1) الجاهلية

نخصص إن شاء الله تعالى هذه السلسلة لبسط المفاهيم الرئيسية للمنهاج النبوي الذي وضعه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين. ولا يخفى على أحد أهمية هذا الأمر في تحقيق التواصل والتفاهم وحسن الاستيعاب ومن تم حسن استعمال الأدوات وآليات التحليل المنهاجية لدراسة التاريخ وفهم الواقع واستشراف المستقبل، ولذلك قال الأستاذ المرشد “وأرى أنا العبد العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء أزداد عنه عجزا إن لم أقدم المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي الحامل لمضمون ما أريد تبليغه بحول الله” 1 .

ونبتدئ بالمفهوم الأساس، أي منطلق التفكير المنهاجي، وهو طبيعة النظرة إلى المجتمع، والحكم عليه وعلى مكوناته؛ لأن الواقع هو الأرضية التي ينطلق منها العمل، وأي خطإ في التعامل معه أو خلل في تصوره يؤدي إلى وجهة غير الوجهة المرسومة. ولذلك لا بد من دراسة الواقع دراسة عميقة لاستنباط آليات التعامل معه، وهذا ما يوضح سبب تخصيص الأستاذ المرشد، حفظه الله، مساحات كبيرة من كتاباته لوصف الواقع، والتأصيل له، وتحديد أساليب العمل الملائمة له.

يرفض الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين وصف المجتمع بالجاهلية، كما يعتبر أن وصفه بالمجتمع المتخلف قصور، ويستعمل، في المقابل، مصطلحا نبويا أوسع دلالة وأشمل مضمونا حيث يقول “ونحن نفضل استعمال كلمة فتنة لوصف مجتمعاتنا، فهي كلمة نبوية” 2 وهي تشمل كذلك معاني التخلف لأن “الأفق واسع والمشروع الإسلامي التي تعمر نيته وإرادته والرغبة في المساهمة فيه قلوب مئات الملايين من المسلمين الرازحين في أغلال الجهل والمرض والفقر، في بلايا مباشرة وغير مباشرة وجهها المادي يسمى بلغة العصر تخلفا اقتصاديا وفوضى اجتماعية وتبعية سياسية، ووجهها المعنوي يسمى بلغة الكتاب والسنة فتنة” 3 .

فلماذا يرفض الأستاذ عبد السلام ياسين الجاهلية؟ وما معنى الفتنة؟ وما خصائصها؟

الجاهلية من “جهل، والجهل ضد العلم (..) والجاهلية: الحالة التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر..” 4 وفي هذا يقول الأستاذ ياسين: “وردت كلمة الجاهلية في القرآن الكريم مقترنة بالحمية والعصبية (..) الجاهلية بعد هذا تحمل معنيين آخرين: الجهل ضد المعرفة، فهي لا تعرف الله تعالى، والجهل ضد الحلم، وهو العنف” 5 . ولذلك فللمفهوم أبعاد متعددة يجملها الأستاذ المرشد في أربعة هي ظن الجاهلية وحكم الجاهلية وتبرج الجاهلية وحمية الجاهلية، وهذه المعاني وردت كلها في القرآن الكريم على التوالي في سورة آل عمران الآية 154 حيث قال الله عز وجل ثُمَّ أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.

وفي سورة المائدة الآية 50 حيث قال الله تعالى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

وفي سورة الأحزاب الآية 33 حيث قال عز من قائل وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

ووردت أخيرا في سورة الفتح الآية 26 حيث قال الله عز وجل إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.

لكن ماذا عن أسباب الرفض؟

يعتبر الأستاذ أبو الأعلى المودودي أول من وظف هذا المفهوم لوصف المجتمعات الإسلامية في كتابه “المصطلحات الأربعة الأساسية في القرآن” و”الإسلام والجاهلية” حيث ربط بين جاهلية الغرب وقبائل الوثنية وبين حالة المجتمع الإسلامي مركزا على تغييب الحكام لمبدإ الحاكمية لله – وهي كما سبق من معاني الجاهلية – وفي هذا الصدد يقول “لا يمكن لإنسان (..) أن يتصور كون أحد من المجتمعات في الدنيا إسلاميا على الرغم من اختياره منهاجا غير منهاج الإسلام لحياته (..) فليس ثمة سبب لنطلق عليه كلمة المجتمع الإسلام أبدا” 6 . ولكن رغم سبق المودودي في استعمال المفهوم فإن الذي اشتهر بتوظيفه أكثر هو الشهيد سيد قطب – وقد يرجع هذا للصيت الذي لاقته كتاباته بعد إعدامه، وكذا للقبول الذي لقيته دعوة الإخوان المسلمين مقارنة مع الجماعة الإسلامية بباكستان – وخلاصة الفكرة عند سيد قطب أن المجتمع يعيش جاهلية ثانية مثل، أو أكثر من جاهلية ما قبل الإسلام، وأهم مظاهرها الاعتداء على أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية؛ ثم يؤكد أن تجليات الجاهلية شاملة على مستوى العقائد والشرائع والعادات والثقافة والفنون، ولهذا فالعالم بحاجة إلى بعث إسلامي، يوجزه في ضرورة اعتزال الجاهلية والاستعلاء عليها بالإيمان وتكوين جماعة كالجماعة الأولى والعودة إلى النبع الأصيل الذي استقى منه الصحابة الكرام حتى كونوا ذلك الجيل القرآني الفريد 7 . فماذا يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا التحليل؟

في أواخر الستينات، وفكر سيد قطب في أوجه، كتب الأستاذ المرشد ينتقد هذا التفسير مبرزا أن الأفراد لا زالوا مسلمين، لكن هذا الطرح لقي انتقادا واسعا في مصر يصفه في أحد كتاباته: “كتبت منذ بضعة أشهر تأملات حول فكر سيد قطب رحمه الله فاستحقت كلماتي تعليقا من صحيفة إسلامية عزيزة علينا وكان تعليقها في أسطر صغيرة قليلة مؤداها أن صاحب الكتاب جاء بفكر مغربي ينقد فكرا شرقيا ويفعل ذلك بصوفية متطرفة” 8 . ويمكن من خلال استقراء كتابات الأستاذ المرشد أن نستنتج أوجه الاختلاف بين المفهومين ونحصرها في:

1- “أن لغة سيد قطب لغة الغضب، وهو غضب محمود لأنه غضب لله ولدين الله، وإذا كنا ندعو للتؤدة النبوية الصادمة الصابرة على العمل والمثابرة عليه، فإن الغضب لله لابد أن يكون عنصرا من عناصرها” 9 لكن الاختلاف مع سيد قطب يكون في النتيجة “إذا كانت الغضبة تؤدي إلى الرجاء والمحبة ومن تم إلى الصبر والمثابرة في الطلب فهي غضبة إيجابية لأن الجهاد الحكيم يكتمها في رحمة الدعوة وتؤدة النبوة. وإذا كانت الغضبة لا تصيب تؤدة وطول نفس فإنها إنما تخطط للثورة والفورة العنيفة، وعندئذ يغيب مفهوم الفتنة وما أوصانا به النبي صلى الله عليه وسلم من التؤدة والحكمة فيها، ويعمم مفهوم الجاهلية فيشمل العالم جميعا” 10 .

2- يرفض الأستاذ عبد السلام ياسين تصنيف سيد قطب الناس بهذه البساطة، كما يرفض وصفهم بالجاهلية، ويؤكد أن الأمة لا تزال مسلمة ولكنها مريضة، ومرضها يسمى فتنة لأن “الأمة لا تزال مسلمة، وفتنها عن إسلامها تدهور تاريخي تكشفت أثناءه مبادئ العمل الإسلامي وأساليبه وانغمَّت الآفاق الفكرية والروحية تحت قيادات عاضة” 11 .

ويؤاخذ على سيد قطب ارتكازه على خاصية واحدة من خصائص الجاهلية لتعميم الحكم على المجتمع كله، ويعتبر ذلك منافيا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بين أن بعض رسوبات الجاهلية ستبقى لصيقة بالأمة، فقد روى مسلم رحمه الله عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه “أربع في أمتي من الجاهلية لا يتركوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة”، ولكن رغم ذلك لم يصف صلى الله عليه وسلم أمته بالجاهلية، والكل يعلم قصة أبي ذر رضي الله عنه حينما سب صحابيا بأمه، فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية. وفرق كبير بين “فيك جاهلية” و”جاهلي”!!!

تحصل لنا مما سبق أن المجتمع مفتون، فما هي الفتنة؟ ما هي أقسامها؟ ما هي نتائج وصف المجتمع بالمفتون؟ نتناول هذا في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.


[1] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، ص 15.\
[2] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 260.\
[3] مجلة الجماعة، عدد 1، 1979، مقال للأستاذ عبد السلام ياسين “عنوان لعملنا”، ص 36.\
[4] ابن منظور، “لسان العرب”، طبعة دار صادر – بيروت، 11/130 وكذلك الراغب الأصفهاني “معجم مفردات ألفاظ القرآن”، طبعة دار الفكر، ص. 100.\
[5] عبد السلام ياسين، “الإسلام والقومية العلمانية”، ص 153.\
[6] أبو الأعلى المودودي، “القانون الإسلامي وطرق تنفيذه، بيروت، 1957، ص 153.\
[7] سيد قطب، معالم في الطريق” –بتصرف- ط. 6، 1979، دار الشروق – القاهرة.\
[8] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 458.\
[9] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 461-462.\
[10] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 461-462.\
[11] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص. 471.\