اقتضت سنة الله أن تجري الأقدار وفق سببية لا تجامل أحدا ولا تحابيه. ومحاولة فهم ما يجري حولنا بمنظار القران سمة نادرة لا يتحلى بها إلا أولو الأبصار وذوو الافهام.. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى..

إن أية قراءة لما يجري في غزة ستكون قراءة بتراء ادا هي أغفلت ثلاث نقط: طبيعة الأرض، طبيعة اليهود وطبيعة المقاومة ,فكل ما يجري الآن هو سلسلة في سياق كان له ما قبله و سيكون له ما بعده وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.

الأرض المباركة

فلسطين أرض النبوات ومهد الرسالات ، ديار أيوب ومحراب داود وعجائب سليمان ومهد المسيح ومهجر إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.. باركها الله عز وجل في ست مواضع من كتابه الكريم بصيغة الماضي ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمينوالتعبير بالفعل الماضي يدل على ثبوت واستقرار البركة الربانية لهذه الأرض وهي تعم الأرض وتعم الإنسان أيضا..

إنها أرض الإسراء والمعراج ارض المحشر والمنشر ارض الثبات والرباط ارض القبلة الأولى والأرض التي أم النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء والمرسلين إماما.. إنها أرض “وعد الآخرة” في ديننا وقرآننا..

إن الرابط الحقيقي الذي يجب أن يربط كل مسلم بقضية فلسطين، هو الرابط الإيماني القرآني النبوي فقضية فلسطين ليست قضية محلية، بل هي قضية مصيرية .. والأحداث التي تشهدها غزة الآن سيكون لها إن شاء الله أثرا كبيرا في تغيير حال الأمة. وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.

المغضوب عليهم

يقول عز وجل لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا

إن كلمة “لَتَجِدَنَّ” تحمل بحروفها الخمسة كل صور التوكيد .. فما تتناقله شاشات التلفزة من صور الدماء والدمار لاتزيد هده الكلمة إلا وضوحا ورسوخا. فعداء اليهود للذين آمنوا كان دائماً أشد وأقسى وأعمق إصراراً وأطول أمداً من عداء الذين أشركوا فلم يكن بد من كشفهم لهذه الامة لتعرف من هم أعداؤها؟ ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم، وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟..

بين لنا القران أعماق النفس اليهودية الخبيثة وذكر لنا أن القلب اليهودي هو الاكتر قسوة من كل القلوب كما حكى لنا عن كفرهم ونفاقهم ومكرهم وصدهم عن سبيل الله. المفلح منا من يقرأ كتاب الله قراءة حية ويعي ان هدا القرآن ليس تسجيلا لأحداث محدودة بزمن معين، بل هو كلام الله الحي الذي ينطبق على كل “الأيام”، الذي يعد المؤمنين بالعلو بعد الهزيمة وبالعز بعد الذل..

علم العليم سبحانه في سابق علمه أن هذه الفئة من البشر ستكون العقبة الكئود في وجه هذا الدين وأهله على مر الزمان..

ومن يريد مواجهة هؤلاء فلن يستطيع مواجهتهم دون فهم الوصف الرباني للشخصية اليهودية عبر الزمان ..

جاء اليهود إلى فلسطين بعد شتاتٍ بلا وطنٍ استمرَّ زهاء ثلاثة آلاف عام، أتَوْا بناء على وعود قديمة زعموها في التوراة على لسان إبراهيم عليه السلام، ولم يستطع الداعون منهم والمخطّطون لهذه العودة إغراء اليهود والمجيء بهم من أرض الشتات إلى أرض الميعاد (فلسطين)؛ إلا بهذا الوعد الدّينِيّ. اعتقدوا أنَّهم شعبٌ مقدَّس ومهمَّتهم الإلهية المُقَدَّسة هي أكْل الشعوب التي يدفَعُها الرَّبُّ إلى هؤلاء اليهود هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون

الظاهرون على الحق

للعقبات مقتحموها، وللدرجات مُتََسَلِّقُوها، وللشهادة طالبوها، كما أن للخَنَا ساعُوها، وللدَّنايا مُتَسَوِّلُوها، وللدركات لاَعِقُوها.. هكذا كان الناس وما زالوا؛ فهم على فريقين فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ وهذه سنة كونية أن يكون الناس هكذا أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُم وَيَعلَمَ الصَّابِرِينَُ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس”إن آياتِ القرآن الكريم تنطبق بشكل مذهل على أهل غزة الأبطال فقد نجحوا في دفع ثمن الصمود من دمائهم وغذائهم ودوائهم وحياتهم وأرواحهم ويتساءل العالم: من أين يأتي أهل غزة بهذه القوة الخارقة؟! من أين تأتيهم هذه القدرة على الصمود والشجاعة؟! كيف يُذِلُّ أبطال المقاومة الجيشَ الصهيوني، برغم قتل الصهاينة عشرات الأطفال، والنساء، والشيوخ، كل يوم تشرق فيه الشمس؟

لنصغي مليا إلى بعض من كلماتهم:

*قال الشهيد أحمد ياسين لن يضر حماس أو أحمد ياسين أن أسقط شهيدا فهي أغلى ما نتمنى) وتحول أحمد ياسين إلى اسم لا يموت وإلى طريق بدأ ولن ينتهي! يروي الدكتور زغلول النجار أنه اتصل قبل يومين من استشهاده بالمستشفى فقالوا له إن الشيخ يحتضر !!ولكن الله شفاه ليحقق له الأمنية الغالية. ويروى الدكتور الرنتيسى عن صحبته للشيخ ياسين أتناء السجن قائلا: وبدأنا رحلتنا مع الشيخ وقد توليت إطعامه وحمامه وكل شىء من أمور حياته فهو لا يستطيع أن يساعد نفسه حتى فى حك جلده، وقد عكفنا فى هذه الفترة بالذات على إتمام حفظ القرآن وقد وفقنا الله لذلك والحمد لله).

* كلنا مشاريع شهادة في سبيل الله ولن نضعف أو نستكين ومنذ اللحظة الأولى كان خيارنا واضحاً إنه الجهاد نصر أو شهادة) كلمات محمود الزهار بعد أن ودع ابنه الأكبر خالد.

*قال الدكتور عبد العزيز الرنتيسى قبل استشهادهإن الموت آت لا محالة، بالأباتشى أو بالسرطان أو بأى شىء آخر، ولكننى أرحب بالموت بالاباتشى)*يقول مشعل إن الله الذي فتح القدس وحررها من أيدي الصليبيين موجود وقادر، وله الحكمة في ابتلائه، ولا بد أن الفرج سيأتي، ولا بد بعد العسر يسرًا).

*يقول هنية إن الاحتلال يألم كما يألم الشعب الفلسطيني، ولكن الشعب يرجو الحرية والكرامة والشهادة، بعكس الاحتلال الذي يرجو الحياة).

اصطفاء الله عز وجل لأهل هذه الأرض بالشهادة منة عالية غالية وقد يمن بالشهادة في اليوم مئة مرة على من يشاء من جنده السالكين منهاج سيد المجاهدين تربية وتنظيما وزحفا.

ثم ماذا بعد

لقد وعدنا الله عز وجل ومن أصدق من الله حديثا، بالنصر والتمكين والغلبة لدين الله في كل مكان، إلا فلسطين المباركة فقد وعدنا فيها بوعد خاص، قال صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فأقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود” 1 لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَيقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين فالتحدي أمامنا ليوم الفصال يوم “وعد الآخرة” ليس أن نحارب العالم بعد أن تكون الروح اليهودية قد استولت عليه، لكن التحدي في أن نقاتل اليهود وراء كل شجر وحجر قتال البأس بينما نستخلص من الروح اليهودية هذه الجسوم الجاهلية، ندفع شرها بخير الإسلام، ونذهب ظلمتها بنور الإسلام، ونُسكت نبَاحها لتسمع دعوة الإسلام. وربك سبحانه جل سلطانه قادر على أن تسلم أمريكا ويسمع من هنالك زئير أسد إسلامي. “وعد الآخرة” مقترن بوعد ظهور دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون). والحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه البخاري.\