فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد الحرام فطاف حول الكعبة، وبعد أن انتهى من طوافه دعا عثمان بن طلحة -حامل مفتاح الكعبة- فأخذ منه المفتاح، وتم فتح الكعبة، فدخلها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام على باب الكعبة فقال: “لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده …”.

ثم جلس في المسجد فقام علي بن أبي طالب وقال: يا رسول الله، اجعل لنا الحجابة مع السقاية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أين عثمان بن طلحة؟” فجاءوا به، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برٍّ ووفاء” 1 . ونزل في هذا قول الله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وهكذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء المفتاح لعلي ليقوم بخدمة الحجيج وسقايتهم، وأعطاه عثمان بن طلحة امتثالا لأمر الله بردِّ الأمانات إلى أهلها.

ما هي الأمانة؟

الأمانة هي أداء الحقوق، والمحافظة عليها، فالمسلم يعطي كل ذي حق حقه؛ يؤدي حق الله في العبادة، ويحفظ جوارحه عن الحرام، ويرد الودائع … الخ.

وهي خلق جليل من أخلاق الإسلام، وأساس من أسسه، فهي فريضة عظيمة حملها الإنسان، بينما رفضت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها لعظمها وثقلها، يقول تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً.

وقد أمرنا الله بأداء الأمانات، فقال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمانة دليلا على إيمان المرء وحسن خلقه، فقال صلى الله عليه وسلم: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” 2

أنواع الأمانة

الأمانة أنواع كثيرة، منها:

الأمانة في العبادة: فمن الأمانة أن يلتزم المسلم بالتكاليف، فيؤدي فروض الدين كما ينبغي، ويحافظ على الصلاة والصيام وبر الوالدين، وغير ذلك من الفروض التي يجب علينا أن نؤديها بأمانة لله رب العالمين.

الأمانة في حفظ الجوارح: وعلى المسلم أن يعلم أن الجوارح والأعضاء كلها أمانات، يجب عليه أن يحافظ عليها، ولا يستعملها فيما يغضب الله -سبحانه-؛ فالعين أمانة يجب عليه أن يغضها عن الحرام، والأذن أمانة يجب عليه أن يجنِّبَها سماع الحرام، واليد أمانة، والرجل أمانة … وهكذا.

الأمانة في الدعوة: يقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. إن الدعوة إلى الله شرف عظيم وتكليف وأمانة جسيمة اختص الله بها الصادقين من عباده ليخلفوا رسول الله في التبليغ بإبانة وصدق وعزيمة واصطبار. وإذا كنا مقتنعين بأن الله اختارنا لهذا الأمر الجلل لنكون جنوده المخلصين، السامعين الطائعين، فإن الاستجابة لداعي إحياء أرواحنا وقلوبنا من كتاب ربنا وسنة نبينا واجب وأمانة: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم. وليس في دعوة الله ورسوله لنا إلا ما يحيي وينهض ويعلي ويسعد.

والاستجابة لأمر الله ورسوله واجبة لا خيار فيها ولا تردد، والإيمان حياة القلب وزينته، من لم يزود به انطفأت شعلته. والقلب يحيا بالطاعات وأعمال البر وكل ما يتضمنه الإيمان من شعب، وذلك عين ما يدعو إليه الله ورسوله. من فاز بالله فاز بكل شيء ومن لم يفز بالله خسر كل شيء، يقول الله تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.. والنفس أمانة.

الأمانة في الودائع: ومن الأمانة حفظ الودائع وأداؤها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي، مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين، فقد كانوا يتركون ودائعهم عنده ليحفظها لهم؛ فقد عُرِفَ صلى الله عليه وسلم بصدقه وأمانته بين أهل مكة، فكانوا يلقبونه قبل البعثة بالصادق الأمين، وحينما هاجر إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ليعطي المشركين الودائع والأمانات التي تركوها عنده.

الأمانة في العمل: ومن الأمانة أن يؤدي المرء عمله على خير وجه، فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة، والطالب يؤدي ما عليه من واجبات، ويجتهد في تحصيل علومه ودراسته، ويخفف عن والديه الأعباء، وهكذا يؤدي كل امرئٍ واجبه بجد واجتهاد.

الأمانة في الكلام: ومن الأمانة أن يلتزم المسلم بالكلمة الجادة، فيعرف قدر الكلمة وأهميتها؛ فالكلمة قد تُدخل صاحبها الجنة وتجعله من أهل التقوى، كما قال الله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وقد ينطق الإنسان بكلمة الكفر فيصير من أهل النار، وضرب الله – سبحانه – مثلا لهذه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فقال: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الكلمة وأثرها، فقال: “إن الرجل لَيتَكَلَّمُ بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغتْ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغتْ، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه” 3 . والمسلم يتخير الكلام الطيب ويتقرب به إلى الله – سبحانه –، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والكلمة الطيبة صدقة” 4 .

المسئولية أمانة: كل إنسان مسئول عن شيء يعتبر أمانة في عنقه، سواء أكان حاكمًا أم والدًا أم ابنًا، وسواء أكان رجلا أم امرأة فهو راعٍ ومسئول عن رعيته، قال صلى الله عليه وسلم: “ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” 5 .

الأمانة في حفظ الأسرار: فالمسلم يحفظ سر أخيه ولا يخونه ولا يفشي أسراره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة” 6 .

الأمانة في البيع: المسلم لا يغِشُّ أحدًا، ولا يغدر به ولا يخونه، وقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده في كومة الطعام، فوجده مبلولا، فقال له: “ما هذا يا صاحب الطعام؟”. فقال الرجل: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غَشَّ فليس مني” 7

فضل الأمانة

عندما يلتزم الناس بالأمانة يتحقق لهم الخير، ويعمهم الحب، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بحفظهم للأمانة، فقال تعالى: والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون. وفي الآخرة يفوز الأمناء برضا ربهم، وبجنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين.

الخيانـة

كل إنسان لا يؤدي ما يجب عليه من أمانة فهو خائن، والله -سبحانه– لا يحب الخائنين، قال تعالى: إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا.

وقد نهانا الله عز وجل عن الخيانة، فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون. وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأداء الأمانة مع جميع الناس، وألا نخون من خاننا، فقال صلى الله عليه وسلم: “أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك” 8 .

جزاء الخيانة

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن خائن الأمانة سوف يعذب بسببها في النار، وسوف تكون عليه خزيا وندامة يوم القيامة، وسوف يأتي خائن الأمانة يوم القيامة مذلولا عليه الخزي والندامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة” 9 .. ويا لها من فضيحة وسط الخلائق!! تجعل المسلم يحرص دائمًا على الأمانة، فلا يغدر بأحد، ولا يخون أحدًا، ولا يغش أحدًا، ولا يفرط في حق الله عليه.

الأمانة علامة من علامات الإيمان، والخيانة إحدى علامات النفاق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان” 10 . فلا يضيع الأمانة ولا يخون إلا كل منافق، أما المسلم فهو بعيد عن ذلك.


[1] سيرة ابن هشام.\
[2] أحمد.\
[3] مالك.\
[4] مسلم.\
[5] متفق عليه.\
[6] أبو داود والترمذي.\
[7] مسلم.\
[8] أبو داود والترمذي وأحمد.\
[9] متفق عليه\
[10] متفق عليه.\