الحمدُ للهِ وَلِيِّ كُلِّ خَيْرٍ وهدايةٍ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ الدَّاعِي إلى أفضلِ طريقٍ وغايةٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ، مصابِيحِ الهُدَى والدِّينِ، وتابعيهِم بإحسانٍ على النَّهْجِ المَتينِ.

فتنة الدنيا

اعلم أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلا بمناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده. وسبب الإصرار الغفلة والشهوة ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم من حيث كون الدنيا قنطرة عبور لا ينبغي الوقوف عندها كثيرا وأنها تترصد بك الدوائر. وطالب الدنيا كشارب من ماء البحر، كلما شرب منه ازداد عطشًا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: “هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ – أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ – وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا” 1 .وَالْمَرْءُ يَبْلِيِه فِي الدُّنْيَا وَيَخْلقُهُ *** حِرْصٌ طَويلٌ وعُمْرٌ فِيهِ تقـصيرُ
يُطَـوِّقُ النَّحْرَ بِالآمـالِ كَاذِبَةً *** وَلَهْذَمُ الْمَوْتِ دُونَ الطَّوْق مَطْرُورُ
جَذْلاَنَ يَبْسِـمُ فِي أَشْرَاكِ مِيتَتِه *** إِنْ أَفْلَتَ النَّابَ أَرْدَتْهُ الأَظَــافِيْرُ
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كافرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ 2 .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من هوان الدنيا وحقارتها أن الله عز وجل أخرج أطايبها من خسائسها. فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع ومبصر. أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب ذباب، وأطيب المشروبات الماء ويستوي في شربه الآدمي والكلب والخنزير والحمار. وأفضل الملبوسات الحرير والإبريسم وهو لعاب دودة، وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال، وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال، والمسموع والمبصر مشترك بين ذلك وبين البهائم.قَدْ أُولِعَ الناسُ في الدنيا بأرْبَعَةٍ *** أَكلٍ وشُرْبٍ ومَلْبُوسٍ وَمْنكُوحِ
وَغَايَةُ الكُلِّ إنْ فَكَّرْتَ فِيهِ إِلى *** رَوْثٍ وبَوْلٍ وَمَطْرُوحٍ ومَفضوحِ
فإن قيل ما السبب في حب الدنيا والتعلق بها والتكالب عليها مع كثرة همومها وغمومها وأنكادها، فالجواب قلة المعرفة بعيوبها. فلو كُشف الغطاء لهربوا منها. فإن قيل ما سبب زهد الأمراء في أبواب العلماء ورغبة العلماء فيما عند الأمراء، قيل سبب زهدهم لقلة رغبتهم ومعرفتهم بالعلم، وأما رغبة العلماء فلمعرفتهم بفضيلة المال عند الحاجة إليه.

طالع أيضا  شفير القيامة(4)عظات وعبر للتفكر في الدنيا والموت والآخرة

قال أحد العلماء رحمه الله: اعلم أن الدنيا رأس كل خطيئة كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد صارت عدوة لله وعدوة لأوليائه وعدوة لأعدائه؛ أما عداوتها لله تعالى فلأنها قطعت الطريق بينه وبين أوليائه. ولهذا فإنه لم ينظر إليها منذ خلقها، وأما عداوتها لأوليائه فلأنها تزينت لهم بزينتها وغمرتهم بزهرتها وتَزَهَّتْ لهم بنضارتها حتى تجرعوا مرارات الصبر في مقاطعتها وتحملوا المشاق في البعد منها. وأما عداوتها لأعدائه فلأنها استدرجتم بمكرها ومكايدها وَاقْتَنَصَتْهُمْ بحبائلها وأَقْصَدَتْهُمْ بسهامها حتى وثقوا بها وعولوا عليها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها وغدرت بهم أسكن ما كانوا إليها، فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد، وحرمتهم السعادة الأخروية على طول الآماد. فانتبه يا من اغتر بها قبل أن يصيبك مثل ما أصاب المغترين بها.

وقال بعض العارفين رحمه الله: إذا كان أبونا آدم بعدما قيل له أسكن أنت وزوجك الجنة صدر منه ذنب واحد فأمر بالخروج من الجنة، فكيف نرجوا دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتتابعة والخطايا المتواترة.

وما أجمل قول أحد فصحاء الملوك في خطبته: ألم تروا مصارع من كان قبلكم، كيف استدرجتهم الدنيا بزخارفها ونفتهم، ثم تركتهم وقد تخلت عنهم فهم في حيرة وظلمة مدلهمة، تركوا الأهلين والأولاد والعيال والأموال. مساكنهم القبور وقد خلت منهم الدور وتقطعت منهم الأوصال والصدور، وصاروا ترابًا باليًا وكان الله عز وجل لهم ناهيًا، قال تعالى: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.نَبْـكِي على الدنيا وما مِن مَعْشَرٍ *** جَمَعَتْهُمُ الدنــيا فَلَمْ يَتفـرَّقُوا
أَيْنَ الأكــاسِرَةُ الجَبَـابِرةُ الأُلَى *** كَنَزُوا الكُنوزَ فما بَقِينَ ولا بَقُوا
مِن كُلِّ مَن ضاقَ الفَضَاءُ بِجَيشِهِ *** حَتَّى ثَوى فَحَــواهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرُسٌ إذا نُودُوا كـَأنْ لم يَفْهَمُوا *** أَنَّ الكــلامَ لَهُم حَلالٌ مُـطْلَقُ
فالموتُ آتٍ والنفُوسُ نَفــَائِسٌ *** والمُسْـتَغْرِ بِمَا لَدَيْهِ الأَحْمَــقُ


[1] أخرجه البخاري في باب الرقائق 6417.\
[2] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\