العلاقة التي تربط بين ثقافة الفنان وإبداعه علاقة متينة، فقد قيل قديما أن الفنان ابن بيئته، بمعنى أن ذات الفنان هي مرآة كاشفة تنبجس منها كل محددات هويته، وتتحول إلى رسالة جمالية إبداعية تنقل عمق شخصيته وجوهرها، وكلما كان الفنان صادقا في عمله، صافيا في إبداعه، كلما ظهر ذلك واضحا جليا.

فإذا كانت الثقافة هي الشفرة التي تتجمع عناصرها العرقية والمعرفية والروحية والسلوكية على مدار تاريخ الجماعة وتراثها الإبداعي وطابع حياتها، فإنه عن طريقها يمكن أن يتعرف الآخرون على الفرد/الفنان، كما يمكن أن يعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها. فالثقافة إذن تمثل الوجود القيمي والروحي والفكري للمبدع، وبالتالي فإن إبداعاته تعمل على ترسيخ هذه الثقافة وتعميق الانتماء إليها، باعتبار أن الإبداع هو شكل من الأشكال القوية التي تتجلى فيها المميزات الأساسية للثقافة. لذلك فخرق الهوية الثقافية لأمة ما هي ضربة موجعة في وجودها وماهيتها، ونسف لرسالتها ودفن لمستقبلها، خاصة إذا كانت عملية الخرق هذه تتم من خلال دمج مجموعة من الهويات الثقافية المتفرقة وتحويلها إلى هوية واحدة.

وإذا كانت الثقافة في عرف علماء الاجتماع الثقافي، بنية متحولة باستمرار ومتأثرة بالتجارب الجديدة التي تخوضها الشعوب في سيرورة تلبيتها لحاجياتها الظرفية وتقلباتها التاريخية، وإذا كانت المرحلة الراهنة تتسم بالدينامكية المتسارعة والتحولات العاصفة بسبب التأثير التكنولوجي والإلكتروني على المجتمعات، فإن شرط تأكيد وتثبيت المنطلقات المرتبطة بالإنسان وبجوهر كينونته وبناء الرؤى حول القضايا المتحولة في ثقافته، يصير فرض عين ملزم لأي فنان مبدع. ولأن المجتمعات الإسلامية، ومنها المجتمع المغربي، كيانات ثقافية قبل أن تكون كيانات سياسية، فإنها مدعوة، في إطار هذا الزخم الهائل من المتغيرات والتحولات، إلى إعادة صياغة أسسها الثقافية والتذكير بثوابتها ومقوماتها الحضارية في سياق التحولات الذاتية الطبيعية، وإلى إعادة النظر في أصالة جملة مسلمات وبديهيات تحكمت في اشتغال منظومتها الثقافية، وفي إنتاج قيمها الجديدة وآليات تداولها، بعيدا عن أي ضغط مادي أو معنوي يولد، عبر عملية قيسرية، شعبا بثقافة شوهاء تضيع معالمها وأسسها بين زوبعة التيارات المتناقضة.

فعندما نقول إن المجتمعات الإسلامية كيانات ثقافية، فإننا نبغي استحضار البعد الحضاري والرأسمال الرمزي في تشكيل هوية الأمة، خارج أي تنميط إيديولوجي تسييسي، وعليه إذا ما سلمنا بالضرورة “التطورية” أو “التغيرية” لثقافة الشعوب، فإن ذلك ينبع أولا من ثوابت تشكل منعة ضد مسخ الذات ثقافيا، ويتم ثانيا في تناغم مستمر مع حاجياتها التاريخية والمرحلية، ويحتاج ثالثا إلى امتداد زمني يقيم ويُسقِط، يتجدد ويثبت إلى أن يصل إلى معالم واضحة ومحددة. ولعل عملية إنجاح هذا التغيير الذي تفرضه الديناميكية المجتمعية تتركز بشكل كبير على حلقة التمرير والتلقي لإرث الشفرة بين الأجيال المتلاحقة، وإن أي تشويش أو عدم وضوح يطال عملية التمرير هذه يكون له أثر سلبي وبالغ على صفاء الثقافة وصلابتها، نظرا لما يولد هذا التشويش من حيرة وتفكك يهدد هذه الهوية. ويكون ذلك من العلامات الواضحة على أن الجماعة لم تنجح في أن تحافظ على تواصل أبنائها بها.

كما لا يمكن أن نستثني من هذا السياق ذلك الابتزاز الاجتماعي الذي تتحكم في صنعه لوبيات القرار السياسي أو الإيديولوجي أو الاقتصادي، لما له من تأثير على حرية الفنان المبدع، وتحكم بطريقة غير مباشرة في أداءه واختياراته، حيث يُدفع به للتنازل عن هويته لتحقيق حلم ما سواء كان شهرة أو ربحا ماديا، وهو ما يحدث الفرق الذي يتجلى في عمق الأشياء وحقيقتها التي يخرجها الفنان للوجود، بما هي حركة للروح واستثارة للوجدان وتكلما عن دخائل الإنسان.

هناك أيضا قلق المرجعيات الذي يعيشه جيل ما بعد الاستقلال، بعد أن حول الاستعمار ضرباته للثقافي بدل العسكري، فأصبح من الصعب التفكير خارج السياقات المطروحة أو “المفروضة” والتي تمثل الشكل المقبول الذي يحضا بالتشجيع والمكافأة في مختلف المنتديات الثقافية العالمية، وما دونها نشاز وغربة وتغريد خارج السرب، وهي وضعية اهتزاز ثقافي واجتماعي دائم ناتج عن صراع خفي يعيشه المبدع قبل غيره من أفراد المجتمع، صراع بين نداءات الداخل المكبوتة إلى حين، وبين متطلبات “الساحة الفنية العالمية”، وهو ما يولد استقرارا في ظل اللااستقرار.

ومجمل القول فيما سبق، أن الثقافة لا تمثل فقط وعاء للفنان ولإبداعاته، وليست مجرد خلفية فكرية ونفسية وروحية لهما، بل إنها تتأثر بالإشارات السيميائية لهذا الفنان ولمختلف نتاجاته التي من شأنها أن تحدث أثرا إيجابيا في اتجاه تقوية الثقافة الأصل وتجديد أشكالها ومضامينها، كما من شأنها أن تشكل خطرا على سمات الثقافة الأصلية وضربا لمقوماتها وأسسها وبالتالي مسخها فهدمها.