بسم الله الرّحمن الرّحيم مالك الملك، الّذي قضى أقدرا فأحكمها، وسنّ سننا فأنفذها، وخلق خلائق فتدافعت بسننه إلى أقدارها.

أمّا بعد:

فلا يزال الشعب المغربي المسلم كما عُهد عنه مناصرا لقضية من أهمّ قضايا الأمّة الإسلامية، القضية الفلسطينية التي مازالت تراوح مكانها إن لم نقل تقهقرت بفعل عوامل الضّعف الّذي يعانيه الحكام العرب، أولئك الذين فاوضوا على أرض الشعب الفلسطيني بنفسية المنهزم الطامح في الاستسلام، دون تبصّر ولا حكمة.

كانت تلك المسيرة التي وصفت بأنها أكبر حشد يشهده العالم لمناصرة الشعب الفلسطيني إبّان الغارات اليهودية على غزة، تحمل رسالات عدة إن على المستوى الداخلي المغربي أو على المستوى الخارجي الدولي، رسالات عبرت عنها جحافل الحشود المشاركة، كما لفظتها الحناجر والشعارات، وتضمّنتها اللافتات والأعلام، فكان لزاما أن تخطها الأنامل والأقلام وتسطرها السطور لتبقى شاهدة على حياة الشعوب العربية المسلمة تُقرأ وتُرتل وتنظرها العين، ليعلم من لا يزال في سباته، قاهرا الأمّة مخيّبا لآمالها جاثما على صدورها يظن أنّ الدنيا(بلاد المسلمين) قد حيزت له بأرضها وريحها وسكانها، أنّ السلامة والنجاة والخلاص في التوحد مع الشعوب ومعانقة ثوابتها الأصيلة لا تلك الّتي تلوكها الألسن بلا معنى ولا هدف.

ويمكن أن نجمل تلك القراءات والرسالات فيما يلي:

1) على المستوى الداخلي

قضايا الأمّة أداة جمع للمغاربة

إنّ قوة الحضور الشعبي القويّ للمسيرة الّتي دعت إليها كل التنسيقيات بجميع أطيافها – وإن كان الحضور الإسلامي لافتا- ينبئ على أنّ السبيل الوحيد لجمع الصف الداخلي وتقويته، إنّما ينطلق ممّا تعيشه الأمّة وتعانيه ويعبّر عن كيانها، ذلك أنّه لم تستطع أيّ منظومة دخيلة أو مختلقة أن توحّد الشعب وتجمعه بقدر ما كان للقضايا العامّة الّتي تمسّ الأمّة في كيانها ودينها، ومن هذا المنطلق فحري بالزعامات الفخرية المحلية أن تتبنى بصدق وإخلاص وأمانة دون مزايدات ولا مراوغة خيارات الشعب وأن تحترم توجهاته ومنطلقاته.

غياب التمثيل الحكومي عن المسيرة

لا شك أن مسيرة الرباط التضامنية كانت نوعية من حيث استجابةُ الأطياف السياسية والجمعوية، لكنّ الغريب فيها وفي أغلب المسيرات التي “يرخّص لها” أنّها تشهد غيابا معيبا للحكومة على أساس أنّ هذه المسيرة ليست ذات طابع سياسي موجه تتحفّظ الحكومة من التمثيلية فيها، وهذا ينبئ عن الانفصام الحاصل بين الشعب والحكومة، أم أنها خشيت أن تحرجها الشعارات واللافتات الّتي جابت ساحة المسيرة مع “الأصدقاء”، تلك الشعارات الّتي أكّدت هذا التخوّف حيث ردّدت الجماهير “زيرو الحكومة المغربية”، وإذن هل كان الترخيص للمسيرة اضطرارا لا تزكّيه المواقف ولا قوّة التصريحات، أم مراوغة داخلية وخارجية تسعى لتلميع الصورة ولتظهر الحكومة على أنّها مع القضية وفي مقدمة المدافعين والشاجبين، وعكس هذا أن تتخذ الحكومة مبادرات عملية تخرج بها عن صمتها وتتعامل بواقعية وعملية سواء في فترة الحرب أو غيرها، كما أنّ هذه المبادرات المطلوبة يجب أن ترتقي إلى مستوى فداحة الإجرام الصهيوني بعيدا عن لغة الشجب والتنديد والمعونات الّتي لا تسمن ولا تغني من جوع.

حضور إسلامي لافت

إنّ صبغة القضية الفلسطينية في طابعها الديني القومي العروبي التحرري، يحمل ويوجب على الكلّ مهما تعدّدت صفته وتنوّعت أن يكون حاضرا ملبّيا داعما وإن بصوته- إذ لا تملك الشعوب المستضعفة إلاّ حناجرها-، وعلى هذا الأساس كان من المنتظر من جميع الأطياف أن تبرز وتتواجد بقوّة وكثافة لتعبّر بصدق عن دعمها للقضية، والّتي ظلّت على مرّ الأزمان تؤكّد على مصداقيتها، أم أنّ الحركات السياسية المغربية قد خمد حراكها حتّى على مستوى مساندة القضية القومية الفلسطينية، وإذن كما خسرت الرهان القاعدي الداخلي تريد أن تخسره على مستوى الخارجي.

2) على المستوى الخارجي

ترفّع الشعوب العربية عن التدجين والاستسلام

إنّ ممّا تظهره مسيرة الرباط وغيرها من المسيرات، أنّ الشعوب الإسلامية المقهورة، عازمة على رفض الاستسلام الّذي تبديه الحكومات والدول العربية للاستكبار العالمي، والّذي أذلّ دولنا وحكوماتنا حتى عن الشجب في بعض الأحيان، ممّا ولّد ثورة داخلية لدى الشعوب العربية على رفض كلّ ما له صلة بقوى الاستعمار والاستكبار، حيث أنها لم تر من هذه الدول إلاّ الذّل والهوان وكذا مساندة دولة الاحتلال، وعليه فإنّها تقول للحكومات المستسلمة وتلك الداعية إلى التصالح والسلم مع الكيان الصهيوني نحن نترفّع عن هذا الذّل ونجابهه بالشعارات والهتافات والمسيرات إلى حين…

خيارات الشعوب غير خيارات الحكومات

لم تخل المسيرة من شعارات مدوية مزلزلة، تسبقها أحيانا ألفاظ تنبئ على أنّ الخيارات التي تتّجه إليها الحكومات غير صالحة وغير مجدية، فمن قائل” يكفينا…” ومن مردّد:” ….والأنظمة تساوم”، ومن صادع: “قولوا لتجار السلام…”، دلّت كلها على أنّ الخيار الّذي تسلكه الحكومات القابضة على الشعوب لا يمثّل الخيارات والطموحات الّتي تسعى إليها القوى الجماهيرية، ولا أدلّ على ذلك من النعوش المتعدّدة والّتي تمثّل الخيارات الضّعيفة الّتي أقبرها الشعب وحملها في النعوش لتصل الرسالة واضحة جليّة بضرورة تغيير الخيارات لتدور مع ما يعزّ الأمّة ويوحّدها ويقوّيها.

حشود تنتظر صلاحا يوحّدها

يبرز من خلال المسيرة كذلك، قوّة الاستجابة لدعوة التظاهر، فرغم بعد الشّقّة وعناء السفر أبى الشعب المغربي، بمختلف حيثياته، إلاّ المشاركة في المسيرة، ليعلن عن دعمه للمقاومة الفلسطينية ورفضه لكلّ ما تتعرّض له دولة فلسطين من تدمير وتقتيل، وهو بهذا يقول على أنّه مستعدّ لتحمّل الأعباء والمشاقّ والصّعاب إذا ظهر له صدق الطالب وصدق المطلوب، وأنّه حتما سيستيقظ ويبعث وينطلق حينما يأذن المولى بصلاح يوحّده ويؤطره.

على أن هناك رسالات مضمرةً ضمنيةً يفهمها من له أدنى حظ من لبّ.