الفيضانات المهولة التي اجتاحت منطقة الغرب، نواحي سيدي سليمان وسيدي يحيى وسيدي قاسم في بداية هذا الشهر الجاري(فبراير)، حملت خسائر فادحة للسكان حيث غمرت المياه أحياء ودواوير فعاش المواطنون في هذه المنطقة من المغرب حالات إنسانية مأساوية كالتشرد والجوع بعدما انهارت بيوتهم وجرفتها المياه، وفقدوا ما يملكونه من قوت يدخرونه لوقت الحاجة، فتشردت مئات الأسر في مناطق حضرية وقروية على حد سواء.

جماعة “جماعة العدل والإحسان” عبر فروعها،في كل من سيدي يحيى وسيدي سليمان وسيدي قاسم ومسؤوليها في “الدائرة السياسية(تنظيم موازي للجماعة)، سجلت حضورا لافتا وقويا في مساعدة المتضررين ومد يد المساعدة للمحتاجين، وعبأت كل طاقاتها لمساعدة الساكنة، ومدهم بما يحتاجونه.

ولكن هل تسمح السلطات المغربية للعدل والإحسان في منازعتها عبر “الشرعية الاجتماعية” وهي تخوض ضدها هذه الأيام حربا ضروسا في كل الجهات وعبر كل المواقع الإعلامية والسياسية…الخ؟؟

سؤال تسلحنا به أولا لطرحة على أحد المسؤولين في الجهة بعدما وصلت أصداء تفيد أن السلطات المغربية تطلب من مسؤولي الجماعة مساعدتهم في إغاثة المتضررين جراء الفيضانات المهولة.

جريدة هسبريس اتصلت بأحد المسؤولين للتحقق من الخبر الذي يشاع بالمنطقة، لأنه إن صح هذا الخبر”المزعوم” فلاشك أنه يمثل مفارقة سياسية للمتابع والمواكب للعبة السياسية بالمغرب.

السيد عبد الرحيم حيبور أحد مسؤولي الدائرة السياسية بجهة الغرب نفى أن تكون هناك اتصالات رسمية مع السلطات تدعو التنظيم للمشاركة في الإغاثة بشكل رسمي، غير أنه أكد أن رجال السلطة بسيدي سليمان يسألون عن مساعدات العدل والإحسان لأن السكان ينتظرون المساعدات اليومية التي يجمعها الأعضاء من المحسنين ويوزعونها على المتضررين. ويضيف بأن الجماعة اعترضتها مضايقات من ممثلي السلطة في بداية الفيضانات غير أن احتجاجات السكان القوية على عجز السلطات المحلية لتوفير ما يكفي المتضررين ساهمت في حرية تحركنا في جميع المناطق المتضررة. الأمر الذي جعل المسؤولين يفسحون لنا المراكز التي تحوي المواطنين المنكوبين للاتصال بهم مباشرة لمعرفة ما يحتاجونه.

وعن مصدر هذه المساعدات وطريقة تنظيما وكيفية توزيعها، يجيب عبد الرحيم حيبور “مع بداية الفيضانات استرشدنا بتجارب الإخوان في مساعدة منكوبي زلزال الحسيمة، وخرجنا أولا لمعرفة حجم الكارثة ومطالب السكان وحاجياتهم، ووضعنا أجندة مناسبة مع ما يمكن تقديمه وكذا وضع أهم العراقيل التي يمكن أن تواجهنا وأساليب تفاديها ما أمكن، وكانت مطالب السكان حقيقة ضخمة بالنظر إلى قوة الكارثة وعجز السلطة.. مطالب متنوعة للرجال والنساء والأطفال.. بعض النساء تزامن إنجابهن مع الفيضانات حيث تقضي المرأة يومين في المستشفى وعليها أن تخلي السرير لتعود إلى مراكز الإيواء لتنام المرأة ومولودها على حجر السكة الحديدية الرابطة بين سيدي قاسم وطنجة كما يحدث في في دواوير ترابنة والزواية والشبانات..”

أثناء حديثنا إلى السيد “حيبور” كان مجموعة من الأعضاء في الجماعة يجمعون مساعدات في سيارة كبيرة من حجم مرسيديس 207 ويرتبون زيارة لأحد المراكز القريبة من بير الطالب، ففضلنا مرافقتهم لمعرفة طريقة عملهم في جمع المساعدات وتوزيعها على السكان، توقفت بنا السيارة أمام أحد المخابز التي تبرع صاحبها بالخبز، والناس يحملون أكياسا من الملابس والأغذية وينتظرون أفراد الجماعة حتى يعطونها لهم مضافا إليها مساعدات الأعضاء التي يجمعونها من المعارف والجيران مثل الطعام الجاهز والسكر والزيت والمربى والزبدة وأغطية وأفرشة وطعام جاهز..

وصلنا إلى مركز الشموشة والذي يتكون من خيام تابعة لوزارة الداخلية، وضعت على بعد أمتار قليلة من قصر أحد الإقطاعيين بالمنطقة وهو رئيس المجلس البلدي السابق وبرلماني أكثر من مرة، فكان السكان في انتظار المساعدات. الناس في أمس الحاجة إلى ما يسد رمقهم من الجوع، خيام ضيقة يتجمع في كل واحدة منها أسرة كاملة قد يتعدى عدد أفرادها في بعض الأحيان ثمانية، شيوخ مسنون ونساء مرضى وأرامل ومرضى، أطفال انقطعوا عن الدراسة… إدريس الحداج عمره 13 سنة يدرس في القسم الثالث في مؤسسة زاكورة يقول “دوارنا جرفته المياه والمدرسة محاطة بالبرك ولم تعد صالحة للتدريس” أما سفيان البوعزاوي وعمره 11 سنة ويدرس في الصف الخامس يقول “بأن المساعدات لا تكفينا … الدولة تعطينا الشاي والسكر والعدس واللوبيا فقط .. وهؤلاء المحسنين -ويقصد أعضاء العدل والإحسان- هم من يوفرون لنا ما نشتاق له” أما التلميذة صفاء الزين وتدرس في القسم الرابع وعمرها 10 سنوات تصرح بعفويتها “ننتظر الإخوان بفارغ الصبر لأنهم يشعروننا أننا جزء منهم يضحكون معنا ويطعموننا لوجه الله.. أما كروش الحرام سمحوا فينا”.

أحد الرجال يقول بعدما نال نصيبه من المساعدة: “احنا معاكم أسيادنا” أجابه أحد أعضاء الجماعة: ” احنا بغيناكم تكونوا مع الله.. احنا ما بغيناكم تنتخبوا علينا ولا تصوتوا على شي واحد منا… هذ المساعدات راها غير ديال المحسنين ماشي ديالنا.. ادعوا مع المحسنين”.

بعد توزيع المساعدات أقيمت صلاة العصر داخل خيمة ضيقة، التحقت -أنا- بصفوف الصلاة متأخرا وكنت محظوظا أني في محاذاة الباب الوحيد لهذه الخيمة ومع ذلك كان جسدي يقطر عرقا.. قلت مع نفسي: كان الله في عون هؤلاء الناس.

لم نصادف في طريقنا، إيابا وذهابا، أي مضايقات من السلطة، مما يعني أن تحركات العدل والإحسان كانت مطلوبة من لدن السلطة، ليس محليا كما يتبادر إلى الذهن وإنما من أعلى مصادر القرار!!