ليست الهوية شيئا غريبا عني، في سؤال من هو، من أنا؟ يسبق الجواب المألوف أنا أمازيغي أو عربي يسبقه جواب فطري مغروز مغروس في كياني: أنا مخلوق الله، مصنوع على عين من برأ وخلق، وإذن فهويتي الدينية التي تربطني بخالقي ومصدري الأسبق في سلم الهويات، ولأن الدين الحق هو ما ارتضاه ربّ العزة جل وعلا: الإسلام، فإن قولي: أنا مسلم تحديدا لهويتي الأصلية “فطرة الله التي فطر الناس عليها” هذه الهوية اللصيقة بالإنسان اللازمة لكيانه الحيّ تٌـنوسيت وطمرت وأقبرت في رف النسيان لحساب هوية من الدرجة الثانية أو الثالثة: أنا أمازيغي، أو أنا عربي أو فارسي.. ما الأمازيغية التي يتنفس هواءها الجيل المعاصر بثقافتها وتاريخها وحضارتها إلاّ هوية من الدرجة الثانية أو الثالثة كان الأسلاف والأجداد لا يعيرون لها اهتماما لما شغلهم من أمر دينهم ودنياهم، إذ كان الدين القضية الأولى في حياتهم ويحاول الآن الخلف الجديد جعلها في مقدمة الأولويات بعدما كانت وراء وراء، فسبحان من بدّل وغيّر، وسبحان من أخبر فوقع ما لم يكن في الحسبان فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسيلقون غياّ.

حياتنا قائمة على التجارب. فهلاّ استفدنا من تجارب الماضي واعتبرنا بتاريخ أجدادنا الأمازيغ؟

على أرض الأمازيغ كان الصراع بين القوى العظمى في عصرها لاستغلالها وابتزاز ثرواتها وإذلال أهاليها..

كان الصراع مريرا بين فينيقيا وإغريق صقلية منذ القرن السادس قبل الميلاد، ثم تجدد الصراع أشرس ما يكون الصراع بين قرطاجة وارثة فنيقيا وروما خليفة الإغريق، فدخلتا في حروب بونيقية كانت وبالا على الأهالي الأمازيغ، لا أحد من الدارسين يستطيع أن يلمّ بحجم الخسائر الفادحة في الأرواح والعمران والمزارع وأسباب العيش على أرض الأمازيغ، أم أن الحرب لم تنعكس إلاّ على أهلها.؟ كان ماسنسن أبرز الثوار، ظهوره كثائر يسعى لبناء دولة قوية وموحدة يلخص الشعور بالاستياء العام الذي أصاب المنطقة. وبالطموح والأمل نحو الاستقرار والاستقلال ممّن جثم ببطشه وجبروته عليها: روما.

ستنهار قرطاج عام 146 ق.م وتـنفرد روما بالسلطة، ويصبح المغرب “مخزن حبوب روما” وبسياسة الحديد والنار فرض الرومان على الأهالي سياساتهم الجائرة، فاستغلوا الغابات فوق اللازم لتزويد حمامات روما بكميات هائلة من الخشب مما أضر بالتربة والثروة النباتية، كما حظيت زراعة القمح والحبوب باهتمام روما فكان الإنتاج كله في صالحها ولا تترك إلا اليسير للأهالي مع ضرائب باهضة كانوا يؤدونها عينا لتزويد العاصمة روما بالحبوب، وكذلك تجارة الزيت والخزف فقد احتكرها مواطنون رومان كما فرض عليهم التجنيد فكان الواحد من الأهالي يقضي خمسا وعشرين عاما في الجندية ليمنح حق المواطنة الرومانية، كما حاول الرومان فرض العقيدة المسيحية بالقوة ابتداء من القرن الثالث للميلاد. 1 .

طبيعي إذن أن يثور الأمازيغي ذباّ عن حريته وكرامته، يوغرطن، تاكفارين، أيديمو، فرموس، جلودو، ثوار مهما اختلف المؤرخون في دوافعهم وأهدافهم الثورية كانوا ينشدون التخلص ممن يسلبهم حريتهم ويطبع هويته ويغرس ذاتيته فيهم، كان الأمازيغي محكوما عليه بالذوبان في ما تخططه روما على أرضه، كانت الهوية مهدّدة كما كانت الحرية والتمتع بالحقوق، فما بال الأمازيغ لا يتلهفون لدخول الو ندال لتخليصهم مما هم فيه؟ وقد دخلوا واستوطنوا، فما بال المؤرخ الباحث عن الهوية يتغاضى الطرف عماّ كان هناك من أحداث؟

بدأ دخول الوندال إلى الشمال الأفريقي بتخريب المزروعات والمباني وحين استقام لهم الوضع بالبلاد استولوا على أخصب الأراضي وطردوا الأهالي وقسموها على الجنود المحاربين وهم بالآلاف، وكانت أغلب مدا خيل البلاد تبعث إلى ملوكهم، كما حاربوا العقيدة الكاثوليكية المنتشرة بين الأهالي،مما أثار الأهالي كأنطالاس. فظهر أن الوندال لا يختلفون في سياستهم ونظرتهم إلى البر برعن الرومان. انهار الوندال لحساب بيزنطة، كان ذلك في النصف الأول من القرن السادس للميلاد، وهو من أحط أدوار التاريخ، إذ حارب البيزنطيون الأهالي الآرييـن أتباع آريوس في العقيدة فتأ لّب عليهم الأمازيغ وكان ردّ فعل بيزنطة عنيفا فاكتسحوا المدن والسهول غازين وقد أدى التهوّر بأحد حكامهم سرجيوس إلى اعتقال رؤساء لواتة (بليبيا) وقتلهم، فثار أنطالاس في معركة قسرين سنة 543م. إلى كثير من هذه الأحداث 2 . فما لأجدادي وأسلافي الأمازيغ –وهذه حالهم- لا يتلهفون لوافد جديد يخلصهم ممّن يتصرف فيهم بشدة العسف والظلم ويسوسهم بالقهر ويسومهم أنواع العذاب؟ التاريخ يحكي أن أهل زناتة بعثوا بصولات بن وزمار إلى الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه طالبا منه النجدة، التاريخ يشير إلى رضى أهل ليبيا وهم يدفعون الجزية إلى المسلمين بدلا من دفعها لجرجير الطاغية البيزنطي فلم يثوروا كما ثاروا زمن أنطالاس، التاريخ يقصّ أن جيوش الفاتحين المسلمين كان مليئا بالأمازيغ المتطوعـين، مع حسان بن النعمان وطارق بن زياد وطريف وموسى بن نصير، التاريخ يروي ترحيب البربر الكبير بشخص الشريف النسيب إدريس بن عبد الله الكامل ومبايعته على إقامة السنة والذود عن المظلوم والجهاد لنشر الإسلام، فما للإخوة من بني مازغ لا تمثل أقلامهم ولا تقيم وزنا لإرادة الأجداد: هم من اختار المسلمين وهيّأ للدخول، وإن وجد من البربر من حارب وماطل وحاد فسرعان ما انقلبت الأمور، ففهم الأمازيغ مقاصد الدين ووجدوا أنفسهم بين خيارين: إما قبول المسلمين أو الرضوخ لسلطة بيزنطة وقد عرفوا كيف هي سياستها، وقد كان الأولون أحظى بالترحاب وأولى بإكرام الوفادة لمّا علموا من رسالة للخير والخلاص يحملونها للعالمين.

هل ضاعـت الهويّة الأمازيغية بقبولهم للإسلام والمسلمين؟ ونجيب أن الأمازيغ عاشوا مآت السنين قبل الإسلام كما عاشوا قرونا ولازالوا يدينون بالإسلام .. ومع ذلك ظل الأمازيغ متميزين بشخصيتهم في اللغة وأساليب العيش وتقاليدهم، وإذن فهناك شيء جوهري متعال على التاريخ وملابساته هو ما يميزهم عن الآخرين: الهوية الأمازيغية. لا خوف إذن على هذه الهوية إن اعتنقنا الإسلام أو انفتحنا واكتسبنا ما عند غيرنا فهو إرث للإنسانية جميعا، هو قدر مشترك لا يتنافى مع الخصوصية والهوية.

في سلم الهويات تسبق الهوية الدينية في الإنسان بما هو مخلوق لله عز وجلّ، وتليها الهوية الإنسانية بما هو متميز عن الحيوان. عاقل مفكر مبدع حساّس شاعر بالحياة وما حوله، ثم تأتي الهوية العرقية لتحدّد انتماء الإنسان الجغرافي اللغوي وتطبعه بعادات وتقاليد ومواريث. وإذن: فقبول الأمازيغ للإسلام ما هو في الأصل إلاّ عود إلى اكتشاف حقيقة كونهم مخلوقين لله عز وجلّ، ماهو في الأصل إلاّ تصحيح للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ثم لا حرج بعد ذلك أن نتذكر أننا أمازيغ أو عرب لنا حقوق يفرضها انتماؤنا الجغرافي والعرقي.

ولاؤنا لله ينبغي أن يتصدّر قائمة الولاءات التي تشعب نفس الإنسان وهذا ما تفرض أولوية الهوية الدينية، وهذا ما فهمه أجدادنا الأمازيغ فاعتنقوا الإسلام وانطلقوا في الآفاق مجاهدين لنشر الدعوة الجديدة، ما همّهم في ذلك أن يكون قائدهم عربيا وافدا أو أمازيغيا أصيلا، جاهدوا تحت إمرة إدريس الأول وجاهد طارق ومعه آلاف البربر لنجدة الأندلس من ظلم القوطيين تحت إمرة موسى بن نصير، وأسسوا دولا عظيمة أرست دعائم الإسلام وحكّمت شريعته، وما دول المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين ببعيدة، بل ما قامت دول السعديين والعلويين إلا بمبادرة من الأمازيغ وتأييدهم. كل ذلك لتثبيت الإسلام وإقرار السلام والوحدة بالمنطقة؛ بل ظهر أمازيغيون قاموا للجهاد ضد حملات البرتغال والإسبان لإنقاذ البلاد من خطر التنصير الذي خططت له المسيحية الغربية أمثال أبي المحاسن الفاسي والجزولي والعياشي والسملالي.. ما كانوا يقيمون سدا بين أمازيغيتهم ودينهم الذي اعتنقوه، بل وظفوا لغتهم لنشر الدين وتفهيمه، ويبقى ابن تومرت النموذج الأشهر في ذلك.

ونعود لنتساءل مرة أخرى: هل ضاعت هويتنا مع أجدادنا حين كانوا يقدمون الإسلام على غيره؟

ونجيب أن التاريخ بما هو مقدمة للحاضر وبما هو أساس للانطلاقة نحو المستقبل فإن أنصع فترة في تاريخنا والتي يمكن الاستناد إليها في بناء واستشراف مستقبلنا هي الفترة الإسلامية: فترة ما بين بداية القرن الثاني الهجري حيث استقر وتمكن الإسلام وقبيل الاستعمار: هي الفترة الذهبية التي انتعش فيه الأمازيغي وأبدع وتحققت كرامته وصنع بيده تاريخه. فإن كان ولابد من أساس تاريخي لشخصيتنا وتعزيز ذاتيتنا فلا معنى للقفز وتجاوز العهد الإسلامي الذي أومأنا إليه.

ثم جاء الاستعمار.. ومعه مشروع الاستحمار، فما كان منه إلاّ السعي لطمس الشخصية الأمازيغية، ففصمها عن كل ما يربطها بماضيها وتاريخها الإسلامي وربطها بتاريخ ومصدر غير الإسلام وما يمتّ إليه بصلة عن طريق تأسيس المدارس وتشكيل بعثات إلى أوربا ليعودوا بأفكار وأيديولوجيات جديدة تخدم أهداف الاستعمار.

في القرن التاسع عشر كتب الجنرال فيدرب: إن البربر أقارب الأوربيين القدامى.

وفي سنة 1917م كتب روبير مونتاني وخلص إلى مطلب تاريخي يراه ضروريا وهو: تفريق البربر بأعرافهم وتقاليدهم عن العرب بشريعتهم.

وفي 1930م أصدرت فرنسا الظهير الذي هدف إلى تمزيق الوحدة التي جمعت البربر بالعرب، وما كان يجمعهم غير الإسلام، وسمّ ما شئت ذلك الظهير فالهدف هو هو.

وفي سنة 1938م كتب الجنرال بريمون: بربر وعرب بلاد البربر بلاد أوربية.

هكذا نرى الاستعمار عمل جاهدا على فصل البربر عن إخوانهم العرب المشارقة وهي مقدمة ضرورية نحو فصمه عن الإسلام: الدين الذي جاء به العرب المشارقة وربطهم بأوربا وهذا ما عبر عنه ملك إسبانيا في العشرينيات من القرن الماضي ألفونسو السادس إثر محاربته للأمير محمد عبد الكريم الخطابي، قال: ( وإن إسبانيا أيضا قد تجندت لحرب المسلمين في أفريقيا الشمالية حربا لا تنفك عنها حتى تفوز بغرس الصليب في ديار المسلمين ..) بهذا خاطب ألفونسو السادس بابا روما يستنجده ضد الريفيين، هي حرب صليبية دينية إذن.

حرب على الإسلام وأهله. فما كان من المغاربة، أمازيغ وعربا، إلاّ أن انتفضوا وقاموا ضد ما يخططه أعداؤهم النصارى. كان الاستعمار يهدف إلى تغيير الهوية الإسلامية للمغاربة فكان ردّ فعلهم إثبات هويتهم الدينية وما دعاء اللطيف الذي خرجوا به من المسجد الأعظم بسلا، وما دفاع المؤرخين الوطنيين ضد أوهام مؤرخي الاستعمار وما الحماس الديني الذي قامت على أساسه الأحزاب الوطنية، ما المجتمع الجديد الذي أسّسه الأمير الخطابي فلا سرقة ولا نهب ولا سلب ولا فوضى- كما يعبر محمد سلاّم أمزيان- إلاّ وسائل ومظاهر يثبت ويؤكد بها المغاربة والأمازيغ خصوصا تمسكهم الصارم الذي لا يساوم بالدين الذي تلقوه تربية من آبائهم وتشرّبوه إيمانا وعاشوه شريعة وسلوكا. ما كانوا يرون هوية حقيقية خارج الدين، وما كان عندهم من أساس يستندون إليه غير الإسلام .

في الستينيات من القرن العشرين برزت محاولات داخل المغرب تطالب بالأمازيغية كلغة لها اعتبارها إلى جانب العربية، ما فتئت المحاولة حتى أصبحت الأمازيغية الخصم الندّ للعربية، شيئا فشيئا أصبحت المحاولة أيديولوجية تخاصم الإسلام وتصوره للجيل المعاصر الهادم للغة الأصلية والماحي للهوية الضائعة. الآن.. كيف يوازي طلاّب الأمازيغية سياساتهم وكيف يقدمون للجماهير مقترحهم التغييري؟ إنها العلمانية سافرة ظاهرة للعيان في شوارع المظاهرات، في الاعتراف التام بإسرائيل وربط الصداقة وتخليد الذاكرة المشتركة معها، في السّجالات الفكرية مع من يعتبرونه الخصم الأول: المدافع عن إسلامه بحرارة. وهذه كلها تقف في جهة مضادة مقابلة لجهة الإسلام. أولا يسعى الكثير منهم لفصل سيرة الأمير الخطابي عن الإسلام كمصدر لانبعاثه الجهادي؟؟ ألا يهتم مؤرخوهم بدويلات كبرغواطة وغيرها وإظهارها في صورة المظلومة من طرف المسلمين؟

وإذن فما نراه في الواقع من سياسات وتحركات أمازيغية ما هي بصادقة في طرحها للمسألة الأمازيغية، ماهي بصادقة في سعيها لإحياء القيم الأمازيغية.

أخطأ طلاّب الأمازيغية الطريق في سعيهم الدؤوب والمستمر لتجديد الهويّة الأصيلة حين تنكروا للإسلام ورموزه من بني مازغ كمستند تاريخي لنضالهم ومرجعية للذاكرة الجماعية للأمازيغ المعاصرين، يصرون على شحن الأذهان بالرموز التاريخية لما قبل الإسلام (يوغرطن- يوبا- ماسنسن…) ويلاحظ الجميع إهمالا مقصودا للرموز الإسلامية. أي أن مستندهم التاريخي في تشكيل الهويّة التي يلهجون بذكرها بعيد كل البعد عن الإسلام وقيمه، تصبح الفترة الإسلامية حلقة مفقودة في وعي الجيل الصاعد، فكيف سينعكس ذلك على هذا الجيل الذي سيجد نفسه مفصولا عن 14 قرنا من تاريخه ولا يربطه بها شيء ذو بال؟؟ هنا تتفق الأغراض الأيديولوجية لكل من الاستعمار وطلاّب الأمازيغية، فهل من منصف منكم يا بني مازغ في إعادة النظر في هذه القضية الحساسة؟

يضلّ طالب الأمازيغية الطريق فيغترب عن منطق زمانه ومكانه، فيبحث عن لغة بينه وبينها آلاف السنين لا تفيد في التواصل المعاصر، ويتجاوز القيم المشتركة بين الإسلام والأعراف الأمازيغية التي ألفها وترسخت طيلة قرون إلى قيم قديمة فينحصر ولاؤه لتراث ما قبل الإسلام على حساب ولاءه للدين. ليس غريبا بعد هذه أن نجد في صفوف طلاب الأمازيغية من يجهر بتنكره للدين ويعلن إلحاده ويرى في الإسلام وأهله الخطر الأكبر أمام مشروعه.

وبعد: فنحن إذ نعالج هذا الأمر الحسّاس ونسعى للكشف عن الروافد التي شكلت ولا تزال تغذي الأيديولوجيا الأمازيغية فلأننا نتطلع إلى مستقبل تتوحد فيه جهود المسلمين: عربا وأمازيغ وأول خطوة في ذلك: تذويب الفجوة الواسعة التي أحدثها التنكر للدين والإلحاد، وبدون السعي الجاد من طرف الأمازيغ على ذلك الدرب فسيكون حديثنا عن الهوية ومعانيها حديث خرافة لا يستمد من أصل ولا يقف على أساس. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] يمكن الرجوع في هذا إلى ما كتبه عبد الله العروي في مجمل تاريخ المغرب صفحات من 56 إلى 59 طبعة 1984.\
[2] يفيد الرجوع إلى إبراهيم حركات في (المغرب عبر التاريخ) ص. 68-69.\