ما هي طبيعة العلاقات النفسية/الروحية والاجتماعية والفكرية التي ينبغي أن ينتظم وفقها المؤمنون أفرادا وجماعات؟ أو قُلْ: ما الحياة العمرانية النموذجية التي يرضاها الله تعالى لعباده؟ وماهي الأخلاق التي يفرض أن تؤسس علاقات المسلمين فيما بينهم كأعضاء لجسدٍ واحدٍ إذا اشتكى منه عضو تداعى له كافة الأعضاء بالنُّصرة والتأييد والمواساة؟

خاطبَنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بالنداء الإيماني مئات المرات “يا أيها الذين آمنوا” علَّنا نسمع بقلوبنا مضمون الخطاب الإلهي، ونفهم بعقولنا التكليف الشرعي المنوط بنا، ونستجيب بكُلِّيتنا لبناء كيانٍ إيماني استخلافي يشيد البنيان ويجدد الإيمان. لكن واقع المسلمين اليوم لا زال يشكو من ضعف قيم التآخي والتناصر والتسامح والتكامل، إلا إذا استثنينا تلك العاطفة الحماسية العامة التي تبديها شعوب الأقطار الإسلامية لما يُضطهد المسلمون في فلسطين أو في العراق أو في أفغانستان …

الخطاب القرآني ينادي الإنسان ليحثه على الاستجابة لنداء الله جلَّ وعلا في رسالته الخاتمة: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تُرحمون”. حيث جعل سبحانه المؤمنين إخوةً تجمعهم الرَّحِم الواحدة والرسالة الواحدة والرسول الواحد. حيث البداية تربية جامعة على أخلاق الإيمان والمحبة والإيثار والتعفف والرفق والعفو…

أساس الأخوة نبذ أخلاق الكراهية

لا ينبغي للمسلمين أن يضيعوا هذه النعمة الربانية (الوحدة الإيمانية) بعَرضٍ من الدنيا زائل. ولا يجوز لهم أن يتنازلوا عن أخوة الإيمان والإحسان والإيقان إلى فُرقة الشيطان والسلطان والهُجران. إذ مهما طرأ في تاريخنا من انحراف وانحطاط حافظت الأمة بفضل الله تعالى، ثم بفضل جهود ما لا يعلم عددهم إلا الله من العلماء العاملين على وحدتها العاطفية والروحية، التي يجب أن تتحول إلى وحدة شمولية جامعة وقوية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرا أمته من أمراض الشتات والضعف والوهْن والخِفَّة والغثائية: “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام”. رواه الإمام البخاري رحمه الله. أي أنه لا يحل في ديننا التدابر بين المسلمين، حيث يولي الواحد ظهره للآخر دون أن يعبأ به، ولا التباغض، حيث يبغض المسلم أخاه المسلم لمجرد أنه خالفه رأيا أو اعترض على اجتهاده في مسألة ما، ولا التقاطع، حيث يهجر الفرد أخاه (أو تهجر الجماعة أختها فتقاطعها) ويكيل له التهم ما صحَّ منها وما بَطُل. ولا التنابز، حيث يعيِّر المسلم أخاه بما يكره، فينعته بنعوت لا يرضاها لنفسه، فيُرضي نفسَه وقد يُرضي الناس بما يُسخِط الله تعالى. ولا التحاسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والخطير هو أن يتحدث عليم اللسان عن ذم الحسد فيجيد ويفيد، لكن سلوكه مع المسلمين ينبئ عن امتلاء قلبه بنفس الداء.

“المُؤمنُ أعظم حُرْمةً عند اللَّه”

عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عُمر ‏قال ‏صعِد رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمِنْبَرَ فنادى بصوت رفِيعٍ فقال: “يا معشر من أَسلمَ بِلِسانِهِ ولم ‏ ‏يُفْضِ ‏ ‏الْإِيمانُ إلى قلبهِ لَا تُؤْذُوا الْمسلِمين ولَا تُعَيِّروهم ولا تَتَّبِعُوا عوْرَاتِهِمْ فإنه من تتبع عوْرَةَ أَخِيه الْمسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عوْرَتَهُ ومن تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ ولو في جوْف ‏ ‏رحْلِه”، قَال‏ ‏وَنظرَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يوْمًا إلى ‏ ‏الْبيْت أو إلى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فقال ‏ ‏“‏ما أَعْظَمَكِ وَأَعْظمَ حُرْمَتَكِ والْمُؤْمنُ أعظم حُرْمةً عند اللَّهِ منْكِ” 1 .

لا يحقر المسلم أخاه ولا يهجره ولا يتكبر عليه، ولا يوالي عليه الكافر أو المنافق، بل ينبغي أن يعظمه ما دامَ مُسلما له نِسبة إلى الله وإلى رسوله، ففي الحديث: “كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ” 2 . المؤمن يرفق بأخيه ويتواضع له ويخاطبه بما يفهم ويصبر على طباعه ويقبل منه بعض أخطائه، ويعفو عنه ويحلم على جفوته ويتجاوز عن قصور فهمه، قال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويدعو له بظهر الغيب، ويسعى في خدمته وفي قضاء حاجته، قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” 3 ، ويواسيه ويتعاون معه ويسند قوته ويحمي ظهره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من نَفَّس عن مؤمنٍ كُربةً من كُرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على مُعسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه” 4 .

نصيحة

قال الأستاذ المرشد في نصيحة للشباب: اعقلوا قول رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم» هذا حديث مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الجنة عليك حرام إن لم يغلب الحب بواعث القطيعة والكراهية. فكيف بمعرفة الله والوصول إليه وهي من قبيل العطاء النوراني!

كونوا أحبتي حيث تكره النفس ويكره الشيطان. كونوا حيث يحب الله أن يراكم. كونوا أنصارا لله، كونوا جندا لله، كونوا متحابين في الله. من كان منكم يحن إلى عطفة إلهية ينال فيها محبة الله فليسمع الشرط الموجب. عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يبلغه عن ربه: «وجبت محبتي للمحتابين في والمتجالسين في والمتبادلين في، والمتزاورين في» رواه أحمد والحاكم والطبراني وابن حبان والبيهقي رحمهم الله) 5 .

احذر الخُسران!

قال الله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

الإسلام يجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفر، وكل المسلمين إخوة في مشارق الأرض ومغاربها، وأمة الإسلام واحدة فرقها السلطان الظالم أو الاحتلال الغاشم. إذ تسلط على رقاب الشعوب حكام أذاقوها المرارة واستأثروا بالخيرات من دونها، وزرعوا الأحقاد والبغض في النفوس، مثلما حرص الكفار الذين احتلوا أرضنا ونهبوا خيراتنا على ضعفنا وتفريقنا عملا بقولهم المشهور: فرِّقْ تَسُدْ.

فاحذر أخي أن تكون إضافتك للأمة لعنا وطعنا وشتما وتكفيرا وتعنيفا وتفريقا، فالأمة في حاجة إلى رحماء، إلى عقلاء، إلى حكماء…

روى الإمام مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة”، واللعان شخص ضعيف تتآكل داخله الأحقاد والضغائن فلا يَعترف لذوي الفضل بفضلهم ولا لأهلِ الخير بخيرهم، ولا يرى في الآخرين إلا عيوبهم وأخطاءهم، وكلما ذُكر عنده شخصٌ عابه ونقَّص منه. قناص للعيوب، متخصص في المتالب، خائض في الأعراض. لا يسلم أحدٌ من سلاطة لسانه إلا هوَ وحزبه إن كان له حزب!

عن جندب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أنَّ رجلا قال: واللهِ لا يغفر اللهُ لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك” 6 .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد وُلد آدم أجمعين وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


[1] حديث صحيح رواه الترمذي وصححه الألباني.\
[2] رواه الإمام الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\
[3] متفق عليه.\
[4] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[5] من نصيحة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين للشباب.\
[6] رواه مسلم.\