بتوالي النكسات والنكبات المتسارعة التي تصيب أمتنا المحمدية وآخرها ما حل بغزة الأبية نعرف مدى خطورة الداء الذي أصابها. رأينا كيف استفحل الوهن في جسد الأمة بعد أن أصاب قلبها مباشرة. كان ذلك نتيجة بعدها عن ترياق الوحي وصيدلية النبوة اللذين وصفا لها الدواء، ونتيجة زيغها عن المحجة البيضاء التي تركها عليها الطبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. لقد خمدت الأمة إلى سبات عميق بعد أن اختصم السلطان والقرآن غداة ضياع الخلافة الراشدة. غير أن الوعد النبوي الصادق المبشر ببزوغ فجر خلافة ثانية على منهاج النبوة بعد ملك عض وجبر ينعش النفوس بالأمل ويغذي القلوب باليقين.

لا ننكر أبدا دور المسيرات الشعبية والإعانات المادية والاحتجاجات لدى الحكام والمسؤولين، فهي جزء مهم من علاج هذا الوهن، غير أن هذا العلاج لا يعدو أن يكون عرضيا يخدم جزئيا الحالة الاستعجالية للقضية. إنه بمثابة رد فعلي شعبي وهيجان حماسي عاطفي مبارك نعم، ولكن لا يبني، والمشروع يحتاج إلى بناء بتؤدة وصبر وعلم يسبق العمل، إنه بكل بساطة يحتاج إلى منهاج نبوي واضح المعالم. لقد لاحظ الجميع أنه لا يمر وقت قليل على الحدث حتى يرجع الأمر إلى ما كان عليه، وترجع الأمة إلى انقسامها وتشتتها ووهنها، وما النكبات المتتالية في فلسطين منا ببعيدة، ولا حرب العراق وأفغانستان والبوسنة والهرسنك، والشيشان، ولا الكاريكاتورات المعلومة في الدانمرك، ولا قضية الحجاب في فرنسا وغيرها. لقد انشغلت بها الأمة وهذا واجب، ولكنه انشغال حماسي وانفعالي عقيم لم يوجه في عملية بنائها وخدمة مشروعها الرامي إلى التحرر من التبعية لأعداء الدين.

لقد شهدت هذه الأمة مسيرات احتجاجية، ومقاطعات لسلع وبضائع أجنبية انطلقت بحماس وعزيمة شديدين سرعان ما خبيا، وأصبحت هذه القضايا في عداد المألوف. ورأينا مشايخ وعلماء معروفين يتأسفون على انتكاس هذا الموقف الجماهيري. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها والذي رواه الشيخان “أحب العمال إلى الله أدومها ولو قل” فكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه، لقد كانوا يبنون مشروعهم.

طالع أيضا  غزة بين المهمّ والأهمّ (1).. أصل الداء

إن أهم ما يحاربه أعداء الإسلام وعلى رأسهم اليهود الغاصبين والصهاينة الملاعين ومن والاهم هو ضرب المشروع الذي يتطلب البناء الحثيث للأمة والتربية الربانية على هدى وبصيرة لجند الله القائمين بالحق. إن أول متطلبات هذا المشروع هو وجود مربين ربانيين مجددين تلتف حولهم جماعة المسلمين، ورجال بالمفهوم القرآني (رجال ونساء) مؤمنون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وكل ما يملكون، ويجاهدون في الله نفوسهم بصبرهم في جماعة المسلمين ومصابرتهم ودعوتهم وذكرهم لله عز وجل وتقربهم إليه آناء الليل وأطراف النهار والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، والله مع المحسنين.

مشروع الأمة إن انصب على الجانب الفكري العقلاني فقط ولو تحدث عن الإسلام لا يعدو أن يكون خبط عشواء في شبكة عقلانية متألهة لن تلبث أن تزيغ عن الطريق. حاجة العقل ولو كان مسلما إلى المدد الرباني هي حاجة ملحة وحيوية، ولا يكون ذالك إلا بربط علاقة متينة مع الحق عز وجل، فالنصر منه سبحانه والمدد عطاءه والتمكين جائزته ولكن لمن يستحق ذلك الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.

أما إن توجه هذا المشروع إلى الجانب الإيماني الإحساني فقط، وأهمل السعي إلى إقامة العدل والاستخلاف في الأرض، وهو أمر إلهي، فلن يعدو أن يكون سلوكا فرديا سرعان ما يتحول إلى دروشة انزوائية وانطوائية تخدم الفرد إيمانيا وتهمل مصلحة الأمة في شقها العدلي الجهادي “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح وليس ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم” 1 .

إن مشروع خلاص الأمة من داء الوهن، وبالتالي من الاستعباد الذي يمارس عليها والاستضعاف الذي تعيشه لن ينجح إن لم يسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين، الذين استجابوا لأمر الله الجامع إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. عدل للأمة وسط الأمم الأخرى، وعدل للأفراد وسط الأمة، وإحقاق للحق وإبطال للباطل، وتحكيم لشرع الله عز وجل، وإحسان بمعانيه السامية الثلاث من تربية وسلوك رباني إلى الله عز وجل مطلبه وجه الله، ثم إتقان للعمل وطلب للعلم، وإحسان إلى الأقربين والناس أجمعين دون استثناء “الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله” 2 .

لقد هبت الأمة تريد الجهاد، وخاصة شبابها المؤمن، وأهل المروءات من عامة المسلمين بعدما طفح الكيل مما رأوا وشاهدوا من تقتيل وإبادة للمسلمين في غزة وفي غيرها من ثغور المسلمين، ولكن كيف؟

طالع أيضا  غزة بين المهم والأهم(3) .. أهل المروآت

نترك الأستاذ عبد السلام يا سين ينصحنا في هاته الكلمات الربانية من كتابه الإحسان في فصله الثالث الصحبة والجماعة وأنت يا من تقرأ كتابي أحياك الله في أزمنة أصبح فيها الجهاد لإقامة الخلافة على منهاج النبوة فرضا. فاشتغل بالعمل الصالح، لكن لا يفتك الله، واطلب من بين المجاهدين من يحضنك ويطيبك ويبخرك، ويزج بك في حضرة الأحياء بالله في نفس الوقت الذي يحرضك فيه على الجهاد في سبيل الله. إن فاتك طلب الله مع الطالبين، والشوق إليه مع المشتاقين، والسير مع السائرين، والولادة في الروح والمعنى مع الوالدين والمولودين، قد تنال الشهادة الصغرى بالموت الطبيعي، تصيبك رصاصة في سبيل الله. لكن الشهادة الكبرى لا ينالها من انحصرت همته في طلب جنات النعيم ومفاكهة الحور العين. لا ينالها إلا من قتله سيف الحب لله، والحب في الله، والأدب مع الله ومع أولياء الله) ولأهل غزة ولنا يقول:أقيموا للصلاة صفوف تقوى *** وقوموا للجهاد مصممينا
وحيث سارت كتائبكم بصبح *** فعودوا بالفخار معممينا
أفرســان النهار رجال ليل *** فكونوا للعبـاد معلمينا


[1] رواه الطبراني عن سيدنا حذيفة.\
[2] رواه الطبراني عن سيدنا أنس.\