المواكب لمسيرة العدل والإحسان يلحظ أن الجماعة تخرج كل مرة رابحة تجاه أساليب الحصار والتضييق التي تنهجها أجهزة الدولة، ماذا ربحت الجماعة من حجب مواقعها الإلكترونية؟

بسم الله الرحمن الرحيم. حجب مواقع جماعة العدل والإحسان من داخل المغرب دليل آخر على انزعاج السلطات ببلادنا من صوت العدل والإحسان، ولذلك فهي خاطرت بسمعتها وبالانعكاسات السلبية لهذا القرار على سمعتها السيئة أصلا في مجال الحريات العامة، ومنها حرية الرأي، وهذا دليل آخر على طينة صناع القرار ببلادنا الذين لا يستحضرون تبعات بعض القرارات على البلاد. أما الجماعة فقد ربحت كثيرا من هذا الملف، فهي لم تتضرر منه كثيرا لأن تقنيي الجماعة ومهندسيها استطاعوا التغلب على هذا الحجب وإبطال مفعوله، ولذلك بقيت المواقع تشتغل ورسالتها تتجه إلى المعنيين بها، وأضافت إلى ملف حصارها ملفا آخر وضح مظلوميتها ووضح طبيعة الحرب التي تخوضها السلطات ضدها.

لماذا تكتفي العدل والإحسان فقط بمنابر إعلامية رسمية تعبر عن التنظيم ونهجه الفكري والتربوي والسياسي، مقارنة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، مثلا، التي تتوفر على منابر إلكترونية تغطي كل تراب مصر وتعبر عن أفكار وأطروحات ومقترحات تغني النقاش داخل الجماعة… هل جماعة العدل والإحسان عاجزة عن توفير فضاء أوسع للتواصل الافتراضي أم أنها متخوفة من ظهور تكتلات وتيارات سياسية كما حدث لبعض التنظيمات السياسية بالمغرب؟

ربما يرجع سبب ذلك إلى أن أعضاء الجماعة يجدون في موقع الجماعة راحتهم وضالتهم بسبب مساحة الحرية التي يضمنها لكل الأعضاء حيث لا يشتكي أحد من أن مقالا أو رأيا له منع أو وقع فيه تصرف مخل. ولذلك يرى أعضاء الجماعة أن لا فائدة من تأسيس منابر إعلامية موازية. ولذلك فالدواعي منتفية، غير أن هذا لا يمنع حرية المبادرة طالما كانت هناك حاجة إليها.

هل هناك تيارات داخل جماعة العدل والإحسان في ظل وجود مفهوم “الصحبة” كنهج تربوي وسلوكي مركزي يجعل الجميع خاضعا للقيادة التربوية والسياسية في نفس الآن؟

أعتقد أن ما تتميز به الجماعة عن غيرها من التنظيمات الأخرى ثلاثة أشياء تجعل ما تحدثت عنه صعب الحصول داخلها. وهذه الأشياء الثلاثة هي:

أولا: توفر الجماعة على منهاج مكتوب يوضح التصور ويرسم الطريق ويحدد الأهداف ويضيق دائرة الخلاف ويجعل الاختلافات بسيطة تكون غالبا على مستوى تقدير الأولويات فقط.

ثانيا: سيادة الشورى داخل مؤسسات الجماعة، وهي ممارسة تستوعب الآراء المختلفة وتجعل الاختلاف في الرأي عامل قوة وليس سبب إضعاف للتنظيم.

ثالثا: وجود قيادة قوية ومحبوبة تقود الجماعة بناء على ما سبق، أي منهاج عمل وشورى، وقبل هذا وذاك قيض الله تعالى للجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين بما حباه الله تعالى، مما يفيض به على أوليائه وأصفيائه، من قدرة على الجمع والتأليف والاستيعاب وقد كان لهذا أثر كبير في جعل الجماعة تتخطى كل الصعاب والمحن بنجاح وتفوق يزيدها قوة بعد قوة.

السنة الماضية كتب الدكتور عبد العالي المجذوب مقالا يرد فيه عن بعض تصريحات السيدة ندية ياسين، ما فسره البعض بأن هناك انشقاقات داخل الجماعة، ولكن بعد بيان توضيح من السيد المجذوب اتضح أن الأمر مجرد اختلافات في الرأي والتقدير من داخل الجماعة في تصورها لبعض القضايا السياسية، هل توجد مثل هذي الاختلافات داخل الدائرة السياسية، وكيف يتم تدبيرها من داخل الجماعة؟

الأكيد أن الاختلافات في زوايا النظر والمقاربة والمعالجة والتقدير موجودة، والأكيد أن الوصول إلى القرار النهائي عن طريق التشاور يأخذ وقتا أحيانا، وهذه هي قوة العدل والإحسان، فقوتها وقوة أعضائها في أن عندهم آليات لتدبير اختلافاتهم، بل يستطيعون جعل الاختلاف بينهم عامل إثراء وتقوية للجماعة. والأهم أنك تجد أعضاء متباينين أحيانا في الرأي أثناء التشاور ولكن تجدهم بعد اتخاذ القرار أحرص على حسن تطبيقه كما صادقت عليه المؤسسات المقررة ولو خالف رأيهم الشخصي.

أحيانا يتصور البعض وكأن اجتماعاتنا تتم في دقائق نقرأ فيها التوصيات لا غير، وهذا للأسف الشديد غير صحيح ففي الجماعة كفاءات وأطر متنوعة في مختلف المجالات، ولكن ما لا ينتبه له هؤلاء أن للجماعة أسس تقلص مساحة الاختلاف وتنظمه وتجعله دليل حيوية وحياة ودينامية وليس أداة فوضى وهدم. وحبذا لو اهتم العديدون بهذا الأمر لأننا بصراحة نشعر بالأسى حين نرى انشقاقات داخل تنظيمات بسبب اختلاف في الرأي أو التقدير.

حصار جماعة العدل والإحسان لم يعد يقتصر على المغرب، بل جاوز ذلك إلى التضييق على أعضاء ومتعاطفين خارج المغرب كما حدث في إيطاليا قبل شهرين، هل يعني ذلك أن الأمر له علاقة بما يجري للعدل والإحسان في الداخل؟

الأكيد أن السلطات المغربية يغيضها انتشار العدل والإحسان سواء في الداخل والخارج، ولذلك فهي تبذل جهودها وتنفق الأموال الطائلة للتجسس على أعضاء الجماعة وقيادة حملات لتشويه صورتهم مستفيدة من الأجواء العامة لما يصطلح عليه بالحرب على “الإرهاب” ولكن كما ترون فالنتيجة تكون عكس ما تخطط له دائما. وما حدث في إيطاليا مثال فقط حيث لم تصل السلطة المغربية لما خططت له ومازال إخوتنا أحرارا.

نعود إلى العدل والإحسان بداخل المغرب… أين وصلت فكرة الميثاق الإسلامي التي دعت إليها الجماعة منذ عام1994 فور صدور كتاب” حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” أي قبل حكومة التناوب، وكذلك قبل ما سمي ب”السكتة القلبية” التي يعانيها المغرب على حد وصف الحسن الثاني رحمه، بمعنى أن الفرصة كانت سانحة حينذاك، وكانت دعوتكم تكتسب مشروعية إلى حد ما…أما اليوم جل مكونات الطيف السياسي المغربي، إن لم نقل كلها تقريبا، دخلت اللعبة السياسية بشكلها الرسمي، فكيف تفسرون هذه المفارقة؟

فكرة الميثاق الجامع توصلنا إليها نتيجة تحليل ودراسة للواقع المغربي ونتيجة دراسة لمختلف التجارب التي عاشت أوضاعا مشابهة لما نعيشه اليوم في المغرب واستطاعت إنجاح عملية الانتقال. ولذلك فنحن متشبثون بها من منطلق الحرص على إنقاذ بلادنا من خلال مقاربة جماعية يشارك فيها كل الفاعلين بغض النظر عن مواقفهم ومنطلقاتهم واختلافاتهم لأن شأن المغرب يعني كل المغاربة. أما عن سبب عدم تجاوب البعض مع هذا المقترح فراجع بالأساس إلى ضغوط من السلطات عليهم أو تخوف من الجماعة أن تهيمن على وجودهم ولذلك نعتقد بأننا نحتاج وقتا أطول بعض الشيء.

سبق لك أنت شخصيا، أستاذ احرشان، ممثلا لشبيبة العدل والإحسان أن أجريتم اجتماعات ولقاءات حوارية مع شبيبات بعض الأحزاب السياسية، ومنها ذات التوجه اليساري عام 2002، ما هي، برأيك، أهم الخلاصات التي خرجتم بها من هكذا حوارات، ولماذا توقفت هذي اللقاءات الحوارية؟

أعتقد بأن ما حققناه في تلك المرحلة ستظهر نتائجه في المستقبل القريب، فقد استطعنا إنجاز خطوة التقارب وكسرنا جبلا جليديا اصطناعيا كان يحول دون الجلوس على طاولة واحدة للتحاور، استطعنا إيجاد فضاء لإعادة الثقة في بعضنا البعض.. لم يكتمل هذا الأمر لأسباب موضوعية بالأساس تتعلق بارتباط البعض بسقف سياسي معين، أو بتحولات سياسية وقعت داخل تنظيمات معينة أو ما شابه ذلك… ولكن النتيجة كانت أننا أحدثنا جديدا على مستوى العلاقة بين فاعلين سياسيين كان يستحيل التواصل بينهم.

أريد أن أسألكم سؤالا، أعتبره شخصيا هاما، لأن الكثير من المراقبين يطرحونه ….والسؤال يتعلق بدعوات متكررة لقيادات من حزب الاتحاد الاشتراكي على وجه التحديد للجماعة للمشاركة السياسية….. ففي عام 2000 طرح الدكتور محمد الحبابي إمكانية تحالف الشبيبة الاتحادية مع شباب العدل والإحسان، وفي عام2006 دعا القيادي محمد اليازغي الجماعة للمشاركة السياسية، وفي السنة الحالية تكررت الدعوة على لسان ادريس لشكر… هل هذه الدعوات المتكررة هي ابتزاز لبعض القيادات سواء داخل حزب الاتحاد الاشتراكي نفسه أو في أحزاب الكتلة وكذا الضغط على النظام السياسي، أم أن هذه الدعوات تنطلق من مسألة مبدأ وحاجة ملحة للحوار مع أكبر التنظيمات السياسية بالبلد؟

لن أدخل في محاكمة النوايا وإن كنت شخصيا أستحضر خلفية كل دعوة حسب من يطلقها ومضمونها وتوقيتها والرسائل التي تتغياها. ولكن لا يمكن إلا تشجيع مثل هذه الخطوات التي تستهدف تحقيق تقارب بين مختلف مكونات المشهد السياسي لأن فيها مصلحة للبلاد والعباد، فمن شأنها أن تقوي جبهة الراغبين في الإصلاح ضد جبهة المفسدين.

وما دمت طرحت السؤال بهذه الصيغة أقول لك بأن هذه الدعوات للعدل والإحسان للمشاركة دليل على شعور عام بقوتها وتمثيليتها ومصداقيتها وحيويتها. وهم يدعون الجماعة إلى شيء كانت سباقة في الدعوة إليه بل تراه المدخل الحقيقي لأي تغيير: والمقصود طبعا الحوار الوطني العلني ولكن الجماعة تضيف إلى ذلك بدون خطوط حمراء أي حوارا وطنيا مفتوحا على كل المواضيع وكل الفاعلين.

البعض يؤاخذ عنكم إلحاحكم ربط صفة الميثاق بالإسلام، أي “الميثاق الإسلامي” كما في أدبيات العدل ولاحسان، كيف تردون على هذه المؤاخذات، سيما وأنكم في بعض لقاءات الدائرة السياسية اكتفيتم بالدعوة إلى “ميثاق وطني” وحسب؟

من حق الغير أن يعترض ومن حقه أن تكون له مقترحات مغايرة. وهذا ليس مشكلا كبيرا بل نعتبره عاملا يقوي بلادنا. ونعتقد بأن حوارا وطنيا جديا كفيل بأن يصحح دلالة كل هذه العبارات ويدمج مختلف المقترحات في برنامج مشترك يوحد الجهود ويجمع الكلمة ويقوي جبهة الراغبين في الإصلاح.

كما أؤكد أن الكثير مما يتناقل حول المقصود بعبارة الميثاق الإسلامي غير صحيح، وبعبارة أصح غير دقيق.

تحدثت بعض المصادر من داخل العدل والإحسان عن قرب الإفراج عن الطلبة المعتقلين منذ عام 1991، هل تلقيتم وعدا بذلك من مصادر القرار داخل الدولة، أم أن الأمر لا يعدو مجرد تخمينات؟

لا أعتقد بأن من المنطق الدخول في هذا الأمر مع الدولة بعدما قضى إخوتنا كل هذه المدة. الجماعة ما زالت عند رأيها في هذا الباب وترفض المساومة على حرية إخوتنا وترفض أن تخضع للابتزاز تحت أي عنوان.

وماذا عن المشاركة في انتخابات 2009، ألا زالت الجماعة مصرة على مقاطعتها للمشاركة السياسية، وبقائها معزولة لوحدها تغرد خارج السرب؟

وماذا تغير حتى تغير من موقفها؟ هل اتسع مجال الحريات وهل اكتملت ضمانات النزاهة وهل منحت المؤسسات المنتخبة الصلاحيات والإمكانيات اللازمة لممارسة مهامها؟

حين تتحقق هذه الأمور يمكن أن نسأل هذا السؤال.