أجرت أسبوعية “الوطن الآن” حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حول عدد من القضايا الوطنية والداخلية، منها صحة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، وإمكانية تأسيس حزب سياسي والمشاركة في الانتخابات الجماعية المقبلة وغيرها من القضايا. فإلى نص الحوار:

السؤال:

يتداول في الآونة الأخيرة كلام حول تدهور خطير في صحة مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين ما حقيقة الأمر وما درجة المرض وما انعكاساته على مستقبل الجماعة وخاصة أن دور المرشد محوري سواء في بناء الجماعة أو تدبيرها أو التنظير لها؟

الجواب:

هذه الإشاعة غير صحيحة، وليست هذه أول مرة يتم فيها الترويج لمثل هذه الإشاعات حول الأستاذ عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان. فكلما كانت هناك ظروف حساسة يمر منها المغرب إلا وتنشط آلة الدعاية لإشغالنا في الردود والأمور الجانبية من جهة ولشغل الرأي العام عن حقيقة الأوضاع المزرية من جهة ثانية. وإذا ما نظرنا إلى تزامن هذه الإشاعة مع إشاعة إمكانية مشاركتنا في الانتخابات المقبلة نعرف سببا مهما كامنا وراء ذلك وهو جس نبض جماعة العدل والإحسان لمعرفة طريقة تعاملها مع الانتخابات التي اتضحت هزالة نتائجها مسبقا وهم يتوجسون من أي عامل آخر إضافي يزيد الأمر فداحة.

والذين يروجون لهذه الإشاعة هم في الحقيقة لا يتكلمون عن واقع، لأنهم لا هم رأوا ولا التقوا الأستاذ المرشد حتى يطلعوا على حاله، هم يعبرون عن رغبة دفينة لديهم لازمتهم منذ أن انبرى الأستاذ عبد السلام ياسين لقول كلمة الحق واضحة وبقي ثابتا عليها، رغبتهم في التخلص منه لأنه مصنف عندهم على رأس قائمة “المزعجين”.

أما حقيقة وضع الرجل فهو كباقي عباد الله يصيبه ما يصيبهم من عوارض الحياة من مرض وتعب ومعافاة وغيرها، ومعروف عنه أن متعايش مع نزلات البرد التي حملها معه من سجون الجور عقودا طويلة، لكنها ليست والحمد لله كما يتمنى خصومه، إنما هي عوارض تشتد وتخف تبعا لتقلب الفصول.

ومن أهداف ترويج هذه الإشاعات هو دفعنا للرد الذي يستغل فيما بعد للترويج لشائعة أخرى تقول أننا نقدس المرشد ولا نتصور مستقبلا للجماعة دونه، وهذا توهم محض، فنحن لنا منظور خاص، وهو منظور كل المسلمين، لقضية الموت يجعل منها نقطة قوة لنا والحمد لله وليست لحظة شتات ونزاع وتهافت. الموت والانتقال إلى الدار الآخرة قضية كل عضو في جماعة العدل والإحسان ولها نعمل وعليها مدار حديث مرشدنا الأستاذ عبد السلام ياسين. فنحن، وكل مسلم صادق، نسعى إلى الموت سعيا واعيا، وإذا ما حلت لا تفعل فينا ما تفعله في الغافل عنها الذي تأخذه فجأة فيقع بعده الصراع والتشتت والتنازع.

ثم إن الموت ليس دائما بعد مرض أو شيخوخة أو وهن، الموت أجل يمكن أن يكون بعد مرض كما يمكن أن يكون فجأة، و واحسرتاه على موت الفجأة وصاحبها غافل لاه، نسأل الله حسن الخاتمة لنا ولكل مسلم.

السؤال:

الموت حق، لكن السؤال هو كيفية التدبير التنظيمي لجماعتكم بعد موت ياسين؟

الجواب:

الأمور التنظيمية تحكمها عندنا ضوابط وقوانين مرعية وفقها تسير الجماعة في كل ظروفها، ويكفي أن أستفسر الذين يراهنون على تنازعنا عن كيف سارت الجماعة والمرشد محاصر لأكثر من عشر سنوات ومجلس الإرشاد معتقل لمدة سنتين وعدد من القيادات الأخرى بين ملاحقة واختطاف؟!

السؤال:

هل يبدو في الأفق القريب إمكانية تأسيس حزب من طرف الجماعة وخاصة في ظل طلب العديد من الساسة بضرورة الانفتاح على الجماعة. هل المشكل في رفض السلطة أم في عدم رغبة الجماعة؟

الجواب:

أنت تحدثني عن تأسيس حزب وكأن العملية مرتبطة فقط برغبة كل مجموعة أرادت ذلك. واقع المغرب غير كذلك تماما؛ الحزب في عرف المخزن هبة ومنحة يعطيها عندما يريد تبعا لقالب وحدود وشروط يضعها هو فقط. والذي يبقى عصيا على مقاسات ذلك القالب تبقى حظوة الحزب عصا فوق رأسه وأداة للاستبزاز والضغط.

نحن، بفضل الله، لسنا مضغوطين بهذه المسألة لأنها ببساطة ليست هي الباب الوحيد للعمل. المفهوم الذي حددناه لوظيفة الجماعة وهو الدعوة إلى الله عز وجل فسيح جدا بما يتيح لنا أبوابا كثيرة للعمل المنوع سواء التربوي والتعبوي أو السياسي أو الاجتماعي. ولا أحد يمكن أن يتجاوز الدور السياسي الذي تقوم به جماعة العدل والإحسان. فالمخزن يريد أن يكرس مفهوما خاصا ومحصورا للعمل السياسي وهو الانخراط في انتخابات شكلية وما يتبعها من مؤسسات صورية فارغة. وهذا معنى مغلوط، المشاركة الانتخابية هي جزء فقط من المشاركة السياسية الواسعة المبنية على أهم هدف من العمل السياسي وهو التأثير في القرار السياسي وفي الواقع المجتمعي، وأحسب أن لجماعة العدل والإحسان الباع الواسع على هذا الصعيد.

إذن المشكل مشكل الجهات التي خولت لنفسها مفاتيح لفتح المجال حسب المزاج وبالقدر الذي تحدده هي بعيدا عن أية ضوابط متعارف ومتعاقد عليها. أما نحن فمنشغلون بالعمل لدرجة أننا لا نجد الوقت الكافي لتنفيذ كل ما تبرمجه مؤسسات الجماعة بمختلف تخصصاتها.

السؤال:

قلت إن من بين مجالات اشتغال جماعتكم العمل الاجتماعي، والمغرب مقبل على انتخابات جماعية والكل يعرف أن الانتخابات الجماعية مختلفة عن التشريعية لأن الانتخابات المحلية يغلب عليها الطابع الخدماتي، كما يفتح فيها الباب للمستقلين هل ننتظر مشاركة الجماعة بطريقة من الطرق التالية: دفع بعض أعضائها للمشاركة كمستقلين؟ أو مشاركة الجماعة بشكل كلي؟ أو دعم طرف قريب منها ويمكن أن يفتح أمامها بوابة الخدمات الاجتماعية التي تحرص الجماعة عليها؟

الجواب:

بل قل إن المغرب مقبل على مهزلة أخرى وهو حديث العهد بمهزلة انتخابات 7 شتنبر 2007 ، وما يزال منغمسا في مهزلة مراجعة اللوائح الانتخابية. وعن أي اختلاف تحدثني وكأننا بصدد الحديث عن بلد ديمقراطي يحترم شعبه وإرادة الناخبين وأدوار المؤسسات وسيادة القانون. في البلاد التي تتحدث عن هذه الفروق تجد فعلا أن المجالس الجماعية والبلديات هي المسؤولة عن دائرتها لكن المخزن المغربي له ترتيبات أخرى تجعل من المجالس المنتخبة ديكورات فقط حيث تجد فوق الجماعة المحلية قيادة وفوق البلدية باشوية وفوقهم جميعا عمالة وولاية، وهذه هي التي تحكم فعلا وتتحكم في كل شيء. هذا هو الواقع المر وأنا أستغرب غاية الاستغراب كيف يحاول المنخرطون في هذه اللعبة السمجة أن يتجاوزوا هذا الواقع ويمنون الشعب الأماني التي يعرفون جيدا أن لا سبيل لديهم لتحقيقها.

هذا الواقع استمر عقودا مهما تنوعت الشعارات وتعاقب الأشخاص، وهو يزداد استفحالا مع اتساع جبهة المزكين لهذا الواقع الرديء. وهو ينذر بكارثة محققة إن لم يراجع المنخرطون في صناعته مواقفهم وينحازوا إلى صف غالبية الشعب الذي أصبحوا معزولين عنه.

أما نحن في العدل والإحسان فلا يمكننا أن نزكي هذا الفساد بأي صورة من الصور التي ذكرتها في سؤالك، فنحن، صحبة الشعب، نقاطع الانتخابات لا ترشيحا ولا تصويتا، لا كليا ولا جزئيا. إذ لو رأينا فيها خيرا لانخرطنا فيها بكل قوتنا عوض الطرق الملتوية التي يروج لها البعض للتشويش على الشعب.

السؤال:

صرح مؤخرا أحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح بأن اختيار جماعتكم الابتعاد عن العمل السياسي ليس صوابا، ولن يؤدي إلى نتيجة، كيف تردون عليه؟

الجواب:

مع احترامنا لفضيلة الدكتور أحمد الريسوني فإننا بدورنا نعتبر أن الانخراط في عملية سياسية بالمواصفات التي تحدثت عنها في جواب سابق ليس صوابا. وليس فقط لا يؤدي إلى نتيجة إنما يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة. فالنتائج نراها اليوم؛ الشعب يتعمق فقدانه للثقة في السياسة والسياسيين، الواقع الاجتماعي المعيشي والاقتصادي يزداد سوءا، الإدارة تزداد فسادا، إلى غير ذلك من المآسي التي يعرفها الكل وهي مادة يومية على صفحات الجرائد. والأوضاع لا يمكن أن تتطور إلا في نفس الانحدار ما دامت العملية السياسية تدار بنفس المنطق ونفس الآليات التي تجعل من الأحزاب والمؤسسات المنتخبة أدوات فقط يديرها المستبدون الماسكون بزمام كل الشؤون.

وأنا أقول للذين يتهموننا بالنظر بعين واحدة أو بمنطق التيئيس قدموا لنا خلاف ما نقول على أرض الواقع وليس في الشعارات والأماني لأن فرصة الشعارات استغرقت أكثر من عقد في حدها الأدنى بالنسبة للمنخرطين الجدد في العملية كما هي والعاملين تحت الشعار الجديد القديم التغيير من الداخل؛ فما الذي تغير يا ترى؟ بل من الذي تغير؟

وحسبي أخيرا أن أجيب جوابا سبق للدكتور أحمد الريسوني أن تفضل به بعد انتخابات شتنبر 1997 حينما سئل عن تفسيره لعدم مشاركة جماعة العدل والإحسان فأجاب بأن ليس تمة ما يشجع الجماعة على الانخراط معددا كل مساوئ تلك المهزلة. وهذا جوابي أنا أيضا.

هذا عن الانتخابات، أما رؤيتنا لمفهوم العمل السياسي فقد عبرت عنها في جواب سابق بالمعنى الذي يفيد أنها أوسع من الانتخابات ولها أكثر من باب وطريق، وبهذا المعنى فنحن في صلبها ومن المؤثرين الأساسيين فيها. فالمعيار هو التأثير وليس شكل العمل وإلا فأنت ترى كم من مشارك في الانتخابات لا تأثير له، بل ليس له أثر.

أنا هنا أتحدث عن واقع ولا أتهم النوايا الصادقة، ولا أدعي أننا نمتلك الحل الجاهز وحدنا. الحل أن تتكاثف جهود كل الغيورين الصادقين وأن نضع أيدينا جميعا في أيدي الشعب وننطلق من أساس صلب يضمن مشاركة الجميع إلا من أقصى نفسه، ويكون فضاء حرا لا مكان فيه لأدوات الإكراه، وليس فيه طرف فوق الآخرين، ونحرر قواعد وآليات وقوانين عمل سياسي شفاف ونزيه وعادل.

عن جريدة “الوطن الآن”، عدد 330، الخميس 16 مارس 2009.