جاؤوا بعد أن ضاقت بهم الأرض بما رحبت، رجالا ونساء وأطفالا محتجين “على عامل ووالي جهة تادلا- أزيلال على تجاهل مطالبهم المستعجلة”. ليدخلوا مباشرة في اعتصام مفتوح أمام مقر الولاية بمدينة بني ملال.. إنهم سكان دوار “تسرافت نايت عبدي وتينكارف” الرابضة ديارُهم على جبال الأطلس على تخوم المدينة.

وبالاقتراب من اعتصامهم الذي يضم 90 فردا، منهم 26 امرأة و6 أطفال، يحدثونك بكل تلقائية عن معاناتهم الكبيرة مع الحرمان والتهميش واللامبالات التي ذاقوا مرارتها عدة سنوات، بل عقودا من الزمن.يحدثونك عن قصة وصولهم من ديارهم التي تبعد عن بني ملال بعشرات الكيلومترات إلى مكان الاعتصام: وفيها تعرضوا للمنع المخزني من ركوب الشاحنات، فاضطروا للمشي على الأقدام عبر الجبال أياما ليلا ونهارا للوصول إلى العراء أمام مقر الولاية. وللقارئ الكريم أن يتساءل عن مدة هذه الرحلة. ولنا جميعا واسع النظر لتصور حجم معاناة الرحلة التي ابتدأت من يوم الجمعة 19 فبراير 2009 من الساعة الثامنة صباحا إلى يوم الاثنين 23 فبراير2009. ليصلوا في حالةِ إنهاك شديد نُقل بعضهم على إثرها إلى المستعجلات (أرجل دامية ومنتفخة، حدوث كسر لإحدى السيدات المتقدمات في السن على مستوى الساق..).

يحدثونك عن الطرق المقطوعة عن ديارهم: وعلى وجه التدقيق طريقان واحد سدَّته الثلوج الكثيفة، والثاني غمرته مياه واد “عْطَاسْ تَفَضْنَةَ” الذي يمر، وبدون قنطرة، من الأراضي التي يسكنوننها.

يحدثونك عن فلاحتهم المعاشية وكيف غطتها الثلوج بالكامل لمدة خمسة أشهر. وعن ماشية لم تجد ما تقتات منه في عِز الثلج.. يحدثونك عن معاناتهم مع شُحِّ المواد الغذائية وقِلَّتها بل وانعدامها.. حوانيت شبه فارغة.. وغلاء ما بها من مواد، أََيَُّ مواد..؟؟

يحدثونك عن معاناتهم مع المرض، أحدهم قال بالحرف والمرارة تعصر القلوب: “إلَى ضَرْني رَاسِي كَنَبْقَى يومين ثلاثة حتَّى نَبْرَا بْلا دْوَا بْلا وَالُو”، وقال آخر: “أنا إلى تْجْرَحْتْ في رَاسِي كَنْدِيْر التَّحْمِيرَة”.. وآخر يكشف لك عن رجله لترى كيف يظهر على صفحتها جُرْح كبير من ضربة فأس وكيف بقي الرجل بدون مداواة.. وهكذا.

ولولادة السيدات قصة أخرى فصولها مرض وموت، وتنقيل على البغال وحَمْل لهُنَّ على خشبة فوق أكتاف الرجال المتطوعين وبالتناوب من أجل الوصول إلى مستشفى أيُّ مستشفى؟؟ ولا تدري المسكينة إلى أين يستقر بها المقام؟ أإلى قبرٍ حيث رحمة الله، أم إلى مَشْفَى حَالُ الوافدين عليه كالمستغيث من الرمضاء بالنار..؟؟ ومن المشاهد المأساوية في ذلك أن إحدى السيدات وضعت حملها على متن دابَّة في طريقها إلى مجهول اسمه “المستشفى” فمات الوليد من ساعته.. أما حكاية الموت مع الكثيرات منهن فحدِّث عنها ولا حرج. وعن الضحايا تحدثك “أمي عيشة” القابلة التي بلغت من الكبر عِتيا في حكايتها الدرامية في توليدها لنساء الدوار.

يحدثونك عن مصدر لقمة عيشهم ويَا لَهَوْل ما تسمع: غار طويل يمتد في قلب الجبل، ومنه يجلبون أكياسا من الملح لبيعها بثمن بخس.. وهو غار حصد في تاريخه مع السكان أو قُلْ في تاريخ السكان معه العديدَ من الأرواح. منها رجل زلَّت به القدم فهوى من أعلى، ويصف من شاهد الحادث كيف انفصل الرأس عن جسد الضحية.

يحدثونك عن الهدْر المدرسي الناتج عن التهميش وعزلة الدَّوار عن العالم الخارجي وانقطاع السبل عن المدرسة ما يقارب نصف السنة الدراسية بسب الثلوج وأمطار الخير والفقر ذاك القدر، عفوا بل الواقع الذي فُرض عليهم بِزِّيزَى. يحدثونك ببساطة الإنسان المغربي الذي يعبر عن حقيقة معاناته بأمازيغيته الممزوجة بعربية حقلها ومعجمها الدلالي لا يخرج في تصنيفه عن حقل المعاناة والمأساة والظلم الواقع بهم.

يحدثونك عن التجاهل المطبق للسلطات المحلية والإقليمية والجهوية لمطالبهم التي يلخصونها في الحد الأدنى من الضروريات، ومِنْ عَلَََى رؤوس المعتصمين تنطق لافتة مُصرحة: “سكان تسرافت نايت عبدي وتينكارف يحتجون على عامل ووالي جهة تادلا- أزيلال على تجاهل مطالبهم المستعجلة ويطالبون بفتح حوار معهم”، وأخرى تقول: “أيت عبدي تنكارف يخوضون اعتصاما مفتوحا أمام مقر الولاية من أجل الحق في العيش الكريم وضد الجوع والتهميش”.. اقتربتُ من أحدهم للمزيد من التوضيح في هذه المطالب فلخص ذلك في ما يلي:

– تقريب الإدارة منهم لأنهم يضطرون إلى قطع عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام أو الدواب لقضاء مصالحهم الإدارية.

– إنشاء قنطرة على واد “عْطَاسْ تَفَضْنَةَ” الذي يقطع الطريق عنهم في فصل الشتاء.

– تعبيد الطريق المؤدية إلى الدوار وإزالة ركام الثلوج من أجل فك عزلتهم، وإتاحة الفرصة للسكان للتزود بضرورات العيش.

– الإنارة: استكمالا لها ومساعدة للسكان الذين لا قدرة لهم على تحمل مصاريف التجهيز..

يتبع.