عاشت مدن عديدة، في الأسابيع الماضية، على وقع فيضانات نتيجة الأمطار الغزيرة التي تساقطت، وقد شكلت مناسبة أخرى فضحت السياسة الارتجالية التي تحكم البلاد، وعرت الحقائق التي تحاول الخطابات الرسمية طمسها بالشعارات الجاهزة المنمقة، وكشفت النقائص والثغرات التي ظلت سنوات الجفاف تخفيها.

ما حدث هذه الأيام، في تلك المناطق، يعيد طرح السؤال حول جدوى المؤسسات الموجودة والسياسات المتبعة وأساليب التدبير المعتمدة، لأن النتائج كانت كارثية بكل المقاييس، حيث سقط عشرات القتلى والجرحى وتشردت آلاف الأسر وقطعت الطرق وأتلفت المحاصيل الزراعية وتهدمت البيوت وأغلقت المرافق وأصبحت مدن بأكملها معزولة عن العالم الخارجي وأعلنت بعضها مناطق منكوبة تفتقد لأدنى مقومات العيش الكريم فأحرى أن تتوفر على مقتضيات العيش لمواطنين محترمين.

زج بآلاف المتضررين في مناطق تفتقد للتهوية الضرورية وقنوات الصرف الصحي والأغطية والأفرشة والأطعمة والتطبيب والمواكبة النفسية وتركوا لحالهم يواجهون مصيرهم بمفردهم دون مغيث ولا معين، والغريب أن أكثر المناطق تضررا لا تبعد عن العاصمة/المركز سوى ببضع كيلومترات.

ولا شك أن من أتيحت له فرصة الاطلاع على الوضع عن كتب ومعاينته عن قرب سيدرك حجم الكارثة وقدر المسؤولية التي يتحملها المعنيون بتدبير شؤون الناس، فلا هم أخبروا السكان مبكرا لتدارك ما يمكن تداركه من ممتلكات، ولا هم احتضنوا المتضررين بما ينبغي عليهم من واجب الخدمة. فمن يتحمل المسؤولية في ما حصل؟

هناك من يبسط الأمر ويلصق التهمة بكمية الأمطار التي فاقت التصور وتجاوزت الحد الذي يمكن التحكم فيه، وهذا في الحقيقة هروب إلى الأمام وتنصل من المسؤولية لأن حجم الأمطار كان منتظرا والنتائج كانت محتملة والأضرار متوقعة والمسؤولون أدرى منا جميعا بذلك. ولذلك فلا يمكن قبول هذا النوع من التبريرات، وما حدث لا يمكن إدراجه إلا في إطار التقصير عن أداء الواجب، ونتيجته التلقائية، في دولة تحترم نفسها ومواطنيها، فتح تحقيق صريح ونزيه وعلني لمحاسبة المقصرين وعزل المتورطين وتعويض المتضررين. ولكن للأسف ما زال السائد ببلادنا هو الإفلات من المحاسبة وهذه من أكبر الثغرات التي ستعوق تطور بلادنا مهما بذلت من جهود ومهما صلحت النيات. ولنتصور فتح تحقيق في هذا الباب؛ كم وزيرا ينبغي أن يقدم استقالته ويعترف بفشله: التجهيز والنقل، والإسكان والتعمير والتنمية المجالية، والتنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، والداخلية، والاتصال، والصحة،… هذا دون أن ننسى العديد من مديري المؤسسات العمومية والمكاتب الوطنية التي تلهف الملايير من المال العام بدون نتيجة.

أما الثغرة الثانية التي كشفتها الفيضانات الأخيرة فهي فقدان البلاد لسياسة وقائية توقعية قادرة على التعامل مع الطوارئ واستيعاب المتغيرات والتفاعل بالسرعة اللازمة مع المستجدات، وسبب ذلك ضعف الأجهزة المسيرة وافتقادها للصلاحيات والإمكانيات والشجاعة اللازمة لتدبير مثل هذه الحالات حيث لا يزال الصراع محتدما بين مؤسسات حول من له أحقية التحرك هل السلطة المركزية أم الجماعات المحلية أم المؤسسات الموازية أم مؤسسات المجتمع المدني. والضحية هم أهل المناطق المتضررة.

الثغرة الثالثة التي فضحتها هذه الفيضانات، أن المواطن هو آخر شيء في اهتمامات المسؤولين، فحين يتعلق الأمر بحاجتهم إليه يجدون الوسائل، بل تراهم مبدعين، للتواصل معه كما هو الشأن في حملة التسجيل في اللوائح الانتخابية حيث لم تدخر وزارة الداخلية جهدا لإيصال الرسالة للمواطنين مبكرا وبشكل متكرر ومتنوع مستعملة الهاتف والأنترنيت والإذاعة والتلفزة والجرائد؛ ولكن حين يتعلق الأمر بحياة المواطنين وحماية ممتلكاتهم تتلكأ الجهات المسؤولة وتختلق الأعذار لتبرر تهاونها وتأخرها. وحتما لن تقوم لدولة قائمة ما لم تجعل المواطن أول أولوياتها، والسبب في تهميش دور المواطنين يرجع إلى عدم جدوى صوتهم في الانتخابات ورأيهم في السياسات لأن الانتخابات مزورة ومحدد نيل المقعد هو رضى السلطة وليس ثقة المواطن.

ثغرة رابعة لا تفوتني الإشارة إليها وتتمثل في هشاشة البنية التحتية لبلادنا بسبب عشوائية التخطيط والفساد واللامسؤولية وانعدام المراقبة التي تحكّـمت في تشييدها، ولنتصور مستقبل بلد بدون بنيات تحتية في الوقت الذي ينشغل فيه المسؤولون بأوراشهم الكبرى المدرة للربح على مشاريعهم الخاصة والعائلية.

وختاما: أعلنت الحكومة عن تأسيس لجنة للتواصل، وهدفها على ما يبدو تحسين صورة الحكومة لدى الرأي العام. تلقيت الخبر باستهزاء ممزوج بالشفقة. يلمعون ماذا ؟ ربما نسي وزراء الحكومة أن حملة التواصل تكون بعد الإنجاز وإلا فهي حملة للكذب والتزييف. وهذه الحملات لن تنجح لأن الحقائق لن ترتفع وحبل الكذب قصير والعطار لن يصلح ما أفسده الدهر، ولذلك فإن أكبر مؤسسات التواصل لن تلمع صورة حكومة ضعيفة بدون برنامج جدي وبدون مردودية. فقط سينفقون الأموال ثم تكون حسرة عليهم.