حال المرء في الدنيا

ذكر ابن القيم رحمه الله 1 أمثلة تبين حقيقة الدنيا، نستأنس ببعضها:

المثال الأول:

للعبد ثلاثة أحوال: حالة لم يكن فيها شيئا وهي ما قبل أن يوجد، وحالة أخرى وهي من ساعة موته إلى مالا نهاية له في البقاء السرمدي، فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن إما في الجنة وإما في النار ثم تعاد إلى بدنه فيجازى بعمله ويسكن إحدى الدارين في خلود دائم، ثم بين هاتين الحالتين وهي ما بعد وجوده وما قبل موته حالة متوسطة وهي أيام حياته. فلينظر إلى مقدار زمانها وانسبه إلى الحالتين يعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا. ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف تَقَضَّتْ أيامه فيها في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية. ولهذا لم يضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَالِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ قَالَ#من القيلولة# فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا” 2 . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ” 3 . وإلى هذا أشار المسيح عَلَيْهِ السَّلَام بقوله: “الدنيا: قنطرة فاعبروها ولا تعمروها”. وهذا مثل صحيح فإن الحياة معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخرها ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلا بد من العبور. فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور فهو في غاية الجهل والحمق.

المثال الثاني:

شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها. وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذ وأقوى فالتأذي بها عند الموت أشد، كما أن تَفَجُّعَ الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب.

طالع أيضا  شفير القيامة (6).. عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

الإقبال على الآخرة

الموفق من تفكر في الآخرة وجعل الموت أمامه في كل لحظة لا يغفل عنه أبدًا، إن أصبح أضمر أنه لا يمسي، وإن أمسى قدر أنه لا يصبح، مُدِيماً العملَ بطاعة الله عز وجل، شاكرًا له على توفيقه لذلك، ملازمًا لذكر الله عز وجل ليلاً ونهارًا سرًا وجهارًا. وهيهات أن يتيسر ذلك إلا لمن فرَّغ قلبه من الغد وما يكون فيه ومن الدنيا وأشغالها وزخارفها وجميع متعلقاتها، إلا ما كان عونًا على الآخرة وأداء لما وجب عليه من حقوق.

عن أنس بن مالك أن معاذ بن جبل رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متكئ فقال له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا معاذ؟ قال: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِِِِالله حَقًّا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إن لكل قول مصداقا، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟”. قال: يا نبي الله، ما أصبحت صباحًا قط إلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أُتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عَرَفْتَ فَالْزَمْ” 4

ومِثلُه عَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: “كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟” قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ: “انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟” فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لَيْلِي، وَاطْمَأَنَّ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ (أي يَتَصَايَحُونَ) فِيهَا، فَقَالَ: “يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ”، ثَلاثًا. 5

طالع أيضا  شفير القيامة (1)عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

وجاء عن الشيخ الواسطي رحمه الله في بعض رسائله أنه قال: “إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً من ذكر الآخرة يُريدُ فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها، فيزهده في الفاني ويُرغبه في الباقي، فيبدأ في السير والسلوك في طريق الآخرة؛ وأول السير فيها تصحيح التوبة، والتوبة لا تتم إلا بالمحاسبة ورعاية الجوارح السبعة: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل وكفها عن جميع المحارم والمكاره والفضول. هذا أحد شطري الدين ويبقى الشطر الآخر وهو القيام بالأوامر”.

وقال ابن القيم رحمه الله 6 : لا يتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد. وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب ذلك من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها وغم بعد فواتها فهذا أحد النظرين.

النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولابد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا، فهي كما قال تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 7 فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة، منقطعة مضمحلة. فإذا تم له هاذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل.

طالع أيضا  شفير القيامة(3)عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

وَلَمَّا بَلَغَ مَزْدَكُ مِنَ الدُّنْيَا أَفْضَلَ مَا سَمَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ نَبَذَهَا وَقَالَ: هَذَا سُرُورٌ لَوْلا أَنَّهُ غُرُورٌ، وَنَعِيمٌ لَوْلا أَنَّهُ عَدِيمٌ، وَمُلْكٌ لَوْلا أَنَّهُ هَلَكٌ، وَغَنَاءٌ لَوْلا أَنَّهُ فَنَاءٌ، وَجَسِيمٌ لَوْلا أَنَّهُ ذَمِيمٌ، وَمَحْمُودٌ لَوْلا أَنَّهُ مَفْقُودٌ، وَغِنًى لَوْلا أَنَّهُ مُنًى، وَارْتِفَاعٌ لَوْلا أَنَّهُ اتِّضَاعٌ، وَعَلَاءٌ لَوْلا أَنَّهُ بَلَاءٌ، وَحُسْنٌ لَوْلا أَنَّهُ حُزْنٌ، وَهُوَ يَوْمٌ لَوْ وُثِقَ لَهُ بِغَدٍ. 8

ولما حضرت أبا هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الوفاة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: بُعد السفر وقلة الزاد وضعف اليقين وخوف الوقوع من الصراط في النار.

وكذا لما حضرتْ معاذَ بنَ جبلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الوفاةُ قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار. ثم قال: مرحبًا بالموت، زائر مُغيب وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر ثم قبض رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. 9

ولما حضرت أبا الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الوفاة جعل يجود بنفسه ويقول: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا، ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا، ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه. ثم قبض رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. 10


[1] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 3، ص 229-230.\
[2] أخرجه الترمذي في الزهد 4\508(2377), وابن ماجه وأحمد والسيوطي.\
[3] أخرجه مسلم في الجنة 4\2193 رقم 55 [2858], والترمذي وابن ماجه.\
[4] مسند الشهاب القضاعي ج4 ص78.\
[5] رواه الطبراني 3289.\
[6] كتاب الفوائد، دار الكتب العلمية، ط 2، ص 94-95.\
[7] الأعلى: 17.\
[8] أدب الدنيا والدين للماوردي.\
[9] مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي.\
[10] نفسه.\