أقدمت السلطات المخزنية المغربية مؤخرا على حجب مواقع الجماعة الرئيسية دون أن تكلف نفسها ـ كالعادة ـ عناء تفسير سلوكها أو تبريره، ولو بمبررات واهية شكلية؛ ذلك أن المخزن في الواقع لا يسأل عن مسوغ لما يفعل ومن وما عداه يسألون.

“إنجاز” جديد يضيفه المخزن إلى سجله الحافل بالخروقات السافرة لمنع الحريات وتكميم الأفواه خاصة في حق جماعة العدل والإحسان التي يشهد لها المخزن نفسه برفضها لكل أشكال العنف، بل كانت وما تزال عامل استقرار أمني وضمان سلم اجتماعي من خلال خطها التربوي المعتدل والمتفتح.

إن المخزن بهذا الإجراء التعسفي يظل وفيا لمنهج تعامله مع الجماعة منذ نشأتها إلى اليوم من جهة، ويبقى منطقيا مع شكل تعامله مع من يعارضه، وهذا دأب الأنظمة الشمولية التي تضيق بالمعارضة الحقيقية لا الوهمية، وتستشعر الخوف ويتملكها التوجس ممن يقول بغير ما تقول، ومن يجرؤ التفكير في غير المساحة التي تعين؛ ففي هذه الأنظمة يحدد سقف تحرك مكونات المجتمع سياسيا كان أو مدنيا، ومتى تطلب الأمر تغييرا تفاديا لانكشاف اللعبة أو سعيا لتفريج أزمة أشير من طرف خفي على من ينادي بالتغيير ويقترح تخليق المشهد العام للبلاد.

وما دامت حويصلة المخزن لا تتسع للرأي المخالف سيبقى المنع والحصار والتعتيم أدواته المفضلة، وهكذا توالى مسلسل المنع وحـرمان جماعة العدل والإحسان من منابر التواصل مع الشعب في محاولة لتحجيمها والحد من إشعاعها، فبعد منع مجلات الجماعة والصبح والخطاب جاء منع جريدتي الفتوة والعدل والإحسان، وبعد منع تنظيم المخيمات الشاطئية والجبلية جاء منع الأبواب المفتوحة ومعها منع أنشطة الجمعيات ولو ببث الهلع في قلوب الأطفال في الصبحيات، وبعد محاولة منع عقد المجالس التربوية والتعليمية وأمام توالي أحكام البراءة التي تبرئ أعضاء الجماعة من تهمة عقد تجمعات عمومية بدون تصريح جاء قرار حجب مواقع الجماعة الالكترونية.

لكن ما يندهش له المتتبعون ويحير أجهزة المخزن هو كيف استطاعت الجماعة أن تستمر في التوسع والتغلغل في أوساط الشعب رغم كل أشكال المنع والتضييق، خاصة والمخزن يستنفر ما وسعه من جنود وما يملك من إمكانيات ليجهز على الجماعة ويقطع دابرها، لكنها تخرج بعد كل “منحة” مخزنية بشعبية أكبر وعزيمة أمضى وأقوى، ويقر ويشهد لها بالنزاهة والمصداقية.

الجماعة ـ أيها المخزن ـ حركة شعبية مدنية سلمية تطرح مشروعا مجتمعيا لإنقاذ العباد والبلاد مما يهدد السلم والأمن الاجتماعيين من جراء فساد وإفساد الذمم ووأد بقايا العفة والقيم، ونهب المال العام، وتمييع مظاهر الحياة العامة. مشروع ينسجم وفطرة الشعب وعقيدته، لذا وجد في قلبه قبل عقله قبولا وارتياحا، فالتف حوله. ورغم حملات التهديد والتشويه وأساليب الإقصاء والتعتيم، تزداد دعوة العدل والإحسان اتساعا، وتتضاعف شعبية خطابها وثقة الشعب في أعضائها، لما يتميزونا به من سمت حسن ومسارعة لخدمة الشعب بما يتيسر من إمكانات بسيطة، ومن أراد الخبر اليقين سيجده لدى فئات عريضة من ضحايا فيضانات منطقة الغرب.

لقد أتاح المخزن للجماعة بحجبه لمواقعها الالكترونية فرصة تواصل استثنائية مع شرائح اجتماعية ومنظمات حقوقية، ليس لعرض مظلوميتها فقط، بل لبسط مشروعها ومقترحاتها من أجل الإصلاح الحقيقي، مثلما مكن الإجراء المخزني من تنامي الطلب على هذه المواقع وتضاعف عدد زوارها على الأقل عملا بالقاعدتين المعروفتين: كل ممنوع مرغوب. ورب ضارة نافعة.