تقديم

إن تنمية البلاد على حد تعبير الأستاذ “الحسن الندوي” لا تقاس بكثرة الجامعات والمعاهد. وإنما بكثرة أبنائها الذين يقفون حياتهم للبحث والدراسة ونشر العلم والثقافة وتثقيف الأمة والشعب من أجل التغيير الحقيقي والبناء المتين. كما أن قيمة بلد ما تقاس بالشباب الذين يتفرغون للعمل البناء والإيجابي النافع. وينقطعون إلى خدمة الدين والعلم والأمة والبلد مع نكران الذات والطموحات الشخصية

إن لكل أمة هويتها وذاتيتها المتميزة بها عن الأمم الأخرى. هذه الهوية تتكون من عقيدتها وثقافتها وتراثها وتقاليدها وعاداتها وقوانينها ونظمها، وهذه الثقافة تطبعها بملامح خاصة ومميزات معينة وذاتية واضحة وكيان أدبي.

لكن الأسئلة المطروحة هي: ما هي الثقافة؟ وما هي مجالاتها؟ وما هي المشكلات التي تعاني منها الثقافة الإسلامية؟ وكيف تستعيد مجدها وبناءها؟

إشكالية تعريف الثقافة

للثقافة عدة تعاريف تفوق أكثر من 160 تعريفا. والثقافة عموما ليست مرتبطة بجانب محدود من جوانب الحياة. بل هي متصلة بكل مجالات النشاط الإنساني من أفكار وعادات وأخلاق وفنون… إنها كما يعرفها “تيلر” ذلك الكل المعقد الذي ينطوي على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من القدرات.

يقول يحيى السيد النجار: ”أول خطاب إلهي ارتبط بالعلم والثقافة، قوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق .فالمسار الثقافي للشباب المسلم يغلب عليه طابع الانفعال والتعميم والانتقال السريع من الجزء إلى الكل وبالعكس” 1 . ويقول أيضا: “… والثقافة تعبير معاصر لمظاهر الرقي العلمي والأدبي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي تحقيقا لأهداف أمة”. 2

أبعاد أزمة الثقافة الإسلامية

إن الثقافة الإسلامية ثقافة متفاعلة مع الثقافات الأخرى.. لكنها تواجه تحديات على المستوى الداخلي والخارجي. وهدف العولمة الثقافية الوافدة والغازية القضاء على أصالة اللغة العربية الفصيحة بتشجيع العامية واللهجات المحلية واللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن وعلومه. كما أن هدفها الرئيسي أيضا هو طمس الهوية الثقافية والأخلاقية والاجتماعية للأمة الإسلامية. إن أبعاد أزمة الثقافة الإسلامية متعددة ومتداخلة. من بينها:

أ- الانقطاع التاريخي:

ونقصد به تلك الفترة الفاصلة بين تاريخ الازدهار الثقافي الإسلامي وتلك الفترة التي اصطلح عليها “عصر الانحطاط” الذي عادة ما يتحدد بين القرن السابع هجري/12م و بداية القرن الرابع عشر الهجري، وتنعت هذه الفترة بالانحطاط بسبب ما عرفته من ركود ثقافي وضعف اقتصادي واستبداد سياسي.

ومن آثار هذا البعد في واقعنا الثقافي:

أولا: توقف العقل المفكر. الشيء الذي نتج عنه حضور للتفكير الخرافي.

ثانيا: إفقار ملكة اللغة وذلك بإفقادها المضمون والفكرة.

ثالثا: تخلف التفكير الإسلامي وانقطاع سياق اتصاله وتطوره.

رابعا: غياب ذكر الله والآخرة والمصير والمعاد في معظم الإنتاجات الثقافية المعاصرة.. وهذا سم الغفلة.

ب- الاستلاب الثقافي:

إن البعد الثاني في أزمة واقعنا الثقافي هو الاستلاب الثقافي الذي كان نتيجة للصدام الحضاري الذي حدث بين الأمة الإسلامية والغرب. فقد صادمنا الغرب ونحن على حالة انقطاع تاريخي وانحطاط فكري ومعاشي. فكان هذا اللقاء الحضاري بالطبع غير متكافئ فولد نتائج سلبية متعددة. يقول الأستاذ عبد لسلام ياسين: “بعبارة أوجز ماذا كان أثر الاصطدام مع الثقافات المغايرة على الفكر المسلم والسياسة المسلمة نفس السؤال الذي يطرحه علينا العصر الآن ونفس التحدي مع الفارق الكبير. وهو أن المسلمين في لقاهم مع فلسفة اليونان وأديان المشرق. والهند وكسورية الفرس وقيصرية الروم كانوا هم الأقوياء. بينما نحن في الكفة المرجوحة والذات المجروحة” 3 .

ومن أسباب الاستلاب الثقافي الغزو الثقافي الغربي الذي ألقى بثقله. وتسربت مضامينه الفكرية من خلال الإنتاجات والإبداعات الوافدة إلينا. وكذا من خلال وسائل الإعلام والاتصال كالصحف والمجلات والفضائيات والإنترنيت وغيرها من الوسائل التي أسهمت وتسهم اليوم في إيجاد ونمو ظاهرة الاستلاب.. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ما استعمروك إلا وفيك قابلية الاستعمار. رحمك الله يا مالك بن نبي. ولا خلفوا فيك ذرية هجينة وكيلة سادت في الميدان إلا لموقع انحطاطك الموروث. ولا ملؤوا عقولك وجزئيات حياتك بإفرازاتهم الفلسفية وأدواتهم الحضارية وبضائعهم الاستهلاكية وأنماطهم الثقافية إلا لأنك سوق عام مفتوح مستباح”. 4

ج- الاغتراب في الماضي:

ونعني بالاغتراب هنا الانسداد غير الواعي إلى ماضينا الحضاري والابتعاد عن الحاضر والمستقبل. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “لست أدعو إلى إغلاق النوافذ الفكرية بيننا وبين العالم من حولنا. وإنما أريد أن نتخير من الأفكار ما يلائم طبيعتنا ويتفق ومواريثنا وينسجم وشخصيتنا دون أن نتخير لفكر على آخر ودون أن نفقد أصالتنا وإبداعنا. أريد أن نقف من كل فكر أجنبي موقف الأحرار لا موقف الشحاذين” 5 .

إن كثيرا منا يتعامل مع الماضي الحضاري بمنظور يسقط من حسابه الرؤية إلى الحاضر والمستقبل. والموقف الثقافي الواعي هو الذي يأخذ من الماضي ما يفيد حاضره. أما حينما نجعله ذاكرة نتغنى بأمجاده دونما تفكير في صنع وإبداع أحسن منها فذلك موقف يظلم الماضي والحاضر والمستقبل. وخلاصة القول أن الثقافة الإسلامية تعاني من الأزمة الروحية والاستلاب الحضاري وسموم العولمة الثقافية المتوحشة. إن الفعل الثقافي الحقيقي هو الذي يشتمل على عنصري الهدم والبناء، هدم أسباب الهوى وبناء العناصر المشرقة التي تدفع بالإنسان إلى الحركة والانطلاق من أجل التكريم الإلهي. ذلك ما سنراه في الفصل الثاني إن شاء الله.


[1] يحيى السيد النجار، “الثقافة الإسلامية والتنمية الشاملة”، ص100 منار الإسلام العدد 99.\
[2] نفس المصدر ص 99.\
[3] عبد السلام ياسين، “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى”، ص85.\
[4] نفس المصدر ص 102.\
[5] يوسف القرضاوي، “درس النكبة الثانية”، ص 128.\