5- حديث المفلس

كلما تدبرت ما يحمله القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من أخبار صحيحة عن الآخرة، كلما اكتشفت أن الإطلاع على خبر ما بعد الموت ليس الغرض منه فقط التحفيز على العمل استعدادا لليوم الآخر… بل إن معرفة ما يحدث بعد الموت من شأنه أن يعطينا فقها عميقا لحقائق أعمال الإنسان في الدنيا. وذلك استنادا إلى القاعدة المعروفة: “الجزاء من جنس العمل” التي قررها كتاب الله في مواضع شتى كقوله سبحانه: وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنما الجزاء من جنس ما كنتم تعملون في الدنيا. فمعرفة جزاء الظالم يوم القيامة تعطينا فقها عميقا – لجنس الظلم – لآثار الظلم في المجتمع ولأسباب تحريمه والتحذير منه. الإنسان المظلوم المغتصبة حقوقه، يكون استعداده للآخرة أقل بكثير من استعداده لو كان ينعم بحد أدنى من العدل والأمن في نفسه وماله وعرضه. بل إن الكثير من معاصيه ما كان ليقع فيها لو لم يكن رازحا تحت الظلم والغصب. وإلا فلماذا يأتى بالرجل الذي ضرب و شتم وأخذ المال بغير حق فتطرح سيئات من ظلمهم عليه، فيصير كأنه هو من ارتكبها بعد أن تنفذ حسناته؟.

جاء في سنن الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا ‏قتيبة ‏حدثنا ‏عبد العزيز بن محمد ‏عن ‏العلاء بن عبد الرحمن ‏عن ‏‏أبيه ‏عن ‏أبي هريرة‏ أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال‏: “أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته ويأتي قد شتم هذا ‏وقذف ‏هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقعد ‏‏فيقتص ‏هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن ‏يقتص ‏‏ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار” ‏قال ‏ ‏أبو عيسى‏ ‏هذا ‏حديث حسن صحيح.

مشهد القصاص هذا الذي حكاه لنا من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم يحمل رسالة واضحة: سيئات كثيرة -ارتكبها من تعرضوا ظلما للضرب وسلب المال وللإهانة المادية (سفك الدم) والمعنوية (الشتم)- يتحمل وزرها الذي ظلمهم فتقتطع من حسناته أو تحسب كأنها في صحيفته. ومن هنا نفهم أن الظلم – في حقيقته – منع للمظلومين من أعمال البر التي بها ينجون بعد الموت ودفع للمظلومين إلى أعمال المنكر والبغي التي هي سبب الهلاك الأبدي… لكن هذا لا يعني أبدا أن الحياة في المجتمع غير العادل مبرر للتحلل من كل تكليف شرعي في انتظار “أن يسود العدل ويختفي الظلم” لا أبدا، بل إن القرآن الكريم دائم التأكيد على ضرورة استفراغ الوسع في الاستجابة لأمر الله عز وجل مهما كان حال الغير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

لكن سنة الله قضت بأن تكون العقبة – المفضي اقتحامها إلى رضا الله عز وجل– مؤلفة من صخور صعبة منها ما يصيب المقتحم من ظلم ومنها وساوس شياطين الإنس والجن ومنها ما في النفس من حب للدنيا وأمر بالسوء. وإذا كان المطلوب تجاه صخور النفس المجاهدة وتجاه صخور الشيطان الاستعاذة القولية والعملية فإن المطلوب تجاه صخرة الظلم هو النهي عن المنكر بالضوابط الشرعية والصبر على ما لم يستطع الفرد ولا الأمة تغييره بعد.

سكوتنا عن الظلم وتسويغنا له يعني مشاركتنا في نمو وبقاء جو ملوث مريض تتشرب منه الأنفس الناشئة معاني الخنوع والجبن والتبلد والسلبية، ولك أن تتخيل هل يمكن أن تتعايش هذه الخصال مع معاني توحيد الله ومحبته والعمل الصالح والدعوة إلى الخير؟. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

6 – ظلمات يوم القيامة

لا يتصور في أي بلد معاصر مشروع نهضوي مجتمعي لا يجعل من الارتقاء بالفكر والوعي أحد أهم رهاناته. وعادة ما يتم تناول هذا الرهان: الارتقاء بالفكر والوعي الجمعيين للمجتمع من خلال الدعوة إلى تفعيل وسائل الاطلاع والتذاكر والتحاور.. وقلما يقوم المنظرون بربط فعالية هذه الوسائل بشرط أساس هو توفر حد أدنى من الإحساس بالأمن والاستقرار في نفسية هذا الذي ندعوه إلى المطالعة والمناقشة والوعي بحاله وأحوال البشرية وبمستجدات العصر. و كأن اليقظة الفكرية والوعي لا علاقة لهما بنفسية من نريد منه الاتصاف بهما. فنحن حينما نتوجه إليه باللوم على إعراضه عن الفهم والمطالعة دون أن نقف معه أولا على أرضية فهمية نقر له فيها بما يشكله الظلم المستشري من حواجز نفسية تحول دون تواصل الناس بينهم في حرية ودون انسجام تفكير الفرد الواحد مع ذاته.. حينما نلومه بهذا الشكل نزيد الطين بلة ونحمله من الوزر ما لم يرتكب ونضع المزيد من الزيت على نار حيرته.

كيف تنتظر من الذي كبر وهو يرى أن القاعدة في مجتمعه هي محاباة الكبراء واحتقار الضعفاء، كيف تنتظر منه أن لا يفكر هو أيضا في التآمر مع تكتل يستعين به على أن يخرج من حيز الضعفاء إلى عالم “الكبراء” ليضمن لنفسه حدا أدنى من الأمان والعزة؟ .. كيف لا يكون كذلك إن لم تتداركه القلوب الحاملة لدعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدعوة إلى التوبة والتوجه الخالص إلى الله عز وجل قولا وعملا وقلبا وقالبا؟… إن الظلم يعيق النظر السليم للأشياء، فلا شك أن الواقع تحت نير الحرمان من أبسط حقوقه تكون نظرته إلى الناس مشوشة وغير متوازنة كما أن خوفه على مصيره – ومصير من يَعُول – يشل آفاق تفكيره وإدراكه لأن طاقته الفكرية توشك أن تصرف كلها في ما ابتلي به من هم.. والهم يخترق الجسيم نحافة *** ويُشيب ناصية الصبي ويُورِمُإن تأثير الظلم على عقلية ووعي الناس أمر مشاهد لا يحتاج إلى إثبات. تثبته آيات الله في الآفاق والأنفس، وتعمق في وصفه وتدارسه علماء الاجتماع والسياسة والكثيرون من رجال الإعلام… وتشكل البحوث التي تستند إليها دعوات إقامة الديمقراطية في العالم الثالث، مادة غنية في هذا الباب.. حيث تجد تتبعا دقيقا لأسباب الهجرة السرية ولأسباب هجرة الأدمغة ولأسباب انتشار الجريمة والبطالة والنزعات الفردية وأطفال الشوارع والاضطرابات الأخلاقية كالشذوذ الجنسي واستغلال الأطفال إلى ما لا نكاد نحصيه من نتائج مباشرة وغير مباشرة لاستعباد الإنسان وإلغاء حقه في التكريم.

وتفضي أغلب هذه الجهود البشرية الفكرية العلمية إلى ضرورة تبني الديمقراطية أساسا لعلاقة المواطن بالدولة وإلى ضرورة تفعيل دور المجتمع المدني في نشر قيم التسامح واحترام المرأة والتربية على حقوق الإنسان. وتكفي الراغب في الاستزادة نقرات خفيفة على المواقع الناشرة لفعاليات المؤتمرات الدولية الرسمية والشعبية المهتمة بالموضوع.. الذي يجعل الإطلاع على مثل هذه الجهود أداة للتتلمذ لهدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق له 1 والتعلق به يلمس هذه الخاصية بعمق كبير وقوي. من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الظلم ظلمات يوم القيامة. فيه دلالة على أن مرتكب الظلم إنما يضع الظلمات على أعين من يظلمهم فالجزاء من جنس العمل وكون الظلم ظلمات يوم القيامة دليل على أنه في حقيقته ظلمات في الدنيا. ظلام يعني يعيق النظر السليم إلى الأشياء. الواقع تحت الظلم يمانع جهدا يحرمه الوعي والفهم واتخاذ الموقف السليم. وعليه يكون التفريط في هذه القيمة (العدل) نشرا للعمى الفكري والنفسي والروحي ونكوصا على ما يسمى – مقابل عصر الأنوار – عصر الظلمات أو القرون الوسطى..

لكن: ترى عن أي ظلمات يتحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

لا شك أن الحيرة الدنيوية التي يتخبط فيها المستضعف أمر داخل في الظلمات التي في الحديث الشريف.. الشعور بحاجيات فطرية لا تلبى 2 وبمناصب توكل لغير أهلها وبأموال الضرائب تصرف في الإتراف بغير حق فيما الضرورات يصرف عليها بشح كبير والشعور بخصوصيات عرقية وقبلية تحتقر وتهمش… كل هذا ينسج نظرة غير متوازنة للعالم وللناس وللنفس: ظلمات بعضها فوق بعض… لكنه لا يساوي شيئا أمام الظلام الأكبر والأخطر والأخبث وهو الظلام الذي يحرم الواقع فيه من التفكر في مصيره بعد الموت، من الاستعداد للقاء الله، من التعامل مع الدنيا كسيارة تفضي إلى الآخرة يجب التعامل معها كوسيلة للنقل بكل ما يلزم من الصيانة والإصلاح والتجميل والتزويد بالطاقة وتجنب مزالق الطريق… إن الظلم ظلمات تعمي عن النبأ العظيم.. عن خبر الآخرة.. الظلم بكل أشكاله يصب في إلهاء الإنسان عن المقصد من وجوده في الدنيا.. وهذه بعض أشكاله:

– غياب العدل في الأرزاق وغياب “الضمانات الاجتماعية” 3 يبدد طاقة الإنسان في جمع ما به يستطيع تأمين نفسه وعياله من ذل السؤال والاستجداء.. فتنقضي الأعمار الطويلة والأنفس شبه خاوية من ذكر الله والهم الأكبر صرف في طلب الدنيا والهرب من الفقر وعواقبه في مثل ذلك المجتمع الخواء من العدل.. ويذوب هم لقاء الله في زحام الهموم المتشعبة الدنيوية.

– عدم المساواة بين الناس في تطبيق القانون وغياب استقلالية القضاء يدفع عامة الناس إلى الاحتماء بمن تشم منه نفحة من جاه السلطان لأن القانون الذي في الأوراق لا يطبق على المعني به إلا بحبل من النافذين ذوي “الكلمة المسموعة”. فيحل في القلوب هاجس التزلف إلى ذوي المناصب والجاه محل الهرولة إلى كنف الله عز وجل والتقرب إليه بالفرض والنفل من العبادات على اختلافها: إقامة للشعائر وتعميرا للأرض وتربية للنشء على توحيد الله ومحبته واتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم…

– عندما توكل الأمور إلى غير أهلها يشعر الأكفاء المهمشون من الشباب ومن ذوي القدم الراسخة في الاختصاص على السواء، بخيبة الأمل وبأن إتقان العمل -الذي هو لب الإحسان- لا يجدي ولا يفيد ولن تكون له نتائج نافعة للأمة ما دامت القيادات الجاثمة على الصدور على رأس هرم المؤسسة الإداري تقرر ما يخدم مصالحها الشخصية، لا ما تقتضيه مصلحة العمل بل ولا توفر حتى الشروط الدنيا لمن أراد أن يبدع في عمله، هذا إن كانت لها قدرة أصلا على فهم شروط الإبداع في الميدان الذي تنتسب إليه. وإذا نخبة الأمة تنسحب من الساحة هروبا إلى المهجر أو اعتزالا للشأن العام أو استسلاما “للأمر الواقع”. فتضيع على هؤلاء فرص ذهبية لا تعوض، فرصة خدمة أمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوفير مختلف المنافع لها من طاقات وأغذية وبرامج للتكوين وأعمال فنية هادفة وآلات للنقل والتدفئة والاتصال وغير ذلك … وما أعظمها من فرصة …

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الناس عيال الله. وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله. أليست هذه الصورة من الظلم تخريبا لدين الناس؟ هل هناك شر أكبر من أن تمنع مجتهدا من عمل يجعله أحب الناس إلى الله؟.. وسائل يسألني، إن كان هذا المهمش الذي ذكرت صادقا في طلب رتبة “أحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله” فسيبلغه الله هذه المرتبة بصدق نيته حتى إن لم تتوفر الظروف وحتى إن لم يتمكن من إتيان الأعمال التي بها ينفع الناس.. وهذا صحيح لا شك: لكن هل ينفي هذا قبح إيكال الأمور إلى غير أهلها؟ وهل يعني هذا أننا غير مأمورين شرعا وبشدة بإعلان رفض هذا الصنف من الظلم؟ .. وكأني بالذي يرد بالإيجاب يقول من حيث لا يدري: إذا جاء جمع من المجرمين يريدون هدم مسجد في حي من الأحياء فلا حاجة لأن يمنعهم السكان من ذلك، لأن من كانت له حرقة على الدين وصدقٌ بلّغه الله أجر الصلاة في المسجد وإن هدم المسجد وبقي هو وسكان الحي يتفرجون على المعاول تحطم الأسوار والسقف. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا صدق الله العظيم. أليس الظلم ظلمات في دنيا الناس قبل آخرتهم؟

تلكم بعض الأشكال الموضحة لما في الظلم من تعمية لأعين الناس وإلهاء لهم عن الآخرة.

أسأل الله تعالى أن أكون وفقت لتوضيح أبعاد تغيب عن التناول كثيرا عند طرح قضايا العدل وألخصها في:

1- بعد الوجوب الشرعي: العدل فريضة على كل مسلم إقامتها في نفسه وأسرته ومجتمعه ودنياه كلها وفي جميع ميادين الحياة في نطاق قدراته ووسعه.

2- بعد الأمانة المجتمعية: المجتمع المسلم مفروض عليه شرعا أن يتعاون على إقامة العدل في كل شؤونه وهو مسئول عن ذلك أمام الله عز وجل.

3- بعد تكفل الله بالآمر بالعدل: فربنا سبحانه أنزل ضمانات قرآنية واضحة تقول لمن صدق في تحري إقامة العدل: استمر ولا تخش أحدا فأنا وليك ومؤيدك.


[1] لأنه عليه الصلاة والسلام أمرنا بالحضور والشهادة على الناس. وعليه يكون الإطلاع على ما يحدث في العالم أداة من أدوات التعلم بحضرته صلى الله عليه وسلم، كما تشكل السبورة أداة لمن يتعلم الكتابة في المدرسة.\
[2] السكن الذي لا يستطيع المحروم من حق العمل توفير أسبابه.\
[3] أستغفر الله.. فما هي في الحقيقة إلا استمطار بلسان الحال لرحمة الضامن الحق سبحانه وتعالى..\