كان للأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم العدل والإحسان، حوار بجريدة المشعل، تطرق من خلاله إلى التعامل الشكلي للنظام السياسي المغربي مع الديمقراطية وآلياتها، وأكد فيه ضرورة خوض حوار وطني حر ومسؤول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..

هل النظام السياسي الحالي بالمغرب يتوافق مع الديمقراطية أم لا؟ وهل من شأنه السماح بانتقال ديمقراطي؟

النظام السياسي المغربي ليس له من الديمقراطية إلا الشكل والمصطلحات البراقة، أما جوهر الديمقراطية الذي هو حكم الشعب وسيادة القانون وسلطة المؤسسات فغائب مغيب حيث يطغى على نظامنا السياسي لغة التعليمات وسلطة الأشخاص وتبخيس دور الشعب في كل ما له علاقة بمصير البلاد. ففي المغرب توجد حكومة وبرلمان ودستور وانتخابات ومجالس جماعية لتزيين الواجهة والظهور بالمظهر الديمقراطي، ولكنها، كلها، للأسف بدون صلاحيات تقريرية وتركيبتها لا تعكس التمثيلية الشعبية. وحتى ما قد يتاح لها من اختصاصات هامشية فإنها تشترك فيه مع هيئات أخرى أو يتم السطو عليه من قبل لجان أخرى. نخلص إلى أن الأسس التي يقوم عليها نظامنا السياسي الذي تفرد عن غيره من الأنظمة بأنه مخزني تتعارض كلية مع جوهر الديمقراطية. ولذلك من العبث البحث عن طرق لملاءمته مع الديمقراطية أو الحكم بإمكانية انتقاله إلى الديمقراطية ما دام متشبثا بطبيعته الاستبدادية وسلوكه الإقصائي ومنهجيته الاستخفافية بإرادة واختيار الشعب.

هل تعيش بلادنا خواء ديمقراطيا؟

نعم والأكثر من ذلك أنها تتعرض لاغتيال دائم لكل بذرة صادقة يمكن أن تفتل في حبل تنمية دولة الحق والقانون والمؤسسات واحترام الإرادة الشعبية. وتعيش بالمقابل تغولا للوبي الفساد الذي لا يهيمن على الجانب السياسي فقط وإنما أيضا على كل الجوانب الأخرى اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو حتى رياضية.

يبدو أن الفرق الأساسي بين الأمس واليوم هو أنه في السابق كانت أحزاب المعارضة هي التي تطالب الملك بالديمقراطية، بينما حاليا يظهر أن الملك هو من يطالب الأحزاب بذلك، كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

هذا دليل على الضعف أو الإضعاف الذي وصلت إليه أحزاب المعارضة التي قبلت بما عرضه عليها النظام السياسي تحت اسم التوافق وتنصلت من كل التزاماتها مع المواطنين ولم تعمل على فرض تعاقد سياسي حقيقي لتنزيل ما كانت ترفعه من شعارات في السابق، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن ما يطالب به النظام السياسي ليس هو الديمقراطية كما هي متعارف عليها وإنما يطالب بديمقراطية ممسوخة شكلية هي ديمقراطية الواجهة، ولك أن تتأمل هذه الصورة الكاريكاتورية حيث تقام في المغرب حملات انتخابية ويوضع قانون انتخابي وتفتح لوائح التسجيل وتقدم البرامج الانتخابية وتصرف الجهود والأموال ويأتي الملك في آخر المطاف ليضع البرنامج الحكومي ويحسم في أعضاء الحكومة ويحيل أحيانا بعض اختصاصاتها على لجان خاصة.

ما هي الأسباب المفسرة لعدم ثقة المواطن في الأحزاب السياسية وفي المؤسسات واللعبة السياسية؟

السبب الرئيسي هو شعور المواطنين، بعد طول تجربة، بعدم الجدوى وباليأس من كل ما له علاقة بالانتخابات والسياسة والأحزاب، لأن المقرر والمنفذ واحد لا يخضع لاختيار أو محاسبة أو مساءلة، ولأن هذه الأحزاب التي راهن عليها ارتمت في حضن هذا المقرر وصارت أداة ولعبة في يده تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، وأصبح عدد من مناضليها في كثير من الأحيان لا يبحثون إلا عن مصالحهم الخاصة. لكن من الخطأ تبسيط موقف المواطنين هذا وتبخيسه لأنه يعكس موقفا سياسيا رافضا لهذه الوضعية ويحمل بين طياته استعداد هؤلاء المواطنين للتجاوب والانخراط في أية محاولة جادة وذات مصداقية وجدوى، وهذا ما يستشف من خلال بعض المحطات . ونحن متيقنون مما نقول ونتحدى أن يفتح الباب لعمل سياسي راشد في حده الأدنى وسترون كيف سيتجاوب الشعب.

والحالة هذه، هل يمكن الإقرار بعدم جدوى السياسة بالمغرب كما يقول تقرير المجلة البريطانية وجملة من الفعاليات السياسية ببلادنا؟

ما نفتأ نؤكد بأن مشكل المغرب سياسي بالأساس ويلقي بظلاله على باقي المجالات الأخرى ولذلك فمن الوهم تصور حل خارج المدخل السياسي. ومن يتحدث عن موت السياسة إنما يقصد تلك السياسة السياسوية الممارسة في المغرب منذ عقود والتي ينبغي القطع معها لأنها هي التي أوصلت البلاد إلى هذه الكارثة.

هل استرجاع الثقة في الأحزاب السياسية يستوجب حاليا دستورا ديمقراطيا، أي الانتقال إلى ملكية تقر بالديمقراطية عبر السماح للمؤسسات الدستورية بالقيام بمهامها كاملة؟ أم أن استرجاع الثقة يستوجب شروطا أخرى؟

استرجاع الثقة في الأحزاب السياسية يتطلب شروطا ذاتية في هذه الأحزاب مثل وضوحها السياسي وتماسكها التنظيمي ومصداقية مناضليها ومدى ارتباطها بالشعب ودفاعها عن مصالح البلاد وقدرتها على تدبير الاختلاف الداخلي ليصبح عامل إغناء وتطوير.

على أن هناك شرطا موضوعيا يجب ألا نغفله ويرتبط بابتعاد السلطة عن التدخل في الشؤون الحزبية واختراق التنظيمات السياسية عبر الإغراء والتهديد. هذا النوع من الأحزاب هو الذي نتمنى أن يكون في البلاد لأنه وحده القادر على إحداث تغيير في ميزان القوى داخل المجتمع لتكون النتيجة إقرار دستور الأمة عوض دستور الحاكم. وهذا ما نذكر به دائما ونسعى إلى تحقيقه ونمد يدنا من أجله إلى كل الفضلاء والغيورين.

إذا استمر عدم الثقة في الأحزاب والمؤسسات من طرف المواطن، هل ستعيش بلادنا خواءا سياسيا أعمق من الذي تحياه حاليا؟

كل المؤشرات الحالية تؤكد أن البلاد تسير في خط انحداري شديد، وهذا الانحدار لا حد له إلا الفوضى العارمة والفتنة العامة التي تأتي، لا قدر الله، على الأخضر واليابس إن لم نتدارك ذلك بسرعة. ولن يكون هذا التدارك إلا بحوار علني جاد مفتوح على كل المواضيع وعلى كل المكونات بدون استثناء ولا إقصاء. والذين يبحثون عن حلول أخرى إنما يحرصون على الترقيع وإطالة عمر الأزمة التي كلما طال عمرها زادت كارثية نتائجها.

كيف تفسرون وجود مؤسسات موازية للبرلمان والحكومة تنازع المؤسسات الدستورية في القيام بالمهام المنوطة بها؟ هل هي ضرورة ظرفية أم معطى قائم في النظام السياسي المغربي؟

هذا ما يؤكد ما سبق أن قلناه سابقا، والمنزلق الأكبر أن نتصور بأن الأمر يرتبط بظرفية لأنه في الحقيقة ينسجم مع طبيعة نظام سياسي مخزني يرفض أن يكون له شريك في الحكم أو مؤسسة تتابعه وتحاسبه.

لماذا تبلور السياسة العامة بالمغرب خارج مؤسسة التشريع ومؤسسة التنفيذ؟

لأن النظام المخزني يضع هذه المؤسسات للواجهة وللظهور بمظهر ديمقراطي نتيجة الضغوط الدولية، ولأنه غير مستعد لتبني تبعات الخيار الديمقراطي إلى نهايته.

لقد وصلت بعض القوى والأحزاب “الديمقراطية” إلى سدة الحكم في العهد الجديد، هل يعني هذا أن بلادنا تتوفر على شروط الانتقال الديمقراطي؟

نصحح ابتداء بأن أقصى ما تصل إليه الأحزاب في المغرب هو الحكومة بدون حكم، والذي أوصلنا إلى هذا هو مجموعة تحولات وضغوطات خارجية. أما الانتقال إلى الديمقراطية فهو أكبر من تغيير في المواقع، لأنه أحيانا يكون الأفضل لحزب البقاء في معارضة قوية على أن يكون في حكومة ضعيفة تمرَّر باسمها قوانين وقرارات تتحمل تبعاتها السيئة على مصالح البلاد وانتظارات العباد.

لقد سبق الحديث عن التناوب ومسلسل التغيير والمسلسل الديمقراطي، والآن نسمع حديثا عن الانتقال الديمقراطي، ففي أي مرحلة تعيش بلادنا حاليا؟ وهل يحيا المغرب فعلا انتقالا ديمقراطيا؟

للأسف هذه جعجعة بلا طحين؛ فالحريات في تراجع، والحقوق في اندحار، ومستوى المعيشة في تدني، والعزوف الشعبي وصل قمته، والبطالة في تزايد، والفقر في تفاقم، وترتيب المغرب بين الدول في تراجع بعد تراجع… ولا تقل لي بأن هناك إنجازات قد تحققت، فما تحقق من الخجل ذكره أمام ما يجب أن يكون وما كان يمكن أن يكون. هل هذه هي حصيلة التناوب والانتقال الديمقراطي؟ لنترك الواقع يتحدث عن نفسه ولنترك الكلمة للمواطنين وسترون النتيجة.

هل يمكن اليوم المطالبة بالإصلاحات السياسية والدستورية التي طالما أثثت الخطاب السياسي “المعارض” الطموح إلى التغيير الفعلي؟

إنه وقت العمل على تغيير سياسي ودستوري عميق يتجاوز المعالجة الشكلية التي تقتصر على تعديلات أو ترقيعات أو رتوشات. وطريق ذلك كما أكدنا منذ سنوات هو حوار وطني من أجل إيقاف النزيف، والتأسيس لعمل جماعي يستحضر مصلحة البلاد أولا وطموحات الشعب ثانيا. ونحن متأكدون أن هذا الحوار سيفضي إلى ميثاق من شأنه بعث الأمل وتحرير الإرادات وتعبئة الشعب لمشاركة عامة تمكننا من مواجهة مختلف التحديات.