يبدو أن أفيغودور ليبرمان مازال يعيش سكرة فوزه في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وقد هزته نشوة كرسي وزارة الخارجية، فبدا كأنه يعيش أحلام الصهيونية الأولى، التي تخطط وحدها وكأن أحداً لا يملك حق الاعتراض عليها وعلى خططها، وأنه لا مقاومين يرفضون الهزيمة والاستسلام، ويقاومون القهر والاحتلال، فشطح أول ما نطح، وقال مخاطباً الفلسطينيين والمجتمع العربي والدولي، أنه وإسرائيل لا يعترفان بمقررات مؤتمر أنابوليس، إذ أن أياً من الحكومات الإسرائيلية السابقة لم تعترف بمقررات مؤتمر أنابوليس، وأعلن أنه لا يعترف بغير خارطة الطريق أساساً لمواصلة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، الذي عليه أن ينفذ الالتزامات المطلوبة منه كافةً وفي وقتٍ واحد، لتلزم إسرائيل بعد ذلك بما تفرضه عليها خارطة الطريق من التزامات، وكأن خارطة الطريق تحقق للفلسطينيين أحلامهم.

يبدو ليبرمان الوافد إلى أرض فلسطين مستوطناً وكأنه يعيش أحلام اليقظة، ظاناً أن الفلسطينيين سيجرون وراءه ليقبل بمقررات أنابوليس، وأنهم سيطالبونه بتنفيذ قرارات الاتفاقيات التي أبرمتها حكومات بلاده مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن ليبرمان المنتشي كثورٍ خرج من حجزه إلى باحة حلبة المصارعة، نسي أن الفلسطينيين يرفضون خارطة الطريق، ولا يعترفون بمقرراتها، كما لم ولن يقبلوا بمقررات مؤتمر أنابوليس الذي كان محاولة من الإدارة الأمريكية السابقة لذر الرماد في العيون، وإشغال الفلسطينيين بمفاوضاتٍ عديدة لا تنتهي إلى شئ، وإيهام الطرف العربي بأن الإدارة الأمريكية جادة في التوصل إلى اتفاق مع الجانب الفلسطيني، وأن نهاية العام 2008 سيشهد إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، علماً أن الحكومة الإسرائيلية لدى إقرارها خطة خارطة الطريق، طرحت 14 تحفظاً عليها، بما يفقدها مضمونها في كل ما يتعلق بالمطلوب من إسرائيل، ولهذا فإن ليبرمان الذي رفض تأييد مشروع خارطة الطريق ابتداءاً أصبح يؤيد تطبيقها بعد توليه حقيبة الخارجية الإسرائيلية.

ويخطئ المسؤولون الفلسطينيون عندما ينتقدون تنصل ليبرمان من التزامات مؤتمر أنابوليس، وكأنهم يشعرون بالأسى لموقفه المتنكب لمقررات أنابوليس، فالفلسطينيون لا يعنيهم أبداً التزام أو رفض الإسرائيليين لمقررات أنابوليس، فهذا شأن لا يعنينا البتة، ويخطئ المسؤولون الفلسطينيون عندما يطالبونه والحكومة الإسرائيلية باحترام مقررات أنابوليس، والالتزام بتطبيقها، وكأن مقررات مؤتمر أنابوليس تحفظ الحقوق الفلسطينية، وتضمن إعلان دولتهم العتيدة، وتضع حداً للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحفظ حياة وممتلكات الفلسطينيين من أن تنال منها الآلة العسكرية الإسرائيلية، وكأن مؤتمر أنابوليس قد أرسى قواعد السلام الحقيقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن عدم اعتراف وزير الخارجية الإسرائيلية الجديد بها سيدق المسمار الأول في نعش عملية السلام بين الطرفين، وسيهدد مستقبل عملية السلام، وكأن ليبرمان هو الذي نعى عملية السلام، وأعلن موتها رسمياً، أو منحها شهادة الوفاة الإسرائيلية الرسمية، وأن الحكومات الإسرائيلية السابقة كانت ملتزمة بها، وحريصةً على تطبيقها.

ولكن الحقيقة أن أفيغودور ليبرمان أراد بتصريحاته أن يخرج المجتمع الدولي كله من ملف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، أو أن يخضعها جميعها إلى مواقفه وتصوراته، وأنه لن يسمح للمجتمع الدولي ولا للأمم المتحدة التي فكرت يوماً باستصدار قرارٍ أممي يلزم إسرائيل بتطبيق مقررات أنابوليس، بالتدخل للضغط على إسرائيل، لتقديم تنازلات أو القبول بحلولٍ وسطية ترضي بعض الفلسطينيين، وهو بهذا يلطم وجه الإدارة الأمريكية، التي عقدت ورعت مؤتمر أنابوليس، فالمعركة ليست بيننا نحن الفلسطينيين وبين ليبرمان والحكومة الإسرائيلية المتشددة، فهذا شأن لا يعنينا، إذ أن الفلسطينيين يرفضون كل اتفاقٍ يفرط في حقوقهم، ويتخلى عن ثوابتهم، ويعطي المحتلين الحق بقضم أرضهم، والاستيلاء على مقدساتهم، وإنما المعركة هي بين حكومة نتنياهو وبين الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي كله، الذي يرقب ويتابع أداء حكومته اليمينية المتشددة منذ اليوم الأول لاستلامها مهام عملها، وهم الذين يمارسون الضغط على حركة حماس والفصائل الفلسطينية للاعتراف بدولة إسرائيل، وتقديم المزيد من الضمانات لضمان أمنها، وفي الوقت نفسه يمارس المجتمع الدولي ضغوطاً شديدة على سكان قطاع غزة من خلال موافقتهم على الحصار الإسرائيلي المشدد عليه، وعندما يرفض ليبرمان مقررات أنابوليس فإنه يرفض الضمانات الأمريكية بحل الدولتين، ويرفض الاعتراضات الأمريكية والغربية على سياسة الاستيطان الإسرائيلية، ويرفض الحلول النهائية التي نصت عليها مقررات مؤتمر أنابوليس، وبذا فإن ليبرمان وحكومة نتنياهو اليمينية هي التي تقصي نفسها، وتنفي عن نفسها صفة الشريك في عملية السلام، وعليها أن تواجه 55 دولة غربية وعربية شاركت في مؤتمر أنابوليس، ولهذا صدرت مواقف دولية عديدة، وأخرى للأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون، تستنكر تصريحات ليبرمان، واعتبرتها تصريحات غير مقبولة، ودعت نتنياهو وحكومته إلى التزام حل الدولتين، ورفع الحصار عن السكان الفلسطينيين، ووقف عمليات طرد السكان المقدسيين ومصادرة أرضهم، ووقف مختلف الأنشطة الاستيطانية، ودعا بعض المسؤولين الغربيين نتنياهو إلى تسهيل حل الدولتين، إذ أن هذا الحل لصالح إسرائيل، وهو الذي يضمن لها أمنها، وهي المرة الأولى التي تشارك دول عربية كسوريا والسعودية في مؤتمرٍ يضم إسرائيل.

والمعروف أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندايزا رايس قد أجبرت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عشية انعقاد مؤتمر أنابوليس، على التوقيع على وثيقة التفاهم المشتركة، التي تتجاوز قضايا الخلاف الأساسية وهي القدس واللاجئين وحدود الدولة، ولا تركز إلا على حل الدولتين نهاية العام 2008، دون أن توجد آلية لذلك، ولا وسيلة لإرغام إسرائيل على الالتزام بالتواريخ المطروحة، وقد أبدى الوفد الإسرائيلي استغرابه من سرعة توقيع الوفد الفلسطيني على مسودة الاتفاق، التي تحمل تصورات مبهمة وعائمة، إذ أن حقيقة مقررات مؤتمر أنابوليس تؤسس لدولة يهودية نقية خالية من غير اليهود، بما يعني أن تغييرات ما ستطرأ على توزيع السكان في الدولة العبرية، وتقود إلى الاعتراف الدولي بإسرائيل كدولة يهودية، مقابل دولة فلسطينية شكلية منقوصة السيادة، ضمن حدود الجدار الفاصل في الضفة الغربية، مع إبقاء قطاع غزة تحت الحصار، وتأبـيد هذه الحالة، تحقيقاً للمصالح الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وكان الإسرائيليون يدركون أن مقررات المؤتمر تضيع حق العودة الفلسطيني، وتضع الأسس العملية لضرب المقاومة، وتحقق المزيد من الشرخ في الصف الوطني الفلسطيني.

لذا لا ينبغي أن ندافع عن مؤتمر أنابوليس ولا عن قراراته، ولا أن نبكي فرقاً أو خوفاً من تنكر ليبرمان لمقرراته، ولا أن نخاف أن يفوتنا اتفاقٌ صنع للنيل من حقوقنا، ولكن علينا أن ندرك أن ليبرمان استطاع أن يكشف بسفورٍ واضح عن الوجه الصهيوني المقيت، وإن كانت كل الوجوه الصهيونية التي سبقته مقيتة، ولكنها كانت تحاول أن تتجمل، رغم أن بعضها كان ينافس في عدوانيته شارون خلال حربه على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن ليبرمان خرج ليعبر عن السياسة الإسرائيلية الحقيقية، السياسة السوداء ذات اللون الواحد، السياسة التي لا تنافق ولا تداهن ولا تحاول أن تتجمل، وهي السياسة الرسمية لدولة إسرائيل، بدءاً من شيمعون بيرس وصولاً إلى أفيغودور ليبرمان، وهي السياسة الإسرائيلية التي تعبر عن ثوابتها التي لا تريد حل الدولتين، ولا وقف النشاطات الاستيطانية، ولا فتح ملف مدينة القدس، ولا الاعتراف بالحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية، بل تريد شطب كل الملامح العربية والإسلامية عن مدينة القدس، وطرد أهلها منها، بل إن ليبرمان لا يستحي من الإعلان أن الهدف الإسرائيلي هو خلق دولة إسرائيل اليهودية النقية، كما أن نتنياهو لا يتحدث عن حل الدولتين على وجه الإطلاق، بل يتحدث عن ترتيبات أمنية واقتصادية، ولا يتحدث عن اتفاق سلام، بل عن إعادة ترتيب أوضاع مع الفلسطينيين، بما يؤكد أن موقف نتنياهو هو ذاته موقف ليبرمان الذي يحاول أن يجمل حقيقة مواقفه المتطرفة.

وعليه لا يشغلنا ليبرمان ولا تصريحاته، ولا يهمنا أن يكشف صراحةً عن نواياه ومواقفه، لأننا اليوم بتنا أكثر تمسكاً بمواقفنا، وأكثر حرصاً على ثوابتنا، وأكثر قدرةً على تحقيق أهدافنا، وهزيمة عدونا، وانتزاع النصر منه، وعلى من يمارس ضغوطاً على بعض الأطراف الفلسطينية أن يتوقف عن لعب هذا الدور، وألا يحرم الفلسطينيين من حقهم في التمسك بحقوقهم، والحفاظ على ثوابتهم، خاصة إزاء تعنت إسرائيل، وعدم احترامها للاتفاقيات والمعاهدات، وتنكرها للحقوق والالتزامات، أليس معيباً أن نجبر أنفسنا على الاعتراف بدولة إسرائيل العدوانية، في الوقت الذي ترفض الاعتراف بنا وبحقوقنا، وتتنكر لكل الاتفاقيات المبرمة معها، وعلينا أن نعتبر من مقولة ليبرمان نفسه “من يريد سلاماً فليستعد للحرب، وليكن قوياً”، فلنكن أقوياء بوحدة مواقفنا الوطنية، وبصلابة تمسكنا بها، وإنه لمن العيب أن نقبل بالخنوع أمام خطاب القوة والصلف والتحدي، وعلى المؤمنين بحتمية السلام مع إسرائيل، والذين يعتبرون أن المفاوضات مع إسرائيل هو الخيار الاستراتيجي والوحيد، أن يتوقفوا أمام التصريحات الإسرائيلية، وأن يقلعوا عن محاولات فرض رؤاهم التفاوضية التي لا تورث إلا ضياعاً وانهزاماً، وليعلم ليبرمان وغيره أنه يحلم بأن الفلسطينيين سيقبلون يوماً بأضغاث مؤتمر أنابوليس وغيره من المؤتمرات التي تؤسس لضياع حقوقنا.