نتطرق في هذه الحلقة لمفهوم الفتنة وأقسامها ومتطلبات تبني هذا المفهوم في الحكم على المجتمع.

“الفتنة لغة ج. فتن، ومعناها الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتمييز الرديء من الجيد. ويسمى الصائغ الفتان، والفتنة المحنة والفتنة الاختبار، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر..” 1 ، وفي الاصطلاح ورد معناها في حديث رواه بن أبي شيبة رحمه الله يقول فيه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه “لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، وإنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق بالباطل”. وهذا ما يؤكده الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حين يقول “ويسمي الإسلام بلسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أمر الأمة إذا اختلط حتى ينطوي الحق ويمتد الباطل ويحل العنف والقوة والتطاحن على العصبيات محل التعاون بين المسلمين والمحبة، يسمي الإسلام هذا فتنة، وهو مفهوم يعم مدلولات الأزمة والتخلف وعدم الاستقرار والفوضى والإلحاد” 2 .

ومن خلال استقراء لنصوص القرآن والسنة نستنتج أن الفتنة قسمان: فتنة عينية تعم الأفراد وفتنة عامة تعم المجتمع. أما الفتنة العينية فوردت في القرآن ستين مرة، ولذلك فهي ” من المفاهيم الأساسية في الدين (..) فإن الله عز وجل خلق الموت والحياة والدنيا وعبور الإنسان رخاءها وشدتها ليختبر ويبلو الناس أيهم يومن أو يكفر، أيهم يحسن عملا وأيهم يسيء (..) الفتنة الابتلائية تتمثل في ابتلاء بعض الناس ببعض، وفي تمتيع الله عز وجل بعض الناس بزينة الحياة الدنيا، وفي قبضه سبحانه البعض وامتحانهم بالشدة” 3 . وعن أصول هذه الفتنة يقول الأستاذ المرشد “يفتتن الإنسان من داخله بنفسه ونوازعها، والشيطان ونزغاته، يلتئم الصوتان ويتمازجان. ويفتتن الإنسان من خارجه، يفتنه الإنسان من بني جلدته، ويفتنه السلطان (..) وتفتنه الطبيعة (..) المجموع يوازن الفتنة بمفهومها القرآني” 4 وعن فتنة الشيطان يقول الله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، وعن فتنة الإنسان قال تعالى وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون، وعن فتنة السلطان قال عز من قائل فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإهم أن يفتنهم، وعن فتنة الطبيعة آيات كثيرة كلها عن فتنة الدنيا والمال..

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (9): الانكسار التاريخي -1-

أما عن الفتنة العامة فيقول الأستاذ المرشد “الفتنة الابتلائية شطر فقط من دلالة الكلمة. تكتمل دلالتها إن أضفنا إلى المفهوم القرآني الابتلائي المفهوم السني. فإننا نجد في دواوين الأحاديث المصنفة “كتاب الفتن” أو “كتاب الملاحم” بصيغة الجمع. في هذه الكتب إخبارات نبوية لما يقع للأمة بعده صلى الله عليه وسلم من محن تاريخية، من ثورات وقتال وسفك دماء وفساد حكام وخروج كذابين إلى ظهور الدجال فنزول عيسى عليه السلام 5 أما عن أصول هذه الفتنة، فيمكن حصرها في فساد الدولة والدعوة، فساد الدولة حين فقدت صفتها الشورية بعد الانكسار التاريخي، وفساد الدعوة بسكوت العديد من العلماء عن قول كلمة الحق، وتبرير فظائع الحكام وفضائحهم.

إن فائدة التمييز بين الفتنة والجاهلية تنعكس بالأساس على أسلوب العمل داخل المجتمع والعلاقة مع الناس ووسائل العمل والخطاب والبرنامج، ولذلك فمن صنف المجتمعات في خانة الجاهلية اعتمد أساليب العنف والإكراه والتشدد بينما من اعتمد وصف المجتمع بالفتنة اعتمد أسلوب الصبر والتحمل والرفق والأناة. وهذا ما يوضحه أكثر الأستاذ المرشد في كتاباته. فعن الصبر والتحمل يقول “من يحاول تغيير المجتمعات المفتونة لا بد له أن يتقدم إلى الميدان وله من القدرة على مواجهة الواقع المكروه، ومن قوة ضبط النفس، وقوة الصبر والتحمل، وقوة الصمود والثبات على خط الجهاد مهما كانت القوة المعادية متألبة” 6 ، ولهذا يجعل التؤدة من الخصال العشر الواجب التحلي بها، وهي لفظة نبوية شاملة تعني “الرزانة، والتريث، وما في معناهما من أخلاق الحلم والصبر، والتحمل، والأناة، وضبط النفس، وأهلية تحمل المسؤوليات، والاستمرار في الجهاد” 7 .

وعن الرفق والرحمة بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ولهذا أوصانا صلى الله عليه وسلم بالرفق في الأمر كله “إن الله يحب الرفق في الأمر كله” هذه رواية البخاري، وعند مسلم “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه” وفي رواية ثالثة “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”وهذا ما يؤكده الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حين يقول “في الأمة خرافات وبدع وأمراض وشرك لابد من تطهيرها. وجند الله حين يتألف، وحين يزحف، وحين يتولى الحكم، مسؤول أن يعطي المثال، ويفرض النموذج السلوكي، ويربي عليه، والتطهير والتربية عمليتان تطلبان الوقت، وتطلبان الرفق. إن كنا نظن أن تفصيل الأمة بسيف قاطع يميز في الحين الأجزاء الصالحة والفاسدة بعضها عن بعض هو العلاج، فما نحن هنا” 8 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (10): الانكسار التاريخي -2-

نستنتج الآن سبب رفض العنف والاغتيال أسلوبا للعمل، ولعله اتضح أن اللجوء إليه لا يكون إلا في حالة الدفاع عن النفس بعد طول اضطهاد، وآنذاك نتحدث عن القوة وهي شيء آخر غير العنف “لا يعني هذا أن نستكين إذا هوجمنا، بل ندفع عن أنفسنا ونفرض هيبتنا في الساحة” 9 .


[1] “لسان العرب”، م. س. ص 13/317 وكذلك “مفردات ألفاظ القرآن”، م. س. ص. 385.\
[2] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 3.\
[3] عبد السلام ياسين، “تنوير المومنات”، ص. 1/148-149.\
[4] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص. 66.\
[5] عبد السلام ياسين، “تنوير المومنات” ص. 1/149-178.\
[6] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي” ص. 288.\
[7] ن. م.\
[8] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي” م. س. ص. 262.\
[9] ن. م. ص. 309.\