بعدما تطرقنا في حلقتين سابقتين لمفهومي الجاهلية والفتنة ووضحنا الفرق بينهما، وأهمية التمييز بينهما بسبب ما يترتب على ذلك سواء على مستوى الحكم على الناس أو المجتمع، أو طبيعة الخطاب والبرنامج، أو أسلوب العمل ووسائله، أو طبيعة العلاقات مع الفاعلين الآخرين. بعد كل ما سبق نخصص الحلقة الثالثة من هذه السلسلة لمفهوم غاية في الأهمية. ويتعلق الأمر بالتجديد، وهو مفهوم يقترحه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين طريقا للخروج من الفتنة التي تنخر المجتمعات الإسلامية حيث يقول “إننا مسلمون فرديون مفتونون وإننا في حاجة إلى تجديد يبصر المسلمين الفرديين بمنهاج العمل بعد أن يجدد لهم إيمانا” 1 .

فما هو التجديد؟ وما هي أقسامه؟ ومن يجدد؟ وكيف يجدد؟ وماذا يجدد؟

التجديد من “جد يجد، ومعناه القطع، جد الشجرة أي قطعها، وهناك الجد بمعنى الحظ والرزق، يقال: فلان ذو جد في كذا أي ذو حظ” 2 و”الجد قطع الأرض المستوية ومنه جد في سيره يجد وكذلك جد في أمره، وأجد صار ذا جد” 3 .

لقد كثر تداول هذا المصطلح بين مختلف الشرائح، فصار الكل يستعمله لترويج أفكاره سواء كان مفكرا أو حاكما، لكن الحقيقة أن التجديد مرتبط بالكتاب والسنة وهذا ما يؤكد عليه الأستاذ المرشد حين يقول “ليس التجديد تغيير الثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة (..) دعاة العصرنة يودون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيرناه إيديولوجية بلباس عصري، لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام” 4 .

نستنتج إذن أن التجديد اجتهاد لتكييف العصر مع الشرع ولجمع شتات العلم؛ ولهذا يستعمل الأستاذ عبد السلام ياسين لفظ “الفقه الجامع” أو “المنهاج” أو “الفقه المنهاجي”، ويميز بين الاجتهاد الشرعي والاجتهاد المنهاجي، فالاجتهاد الشرعي يتعلق بالحلال والحرام وهو “غني كل الغنى لو وجد مجالا للتطبيق، لكنك لا تخلق أمة بسلطان القانون وحده ولا تجدد إيمان الغافلين إن سردت عليهم ما فرضه الله وما حرمه، وسردت عليهم توحيدا” 5 . أما الاجتهاد المنهاجي فهو “طلب للجهاد ولأساليب الجهاد ومبادئه، لنفهم الكلمة بهذه المعاني الجذرية حتى لا يتقلص مفهوم الجهاد ويتحدد في دائرة جزئية (..) فاجتهاد الشرع اجتهاد يرتبط بالأمر والنهي والحلال والحرام والحقوق، وأما اجتهاد المنهاج فهو البحث عن المسلك الإيماني في ظرف متغير ومع أجيال لها خصائصها في عالم متطور” 6 . ويؤكد الأستاذ المرشد شمولية هذا المفهوم حين يقول “وفقه التجديد فقه شامل لا يعنى بالجزئيات العبادية والجهادية والاقتصادية والتربوية لتحقيق أحكامها معزولا بعضها عن بعض، لكنه يعنى بجميع هذه الأحكام كلها في نظرة شمولية ووضع كل منها موضعها في البنية الإسلامية السليمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعالميا” 7 ويؤكد أن “التجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية بواجب الجهاد واقتحام العقبة” 8 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (8): خصائص المنهاج

وللحديث عن أقسام التجديد نذكر أن المفهوم ورد في أحاديث كثيرة تفيد قسمان: تجديد الإيمان وتجديد الدين.

1- تجديد الإيمان:

روى الإمام أحمد وحسنه السيوطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم” وفي آخر “جددوا إيمانكم، قيل وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “هذا وصف دقيق لما يعتري الإيمان من ضعف والقلوب من تنكر لقيمه، ثم وصف لما يتجدد به الإيمان من علاج يتحدد في الذكر في قول لا إله إلا الله” 9 . فقد روى الحاكم على شرط الشيخين وصححه قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن. وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها، وأوامرها وزواجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالا يوتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدري ما آمره وما زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل (الرديء من الثمر)”. وهذا حديث يبين المرض ويوضح أن العجز عن الاستجابة للنداء القرآني سببه ضعف الإيمان، والأحاديث السابقة تبين ضرورة تجديده في القلب، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وهذا ما يركز عليه الأستاذ المرشد حين يقول “القلب مكمن الداء فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها” 10 .

2- تجديد الدين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” رواه أبو داود والبيهقي والحاكم رحمهم الله بسند صحيح.

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (7): المنهاج

يسمي الأستاذ عبد السلام ياسين هذا النوع من التجديد تجديدا مئويا ويميزه عن التجديد الأعظم، لأن التجديد المئوي تم على مر القرون في غياب نظرة شمولية، وهذا ما يتأكد من مجالات اجتهاد من اتفق العلماء على كونهم مجددي القرون الفائتة، فباستثناء القرن الأول حيث قارب عمر بن عبد العزيز رحمه الله المقصود، ظل اجتهاد كل مجدد قرن محصورا في إطار جانب محدد، وهذا ما يؤكده أيضا قول بعض الفقهاء من أن التجديد قد يقوم به جماعة كل في موقعه ومجال اهتمامه واختصاصه، فقد يكون مجدد في الفقه وآخر في الحديث وآخر في الأًول وهكذا 11 . أما التجديد الأعظم فهو الذي ينقل الأمة من فرقتها وضعفها وهوانها إلى الوحدة والخلافة والقوة، وقد استنبط الأستاذ عبد السلام ياسين هذا النوع من حديث الخلافة على منهاج النبوة:

روى حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. رواه الإمام أحمد في المسند.

أما عن علاقة تجديد الإيمان بتجديد الدين فيقول “لتجديد الإسلام والعمل الإسلامي لابد من تجديد الإيمان بالقول الثابت” 12 . فلا يمكن للأمة أن تخرج من شتاتها وفرقتها إن لم تتألف قلوب أفرادها؛ ولن تكون وحدة القلوب إلا على مادة الإيمان، ومن خلال أعلى شعبة: لا إله إلا الله، “قولها باللسان حتى تنفذ إلى القلب فيعمه نور اليقين، فإذا بدل الخنوع شعور بعزة الإيمان، وإذا بدل التعلل القاعد تحفز وتوثب يحدوه طلب الموت في سبيل الله ويعضده البذل في سبيل الله، حديث نفس أولا ثم رفض لكل قانون وكل حكم لا يتقيدان بلا إله إلا الله ثم عمل إيماني لاستبدال المنكر بالمعروف، والطاغوت بالحق، والظلم بالعدل والكفر بالإيمان” 13 .

طالع أيضا  سلسلة مفاهيم منهاجية(2): الفتنة

[1] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، م. س. ص. 472.\
[2] ابن منظور، “لسان العرب”، م. س. ص. 3/107.\
[3] الراغب الأصفهاني، “مفردات القرآن”، ص. 86.\
[4] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 31.\
[5] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 473.

(26) ن. م.\

[6] ن. م.\
[7] مجلة الجماعة، عدد 5، السنة 1، ص 51.\
[8] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 31.\
[9] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، م. س. ص. 4.\
[10] عبد السلام ياسين، “سلسلة الإحسان”، الرجال، ص. 17.\
[11] ذهب إلى هذا الرأي الإمام الذهبي كما نقل عنه ذلك المناوي في فيض القدير: انظر ج.2، ص.11.\
[12] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 210.\
[13] مجلة الجماعة، عدد 6، ص. 4.\