيتين يفرضان نفسيهما على كل مصلح: المرجع الإسلامي الموروث والمرجع الأوربي الوافد”.

– ووقف ثانيا عند مستوى الاجتهاد ضد الابتداع، وفي هذا الإطار، قدم المؤلف نموذجا لنازلة أفتى فيها محمد بن الحسن الحجوي، إبرازا لرد فعل النخبة المصلحة تجاه دخول التقنيات الحديثة الوافدة مع الاستعمار.

– والمتتبع لتلك الفتوى يرى موقف الحجوي الذي “أقر إجازة العمل بالتقنيات الحديثة (التلفون والتلغراف)”. ومن جهة أخرى رصد مدار البحث عن شرعية الأخذ أم الإعراض عن التقنيات الجديدة للتنظيم الاقتصادي والمالي. وقدم لذلك فتوتين. الأولى للفقيه ابن المواز، والتي أقر فيها هذا الأخير بجواز العمل بالحوالات والمصارفة البنكية. والثانية للحجوي “في شأن شرعنة العمل بمبدأ الضمان أو التأمين (الكرتة) في المعاملات التجارية بين التجار المسلمين والتجار الأجانب”، حيث أجاب بالجواز، مقدما لذلك أربعة أسباب مؤسسة لفتواه بالإجازة. وسجل بلقزيز ملاحظة حول هذه التعليلات الأربعة، إذ جعلته “أمام تقاطع مبدأين: مبدأ ديني صرف، وآخر مصلحي مرعي من الأحكام الدينية ويحمل على الاجتهاد”.

– وضمن هذا الفصل، وعلى مستوى ثالث، جاء الحديث عن فكرة “النظام” في الإسلام أو البنية التحتية للإصلاح، بحيث تطرق إلى إشكالية “تخلف المسلمين وتقدم غيرهم.”

هذا الإشكال الذي أثار حفيظة العديد من المثقفين المغاربة المعاصرين. ولعل الحجوي، حسب المؤلف، هو الأكثر تعبيرا عن هؤلاء،فقد ذهب إلى أن “تخلف المسلمين مبعثه الفوضى وتنازع الأهواء والانحراف عن “النظام”. وأن تقدم غيرهم كان ثمرة تنظيم شؤونهم على أسس محكمة بناءة.”

وفي هذا الإطار، ساءل المؤلف، الحجوي عن معنى النظام؟ فكان الجواب بأن “النظام ضد الخلل”، هذا المعنى الذي يفيد ويستفاد منه “أن المجتمع يؤول إلى كبوة وانهيار كلما تراجعت فيه فاعلية التنظيم، وانه يجوز شروط النهضة والتقدم كلما حافظ عليه”. وهنا طرح الكاتب إشكالا على شكل سؤال في صيغة: هل يعني التأكيد على التطور والإصلاح والشورى، الأخذ بنموذج النظام الديمقراطي في أوربا، الذي كان للنهوضيين المسلمين – المغاربة – مبعث إعجاب وانبهار ومثالا قصيا للحذو؟

ويرى أن الجواب في هذا الإشكال تتقاسمه تيارات مختلفة، بين ممثل للنموذج الأوربي وآخر ينظر “بعقل نسبي” للأنظمة السياسية، هذه النظرة الأخيرة التي كان من المعبرين عنها، محمد بن الحسن الحجوي، الذي يعتبر أن الإحالة إلى السلف ليست برنامجا للعمل، بل “أن وظيفتها تنحصر في تعبئة الذاكرة بالرموز، وفي حفز الهمم على ممارسة، الإبداع من باب احتذاء عمل الأولين، أما إجراء الإصلاح وإرساء النظام فتلك مهمة تحتاج اجتهادا يناسب الحاجة ويتأقلم مع ضرورات الزمن مما ليس واردا العثور عليه جاهزا فيما صنعه السلف”.

الفصل الثاني من هذا القسم، وضع له الكاتب عنوان: “المصادر الإسلامية للدعوة الإصلاحية في المغرب”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -2-

خصصه للحديث عن مختلف مظاهر وتجليات تأثير الخطاب الإصلاحي الإسلامي المعاصر، على المنظومة المغربية “في النظر الفقهي والفكري السياسي المغربي الحديث”.

وقد أقر الباحث بان المصادر الإسلامية للدعوة الإصلاحية في المغرب والتي تأثرت بها هذه الدعوة، تتمثل في مصدرين “هما لحظة دخول الأفكار الوهابية إلى المغرب في مطلع ق19، ولحظة الاتصال الفكري بالمشرق العربي (مصر بخاصة) في النصف الثاني من نفس القرن”.

ففيما يخص المصدر الأول، المرتبط بالحركة الوهابية، سجل الباحث تاريخ بداية المغاربة بالأفكار الوهابية في سنة 1803، هذه الأفكار التي تحولت إلى عقيدة رسمية للمغرب على عهد محمد بن عبد الله، من خلال أفعاله المتماشية والمستنبطة من المذهب الوهابي والذي كان موقف العلماء منه مغايرا لموقف محمد الثالث حيث في بداية تلك الدعوة ناصبوا لها كل العداء ووقفوا في وجهها، وهنا نقف ونتساءل مع محمد المنصور: هل كان لتعاطف سيدي محمد بن عبد الله مع العقيدة الحنبلية علاقة ما بظهور المذهب الوهابي بالجزيرة العربية. أم ذلك راجع إلى محض الصدفة؟ وقد حدد المؤلف السياق الذي جاء فيه هذا العداء للوهابية، في الصدام الذي وقع بين الوفد المغربي إلى الحج عام 1803 وأتباع الوهابية.

وخلص بلقزيز في هذا الإطار إلى أن علاقة النخبة العالمة المغربية بالوهابية، مرت بمرحلتين: مرحلة “الرفض السلبي” من طرف العلماء، بل “إن أول من كان معنيا بمقاومة الوهابية هو المؤسسة الصوفية الطرقية في المغرب”. ومرحلة “التعاطي الإيجابي” بمساعدة المولى سليمان سنة 1811م.

واستوقفنا الكاتب في هذا السياق عند طرح إشكال أهمية هذه “اللحظة الوهابية” في مسار الفكر المغربي الحديث، وكيف كانت هذه “اللحظة” لحظة في مسار نمو الفكرة الإصلاحية في المغرب؟

وفي محاولة منه الإجابة على هذا السؤال، أكد الكاتب أن ” اللحظة الوهابية ” شكلت مناسبة تاريخية لممارسة الوعي المغربي –وعي النخب- تمرينا ذهنيا إصلاحيا ناذرا وأنها ” مناسبة لإعادة ضخ الحياة في مبدأ الإصلاح بعد أن آلت أمور المجتمع والوعي إلى سوء حال.

– أما المصدر الثاني الذي يراه الكاتب مصدرا آخر من المصادر الإسلامية للفكرة الإصلاحية المغربية فيتمثل في إعادة اكتشاف المشرق، والذي جرى عبر اتصال حقيقي بينهما من خلال البعثات التعليمية المغربية إلى مصر في النصف الثاني من القرن 19، وما تولد عنها من احتكاك وتفاعل فكري ومعرفي بين النخب المثقفة للبلدين.

– وقد استحضر الكاتب مدى الحضور الكبير لرجال النهضة العربية في مصر في ذهن النخبة المغربية المثقفة، الحاملة للدعوة الإصلاحية آنذاك أمثال الحجوي، أبي عبد الله السليماني، أحمد الصبيحي، أبي شعيب الدكالي… بل في ذهن الجيل الذي حول “الفكرة الإصلاحية إلى مشروع سياسي في مطلع الثلاثينات” كعلال الفاسي، محمد حسن الوزاني، المختار السوسي، محمد داود، المكي الناصري، سعيد حجي، عبد الله كنون… وبعض الكتاب والصحفيين المشارقة الذين كانوا قناة هامة عبرت منها أفكار النهضة إلى النخب الجديدة في المغرب.

ومن خلال ما تقدم تبين مدى فعالية ذلك المصدرين الإسلاميين وتأثيرهما الكبير في بناء الملامح الفكرية النهضوية الإصلاحية في مغرب القرن 19 ومطلع القرن 20.