عرضت القناة الثانية المغربية “2M” مساء الخميس 12 فبراير 2009 حلقة من برنـامج “الوجه الآخر” خصصتها لمستشفى الأمراض العقلية والنفسية بمدينة برشيد، عرت ظروف النزلاء ومستوى المرافق وأجواء العمل والتعامل مع شريحة خاصة من الشعب تعتبر الأحوج للرعاية.

لقد كشف البرنامج حقيقة قيمة الإنسان لدى القائمين على شؤون العباد والبلاد، رغم أن ظروف تسجيل الحلقة ليست طبيعية ولم تكن مفاجئة كما يجب نقلا للحقيقة، بل تمت بعد الإخبار والإعداد وتهيئ مرافق المشفى تنظيفا وطلاءًَ وترتيبا “للأثاث”، لكن عطب انقطاع التيار الكهربائي – أثناء تسجيل البرنامج – كان دليلا قاطعا على الإهمال، والأصل أن يتوفر محول كهربائي يشتغل بطريقة تلقائية في مثل هذه الحالة. ومع ذلك جاء البرنامج صادما نزل كالصاعقة على المواطنين، وبشكل خاص على ذوي نزلاء المشفى.

لقد تعددت مظاهر الخلل وتنوعت مجالات الخصاص في مشفى، نزلاؤه يحتاجون متطلبات استثنائية، فالبنية التحتية والمرافق متهالكة تعود لفترة الاستعمار، ومستوى الخدمات منحط بشكل يندى له الجبين: أطعمة تخشى فئات من كبار مسؤولينا منها على كلابهم وقططهم، ومواد تنظيف المراحيض بما تحتويه من مواد كيماوية تصب على أبدان نال منها المرض وسوء التغذية والمعاملة، واكتظاظ مخل بالآداب تكاد من شدته أن تلتصق الأجسام. أما العاملون فكان الله في عونهم، والفرق بينهم وبين النزلاء أنهم يعيشون من العمل في المشفى، والنزلاء يعيشون فيه. مشفى عنوانه إهانة الإنسان، يفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية ومنها صون عرضه ولو بسور يحفظ للنزلاء كرامتهم.

ورغم كل شيء يتشبث النزلاء -المرضى العقلاء- بحقهم في الحياة والأمل في معانقة الحرية، فالحياة حلوة، لا يمل أحد النزلاء من التغني بها مرددا أغنية “الحياة حلوة”، وبناء أسرة بعد الزواج حلم يراود نزيلا آخر بعد تماثله للشفاء، ولقضايا الأمة وقضية فلسطين عموما ونصرة أهالينا في غزة ومساندتهم ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم مساحة في نفوس وتفكير النزلاء، حيث كان الاجتياح الإسرائيلي عاملا مباشرا لتدهور حالة نزيل على يقين تام أن الأرض ستتحرر، وأن دولة فلسطين وعاصمتها القدس ستقوم على أرض فلسطين بعد إجلاء الصهاينة. آمال مشروعة قد يئدها المسؤولون لدى هؤلاء النزلاء كما وأدوها لدى فئات عريضة من الشباب فاسودت في عيونهم الدنيا، وركبوا قوارب الموت حالمين بأمل في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، أو زج بهم في مهاوي المخدرات فغدوا أرقاما في المشافي العقلية.

لقد أوضح البرنامج بما لا يدع مجالا للشك أن آخر ما يمكن أن يفكر فيه المسؤولون هو كرامة الإنسان وحرمته من حيث هو إنسان، ويزداد الأمر ملحاحية عندما يكون الإنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ فلا يعقل أن يُضْرَبَ هؤلاء الضحايا بعصوين: عصا مرض ينفر منه الناس، وقد يبلغ النفور درجةً يتنكر الأهل معها لمريضهم، فيقطعون به الصلة بعيد تسليمه لإدارة المستشفى، وعصا ظروف إقامة أقل ما يقال عنها أنها لا إنسانية؛ فمرضى من هذا النوع ينزع منهم الحق في مجرد الاحتجاج أو المطالبة بتحسين ظروف إقامتهم أو التعامل معهم، لأنهم مهما أصابوا لا يصدقون.

تتعدد معاناة المواطن المغربي وتتشابه سواء كان نزيلا مشفى ببرشيد أو محاصرا بالفيضانات في دواوير الغرب أو مطوقا بالثلوج في أعالي جبال إقليم أزيلال أو…، تنوعت المعانات والداء واحد: استهتار بالمسؤولية وإخلال بحقوق المواطن في الحياة الكريمة. ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه حينما قال: “والله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يعاقبني الله على عدم تمهيد الطريق لها”.