تأطير

احتفالا بذكرى مولد النبي العدنان المبعوث رحمة للعباد صلوات ربي وسلامه عليه نقف على ملامح منهجه التعليمي في محاولة لاستجلاء العلاقة بين المعلم والمتعلم وتشخيص بعض جوانب أزمة التعليم التي سارت بذكرها تقارير الأممية، انطلاقا من حديث الترمذي.

حديث الانطلاق

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه: “مَنْ يأخُذْ عَنِّي هؤلاء الكلمات فيعمل بِهِنَّ، أو يُعَلِّمَ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟” قال أبو هريرة، فقلتُ: أنا يا رسولَ الله، فأخذ بيدي وَعَدَّ خَمْسا، فقال: “اتَّقِ المحارِمَ تَكُنْ أَعبد الناسِ. وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأَحْسِنْ إِلى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنا، وأَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مُسْلِما ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تُميت القلب” 1 .

التعليم وظيفة نبوية

التربية والتعليم من وظائف النبوة مصداقا لقوله تعالى في سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. تلاوة القرآن تبليغ مادي أداته الإقناع وعربونه صدق المبلغ، وتزكية للنفوس وتطهيرها من الرذائل. وتعليم علمي معرفي تطبيقي. واكتساب الكيفيات العملية التطبيقية وتلك هي الحكمة. مجموع هذه الوظائف يؤول إلى صفة واحدة، هي صفة المربي المعلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين سألوه يوما عن الطهارة من الخبث: “إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم” 2 وفي الحديث: “بالتعليم أرسلت”.

من أسس التعليم النبوي

1. استعداد المتعلم: بدهي أن الحافز أو القابلية للتعلم شرط وجوب في نجاح العملية التعلمية، فلا فائدة من ضرب الحديد البارد كما يقال. ووجود الاستعداد أو غيابه تُسأََلُ عنه المنظومةُ التربويةُ السائدةُ في المجتمع، فشتان بين منظومة تُكْبـرُ العلم والعلماء وتجعل طلبه والإنفاق على طلابه قربة من القربات التي بها ينال رضا الله تعالى وبين منظومة تسخر من رجال التعليم وتهشم عظام حملة الشهادات العليا ممن أفنوا زهرة أعمارهم في طلب العلم.

2. ارتباط التعلم بالعمل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم بلا عمل، لذا اشترط العمل أو تعليم من يعمل: “مَنْ يأخُذْ عَنِّي هؤلاء الكلمات فيعمل بِهِنَّ، أو يُعَلِّمَ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ”. وما زال ارتباط التعليم والتكوين عموما بسوق العمل وحاجيات التنمية شعارا أجوف، والآلاف المؤلفة تتخرج من المدارس والمعاهد -أو قل تلفظها- شبه مشلولة خاوية الوفاض من المهارات والمؤهلات الإنجازية. “فارتباط التعليم بالعملية الاقتصادية ضروري ليتحول التعليم من تلقين نظري إلى تدريب عملي. محيط منتج يشجع تعليما منتجا. ولا تعليم ينتج بغير التدريب العملي التطبيقي الذي يجد سوقا في محيطه. لو تأملنا وقارنا بين المنظومات التعليمية عندنا وعند الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا لوجدنا أننا ننظر إلى سماوات التمني بينما ينظرون هم إلى أرض الواقع بعيون تبحث عن الجدوى حين تتطلع عيوننا إلى الخيال، فينجحون ونفشل” 3 . وما أعظم الالتفاتة النبوية وهو يقبل يداً خشنة من قسوة العمل وهو يقول صلى الله عليه وسلم: “يد يحبها الله ورسوله”.

3. أخذ بيدي: التفاتة رحيمة حانية تنبه إلى ضرورة الروابط القلبية الوجدانية بين المعلم والمتعلم عوض الجفاء والنفور الذي يسود بين المعلمين والمتعلمين، فلا تقدير من طرف المعلم، ولا وقار من طرف المتعلم لتتبخر الجهود وتهدر الأعمار والأموال،” طفل من يمسك بيده ويستلمه برفق وحب ومسؤولية أخلاقية إن كان المعلم مجرد موظف أجير؟” 4 . ذلك أن “من بين ثغرات المدارس التي عممها الاستقلال الوطني، والبرامج التي طورها، والمعلمين الذين كونهم تتمثل الثغرة الأفدح في جدار المنظومة في قلة كفاءة المعلم، وانعدام الباعث القوي لدى المعلم…وإن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث والكرامة والرخاء في المجتمع فالعملية كلها تتفسخ…فمن لا مثالية له لا باعث له. وللتشرب الوجداني من القدوة المربية التأثير الأعمق. ويأتي التعليم مباشرة بعد ذلك.” 5 المطلوب: “والد معلم. مرب معلم. الوظيفتان مندمجتان معا غير منفصلتين. حنو الوالد وحرصه على النفع ووفاؤه وأمانته وتفانيه.” 6

4. عد خمسا: عـد أو عقد خمسا في إشارة إلى ضرورة وضوح أهداف العملية التعلمية، توجه لها الجهود والاهتمام، وتكون قابلة للقياس تسهيلا للمتابعة والتقويم. أهداف واضحة الأثر والجدوى في المتعلم ومحدودة في الزمان ربحا للوقت والجهد. ورغم كثافة مكونات البرامج التعليمية في سائر الأسلاك التعليمية المغربية لخص تقرير المجلس الأعلى للتعليم فشل المنظومة التعليمية في ضعف اكتساب المتعلم المغربي مهارات الكتابة والقراءة والحساب. وهي أساسيات التعليم.

مواصفات المعلم المنشود

ركزنا على النهج التربوي النبوي دون المضمون، ونستأنس تحديدا لمواصفات المعلم ورجل التربية بهذه العبارات المشرقة لأحد رجالات التربية ممن قعدوا للتربية والتعليم بالمغرب غداة الاستقلال، إنه الأستاذ عبد السلام ياسين: “إذا كان المعلم واسطة الخير بين جيل وجيل، وكان حامل الكلمة ومفشي الرسالة من جيل لجيل، فينبغي أن يكون من الخيار، ومن خيار الخيار ومن خير الناس… المطلوب معلم منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة.” 7


[1] أخرجه الترمذي.\
[2] محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 29 و30.\
[3] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين (فصل: تعليم يحررنا). \
[4] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين (فصل: تعليم يحررنا). \
[5] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين (فصل: تعليم يحررنا).\
[6] “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 29 و30.\
[7] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين (فصل: تعليم يحررنا).\