لما أنهى ميتشل مهمته التاريخية في إرلندا الشمالية بنجاح، سارع إلى تدوين تجربته تلك في كتابه “صنع السلام”، وفيه عبر عن أفكاره حول القضية مبرزا منهجه في الوساطة الذي اعتبره اختبارا لقدرته التفاوضية من خلال تسخير مناهجه التشريعية وخبراته السياسية وكذا مستوى استثماره للعادات السياسية المحلية لأبناء عمومته.

فهل سيفلح ثانية في إحلال السلام وتثبيته في الشرق الأوسط؟

يكاد يجمع كل من يعرف السيناتور جورج ميتشل على حنكة الرجل السياسية وبراعته القانونية وخبرته الاقتصادية وقدرته على التزام الحياد في التعاطي مع ملفات المنازعات. فقد خرج الرجل متفوقا في عدة مهام كلف بها، نذكر منها:

– تحقيقه للمصالحة الإرلندية بعد الحرب الطاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت، وإهداؤه الإرلنديين عيدا جديدا سمي اتفاق الجمعة العظيم.

– رئاسته للجنة الدولية للتحقيق في اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، وإعداده مذكرة مقترحات لإنهاء الاحتقان وإيقاف العدوان الإسرائيلي وردود الأفعال.

– تقلده كرسي القضاء الفيدرالي وتخرجه فقيها دستوريا بعد تقاعده من الكونغرس سنة 1994

– قيادته للفريق الديمقراطي بمجلس الشيوخ لمدة 4 سنوات.

قدرات كهذه، وأخرى يقدرها الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته، جعلتهما يجمعان على تعيين متشل مبعوثا خاصا إلى الشرق الأوسط مسلحا بالتفويض التام من الرئيس ومعاونيه كما سجل ذلك في مراسيم التنصيب.

متشل لم يتأخر في مباشرة مهامه، فقد بدأ جولة إلى المنطقة بعد أسبوع تقريبا من تعيينه. لكن هذه الزيارة وإن كانت تحت عنوان مجالسة الأطراف والإصغاء لوجهات نظرهم لموافاة الرئيس بتقرير مفصل يمكن ساكني البيت الأبيض من الشروع في مباشرة العملية السلمية على حد أقوالهم، فإنها أثارت العديد من النقاشات على ضوء ما تم عقده من لقاءات للمبعوث وفي سياق ما تشهده المنطقة من توتر.

لسنا في معرض محاكمة نوايا المبعوث الجديد الذي نتمنى أن يزدان سجله الحافل ببشرى جمع الفرقاء وإعادة الحقوق إلى أصحابها كما تنص على ذلك المواثيق الدولية والأخلاق الإنسانية. ولكن يحق لنا أن نتنبأ بعد أن نتساءل، على الأقل، حول بعض المنطلقات والبدايات.

التصريحات الأولى للفريق الجديد بالبيت الأبيض حول الأوضاع بالمنطقة نستشف منها الحرص الاستراتيجي على أمن إسرائيل بما تحمله الكلمة من معاني العمل على تسليح الدولة العبرية وحمايتها ليس فقط من خطر صواريخ المقاومة والتي بالمناسبة لازالت تنعتها بالإرهاب، ولكن من كل احتمال سيء من دول الجوار. فوزيرة الخارجية تحمل تصريحاتها أكثرمن إيحاء بكون الولايات المتحدة لن تتساهل في دعمها لحقوق الشعب الإسرائيلي وأمنه وذلك بردع المقاومة والتضييق عليها والتعاون مع (القطب المعتدل) من قادة المنطقة.

بالمقابل تحجم أمريكا عن تسمية الأزمة بمسمياتها الحقيقية وسببها المباشر، الاحتلال والاستيطان والتهويد والقتل والتجريف وإخلال إسرائيل بالتزاماتها أمام العرب والمنتظم الدولي، وهو الأمر الذي حدا بقادة المقاومة في الداخل والخارج وكذا بعض قادة الدول الداعمة لخيار المقاومة إلى الدعوة إلى عدم الإغراق في التفاؤل بخصوص أولويات إدارة أوباما وتسمية ميتشل مبعوثا إلى المنطقة.

من ضمن ما تتسم به شخصية ميتشل كما سبقت الإشارة، وقوفه الجدي على نفس المسافة من أطراف النزاع، وهو الأمر الذي أكسبه الشهرة والثقة لدى العديد من الدوائر المتتبعة، لكن يبدو أن العم ميتشل إلى حدود الآن قد انسلخ من شخصيته هاته ولو بشكل جزئي وذلك من خلال الأجندة المعلنة حاليا بالمنطقة.

يراهن ميتشل على زيارة مصر وإسرائيل والأردن والسعودية وبعض العواصم الأوربية مع احتمال زيارة خاطفة لتركيا. باستثناء هذه الأخيرة، فحاصل الأمر أن هذه الجغرافيا هي ذاتها المسؤولة عن وصول الأزمة إلى هذا الحد، وهي التي أنتجت وضعا صوريا زج بالمنطقة في أوحال التدليس وتجاهل رأس الداء ومباشرته بالمعالجة، مما يجعلنا كمتتبعين نرتهن لخلاصاتنا السابقة، ونستخلص أن مهمة المبعوث هي تحريك “عملية سلمية” ما، لكن بمعطيات وترتيبات وسياسات وأولويات متآكلة ترجع بنا إلى ما قبل العدوان الأخير على غزة. ويمكن إجمال هندسة ذلك فيما يلي:

استئناف المفاوضات مع نفس الوجوه الفلسطينية لضمان ارتهان العملية التفاوضية لشروط الرباعية وبعض الاتفاقات المجحفة في حق الفلسطينيين وذلك حسب الرغبة الإسرائيلية وأجندة تشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي عبرت عنه ليفني بقولها “اليوم حماس وغدا حزب الله”.

حفز الأردن على مزيد من التعاون الأمني خصوصا تدريب الحرس الرئاسي وباقي فرق الأمن الوقائي وغيره من أجهزة أمن رام الله. مع استفسار عمان حول بعض التسريحات غير المتوقعة من قادة الأردن.

العمل على إبقاء مصر كوسيط لمعرفة نوايا المقاومة والضغط عليها من خلال بعض القضايا الاستخباراتية وشد الحبل بمعبر رفح.

إحراز الالتزام الأوربي بزيادة المنح المقدمة في سبيل تجميل صورة “إسرائيل” أمام العالم، وذلك بعد كل ما يمكن أن يصدر عنها من تدمير وقتل، مع التعهد الكامل من الدول الأوربية بحماية “إسرائيل” من خلال مراقبة المعابر. وقد سارع ساركوزي بعد فشله في إدماج “إسرائيل” في المشروع المتوسطي إلى إرسال قواته إلى المياه الفلسطينية دون عناء التفويض من أحد.

كان من المتوقع أن يحدث ميتشل تجديدا في طريقة تحريك العملية السلمية، خصوصا أن الإدارة الجديدة بالبيت الأبيض وعدت بمباشرة الملف مع بداية ولايتها، وذلك بالاستماع إلى الفاعلين الحقيقيين وعلى رأسهم قادة المقاومة في غزة، لأنه وكما يعلم ميتشل نفسه وكل من يباشر قضية الشرق الأوسط، لا يمكن الحديث عن تهدئة أو معابر أو تهريب كما يدعون أو أي قضية تهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما لم يتم إشراك المقاومة، خصوصا أنها أظهرت للجميع وخلال الثلاث أسابيع من العدوان وما تلاها من تحرك سياسي قدرتها على إرباك أي مخطط بالمنطقة مهما كان مصدره والمتحمسين له، وقد تنبه العديد من المهتمين والمتتبعين وبعض العواصم العربية والدولية التي نبهت مما قد يحصل من طوام بالمنطقة برمتها إن لم نقل بالعالم أجمع جراء تجاهل المقاومة في أي حوار أو تسوية محتملة.

بين مصر وتل أبيب إلى رام الله، أدلى ميتشل بعد طول استماع إلى القادة بتصريحات جد مقتضبة مشتملة على الدعوة لوقف تهريب الأسلحة إلى القطاع وضرورة فتح المعابر وتثبيت الهدنة، مما يؤشر على أن المنطقة لم تعرف حدثا كما توقع البعض إلا الإشهاد الأمريكي على صكوك الاتفاقات المجحفة السابقة، هذا بغض النظر عن الخوض في نقاش هدف “إسرائيل” من استقبال المبعوث على دوي قصف جديد لقطاع غزة بعد مرور حوالي الأسبوع على أكذوبة الهدنة “الهشة”.

يجب ألا ينسى ميتشل وهو يجول الأروقة السياسية عبر العواصم العربية والدولية أن أحفاد شارون من ليفني وأولمرت وباراك وغيرهم، هم أنفسهم من اعترض بأقوى لهجة على خطته واقتراحاته لإنهاء الاحتقان بعد اندلاع الانتفاضة في عام 2000، خصوصا ما تعلق منها بتجميد بناء المستوطنات بما فيها ما تدعيه “إسرائيل” من نمو طبيعي لها، وللتذكير فالصهاينة لم يكتفوا بالاعتراض بل لما رأوا تماهي مواقف بعض العواصم الدولية مع توصيات ميتشل سارعوا إلى تجميدها وإثارة قضايا أخرى في الصراع مع الفلسطينيين. فغير مسموح منطقيا وأخلاقيا لميتشل أن يخطئ مجددا ويتساهل في التعامل مع قادة “إسرائيل” خصوصا أنه حاليا لا يرأس لجنة تقصي واستشارة بل يمثل المبعوث الخاص لدولة تملك حق تعطيل القرارات بمجلس الأمن وملتزمة سياسيا وأخلاقيا أمام المنطقة بدليل وعود الديمقراطيين إبان الحملات الانتخابية.

فحتى لا يفاجأ ميتشل أو يصطدم بما أفصح عنه خالد مشعل في العاصمة القطرية مؤخرا من نية المقاومة إحداث مرجعية وطنية لكل الفلسطينيين بالداخل والخارج تتولى بنفسها حسم الصراع بطريقتها الخاصة، وحتى لا يضطر ميتشل إلى التفكير في تدوين كتابه الثاني بعد مهمته هذه تحت عنوان “ضياع السلام” عليه أن يتبنى مقاربة جديدة بأولويتين:

• أولوية عاجلة متمثلة في وقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وفك الحصار، وفتح المعابر.

• أولوية استراتيجية تضمن إنصاف الفلسطينيين بإنجاز قيام الدولة وتحرير القدس وعودة اللاجئين وإرجاع الأرض إلى أصحابها.