هوى النفس

قال ابن عطاء الله السَّكَنْدَرِي رحمه الله في حِكَمِهِ: أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَغَفْلَةٍ وَشَهْوةٍ؛ الرِّضا عَنِ النَّفْسِ. وَأَصْلُ كُلِّ طاعَةٍ وَيَقَظَةٍ وَعِفَّةٍ؛ عَدَمُ الرِّضا مِنْكَ عَنْها. وَلَئِنْ تَصْحَبَ جاهِلاً لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ عالِماً يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ. فأَيُّ عِلْمٍ لِعالِمٍ يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ! وَأَيُّ جَهْلٍ لِجاهِلٍ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ!

فمن رضي عن نفسه استحسن حالها وسكن إليها، ومن استحسن حال نفسه وسكن إليها استولت عليه الغفلة. وبالغفلة ينصرف قلبه عن التفقد والمراعاة لخواطره فتثور حينئذ دواعي الشهوة على العبد. وليس عنده من المراقبة والملاحظة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها. فتصير الشهوة غالبة له بسبب ذلك ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي. وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه.

ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها. ومن كان بهذا الوصف كان متيقظًا متنبهًا للطوارئ، وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها. وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها غلبة ولا قوة فيضعف العبد حينئذ بصفة العفة. فإذا صار عفيفًا كان مجتنبًا لكل ما نهاه الله عز وجل عنه، محافظًا على جميع ما أمره به، وهذا هو معنى الطاعة لله عز وجل وأصل هذا كله عدم الرضا عن نفسه.

فإذا يجب على الإنسان أن يعرف نفسه ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها. وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلوا مقامه. وكان العلماء المخلصون يذمون نفوسهم ويتهمونها ولا يرضون عنها.

قال بعض العارفين رحمه الله: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها ولم يَجُرَّهَا إلى مكروهها فهو مغرور، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها. وكيف يرضى عنها عاقل وهي الأمارة بالسوء.

طالع أيضا  شفير القيامة (2)عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

وقال آخر: إن من الناس ناسٌ لو مات نصفُ أَحَدِهِمْ ما انْزَجَرَ النصفُ الآخرُ ولا أَحْسَبُنِي إلا منهم.

والأصل أن يعلم العبد أن أعدى عدو له نفسه التي بين جنبيه، وقد خلقت أمارة بالسوء أمارة بالشر فَرَّارَةً من الخير. والإنسان مأمور بتزكيتها وتقويمها وَقَوْدِهَا بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن لذاتها وشهواتها المهلكة. فإن أهملها شَرَدَتْ وجمحت ولم يظفر بها بعد ذلك، وإن لازمها بالتوبيخ والتقريع والمعاتبة والعذل والملامة ولم يغفل عن تذكيرها وعتابها اعتدلت بإذن الله عز وجل.والنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَـاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
ورَاعِـهَا وَهي في الأعْمَالِ سَائمة *** وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَـتْ لَذَّةً لِلْمَـرْءِ قَــاتِلَةً *** مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّم في الدَّسَمِ
فالعاقل اللبيب من يوبخ نفسه ويعاتبها ويوضح لها عيوبها كلها ويقرر عندها جهلَها وحماقتَها فإنها إذا أراد الله عز وجل تُعذرُ وتَرْعَوِي وتَرجعُ. فيقول لها ما أعظم جهلك. تدعين الحكمة والفطنة وأنت من أجهل الناس وأحمقهم. وأكبر برهان على ذلك إهمالك واستهانتك. أما تعرفين ما بين يديك من الأهوال والعظائم والمزعجات والمخاوف. أما تقرئين وتسمعين قول أصدق القائلين وأوفى الواعدين وأقدر القادرين إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً. وقوله عز وجل: وَجِِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. وقوله تعالى: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً. وقوله تعالى: مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ. وقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى. وقوله تعالى: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِِمَالَتٌ صُفْرٌ.

فمن أهمل معاتبة نفسه وتوبيخها وأهمل مناجاتها لم يكن لنفسه مراعيًا، فنسأل الله العظيم الحي القيوم معرفة حقيقة بأحوال أنفسنا وغرورها.

طالع أيضا  شفير القيامة (6).. عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

والعاقل من بذل وسعه في التفكر التام وعلم أن دار الدنيا رحلة فجمع للسفر رحله. فمبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم الحشر ثم إلى دار الإقامة الأبدية. فدار الإقامة للمؤمن هي دار السلام من جميع الآفات وهي دار الخلود، والعدو سَبَانَا منها إلى دار الدنيا. فالواجب علينا الاجتهاد في فكاك أسرنا ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى. وفي مثل هذا قيل:فحَيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها *** مَنَازلُكَ الأُولَى وفيها المُـخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَل تُرَى *** نُـرَدُّ إِلى أَوْطَــانِنَا وَنُسَلَّمُ
آخر:تَرَكْتُ هَوَى لَيْلَى وَسُعْدَى بِمَعْزِلِ *** وعُدْتُ إلى تَصْحِيحِ أَوَّلِ مَنْزِلِ
وَنَـادَتْ بي الأشْـوَاقُ مَهْلاً فَهَذِهِ *** مَنَازِلُ مَنْ تهوى رُوَيْدَكِ فَانْزلِ

توفيق وخذلان

قيل أن من علامات التوفيق دخول أعمال البر عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع السعي إليها، وفتح باب الالتجاء والافتقار إلى الله عز وجل في كل الأحوال، وإتباعُ السيئةِ الحسنةَ، وعظم الذنب في قلبك وإن كان من صغائر الذنوب، والإكثار من ذكر الله وشكره وحمده والاستغفار.

ومن علامات الخذلان تعسر الطاعات عليك مع السعي فيها، ودخول المعاصي عليك مع هربك منها، وغلق باب الالتجاء إلى الله عز وجل وترك التضرع له وترك الدعاء، وإتباع الحسنة بالسيئات، واحتقارك لذنوبك وعدم الاهتمام بها وإهمال التوبة منها والاستغفار ونسيانك لربك.

فذم الإنسان نفسه واحتقاره لها لما يتحققه من عيوبها وآفاتها مطلوب منه لأنه يؤديه إلى التفتيش عليها ومحاسبتها بدقة ويؤديه أيضًا إلى الحذر من غرورها وشرورها، فتصلح بسبب ذلك أعماله وتصدق أحواله وتستقيم بإذن الله عز وجل أموره وإلا فسدت عليه واعتلت لدخول الآفات عليها ولا يصدنه عن ذلك مدح المادحين وثناء المتملقين؛ لأنه يعلم من عيوب نفسه ما لا يعلمه غيره.

طالع أيضا  شفير القيامة (5).. عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

رأى رجل رجلاً من الحكماء يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء. فقال له: لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا. فرد الحكيم: وأنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان. عَجِبْتُ لأَهْلِ العِلم كَيْفَ تَغَافَلُوا *** يَجُرُّونَ ثَوْبَ الْحِرْصِ حَوْلَ الْممالِكِ
يَدُورُونَ حَـوْلَ الظَّالِمِينَ كَأَنَّهُم *** يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ