لطالما جلس الشعب العربي أمام شاشات التلفزة في المناسبات الوطنية ليُصغيَ إلى ملكه أو رئيسه يخاطبه بعد أن استُنفِر إلى ذلك بهذا النداء المتعوّد عليه، والمصحوب بتحية العلم الوطني: صاحب الجلالة يخاطبكم.

يجلس بعد أن لملم أنفاسه، وأرهف إحساسه أملا في أن يرى طِحنا بعد سماع الجعجعة، لكنه لا يجد نفسه إلا أمام كلام مكرور مجتر عن مفعول لم يُفعل، ومعسول منتظر محتمل، ومجهول مُجَرَّم ينبغي كشف هويته، ومحاصرة حركته، وإفشال خطته، وتجنيد أموال الأمة ورجالها وكل مؤسساتها لتحصين السذج من فكره ومكره وغدره. والشعب آمن، والنظام وازن، والسياسة المتبعة حكيمة تجنب المواطنين الأعزاء عنف المتهورين، وإرهاب المتشددين، وسلوكات الشاذين المنحرفين عن جادة الاستقامة والاستواء على صراط الانفتاح، والحوار، وقبول الرأي الآخر والتعايش بسلام ووئام مع كل الأنام في إطار تبادل التقدير والاحترام.

اليوم وقد سقط القناع، وانكشف ما خلف الستار عن البقية الباقية ممن كانوا يتوهمون، أو يوهمون أنفسهم بالأحرى، أن لا بد من نظام يمنع من الفوضى، ولا بد من جعل الأمن الاجتماعي فوق كل اعتبار، وأن ليس في الإمكان خير مما كان، اليوم واليوم أكثر من أي وقت مضى، لم يعد لهذا الكلام معنى، ولا للخطابات الرسمية ما يبعث على صبر دقيقة أو ثانية، لسماع الهراء، والزبد الذي يذهب جفاء خاصة مع أول طائرة تحلق في سماء غزة، وتقصف بلا هوادة، تضع المجاهدين والنساء والأطفال والبيوت والمساجد والمعاهد والمستشفيات والمزارع والمدارس في سلة واحدة. ومع أول دبابة تتوغل في شوارع غزة باحثة عمن لم يجد طعاما يأكله لتأكله، ولا طعما للنوم لتذيقه النومة الهادئة المطمئنة الشاملة.

لم يعد للخطابات الرسمية معنى، بل حتى أصحاب الجلالة والمهابة لم يروا لخطاباتهم معنى فتواروا بالحجاب لانشغالهم بما هو أهم من صور الدمار، وأعمدة الدخان وكسر العظم ورائحة الدم، أو لأن الوقت قد تجاوز الإدلاء بتصريح كسيح، أو تبرير بليد، أو تسويق سخيف لموقف “شريف” “نظيف” يتربع على عرش الأنقاض خاو الوفاض إلا من انتزاع رضا الأسياد عمن التزم الحياد، أو ساوى بين الضحية والجلاد.

دعونا نصدق أن هناك بين القنافذ أملس. دعونا نحلم ـ حلم يقظة لا منام ـ أن هناك في العالم المتخم موضع قدم لإحساس بألم من يتألم. دعونا نترجم جميعا ولكل لغات العالم في محاولة لإقناع الرأي العام أن للعالم نظاما، أو مجلس أمن وهيئة أمم، كذبة منبرية بلقاء، لنفترض جدلا أنها ليست كذلك، فهذا لا يعني للأحرار شيئا، ولن يقدم في الموضوع رجلا أو يؤخر أخرى، ما دام حكام العرب وحكوماتهم أسرى لأشباح ظلال أذيال الدول الكبرى وأشياء أخرى.

أمريكا تدافع عن حقها المزعوم في الوجود أمام إرهاب صنعته، ونمّته، ولم يعد لها من حلّ إلا أن تدعم المحتلّ وبمنطق مختلّ.

إسرائيل تدافع عن حقها الموهوم في الوجود أمام من لم يروَّض له ظهر لِيُركب نحو هدف تهويد ما بقي من فلسطين بعدما باع عباس الضفة، وأمّن له حكام الجوار بالحصار أن يُجَوّع الجار، تمهيدا لتدخل آليات الدمار لعقر الدار لتصادر وجود الأحرار في انتظار قرار أن يجتمع أصحاب القرار للدعوة إلى الحوار تحت رقابة دولية تواصل مشوار التدمير بالإجهاز على حق الشعب في تقرير المصير.

إيران وحزب الله وسوريا وجدتها فرصة لتبين أنها بالحياد لا أقل، أو الشجب المشلول أمام آليات المحتل، تقول بما قل ودل أنْ هادناكم فهادنونا من فضلكم، أو خففوا من لهجة تجريمكم لنا مكافأة على هذا الجهد المبذول والتراجع المسؤول عن خطاباتنا النارية ضدكم، فَلِأَهل السنة دماء ولنا دماء، وهذا يخذل حماسا عدوكم ويفتل أساسا في حبلكم.

أما ساركوزي فهو جبهة مستعدة لكل الاحتمالات: للنجمة السداسية، ودينار الصلوات ولصفعة أخرى من حذاء منتظر آخر نهاية الأمر. ليس لديه ما يخسره، وكل تعاطف ينتزعه هو ربح له.

وأما باراك أمريكا، وباراك إسرائيل، ومبارك الفراعنة، ولحكمة أراد الله اجتمع في هؤلاء الثلاثة حروف جماعها رَكبُ الكِبْر، فلا يسعنا إلا أن نقول لهم الواحد تلو الآخر: لا بارك الله فيكم ولا في سعيكم، ولا فيمن رباكم على ركوب نفوسكم. كبر مقتا عند الله ما تقولون وما تفعلون، وما تتوهمون أنه واقع بالمسلمين الصادقين، والمؤمنين المجاهدين، والمحسنين الشاهدين.

أما باراك أمريكا بانتظاره البليد، واستقالته من مهمته كإنسان حر مستقل، وانخراطه في إرث سابقه ليكون شر خلف لشر سلف، فنقول له: خَذَلْت لونك وأصلك وأهلك ومن صوّت لك وأبنْت على أن ملة الكفر واحدة.

وليهود باراك نقول: إن نَعْتك بالثعلب شرف لا تستحقه وإن الدموع التي أسلتها والدماء التي سفكتها أنت من معك ومن خلفك، ومن أمامك، ومن تحتك، ومن فوقك، وما عن يمينك وشمالك لن تمضي سدى ولسوف تتحوّل طوفانا هادرا يجرفك إلى القاع، ويردّ صاعك بألف صاع. فالدنيا متاع فلا تغتر، وشارون الذي لا يموت فيها ولا يحيى شاهد إثبات على أن الله يمهل ولا يهمل، وأن نهاية الطغاة تبعث على الشفقة، وقد أخذ الله من هم أكثر منك قوة وأشد بأسا أخذ عزيز مقتدر، ولعذاب الله في الآخرة أكبر.

وأما مبارك فإن هزيمة 1967م التي أعقبت قتل سيد قطب من قبل العبد الخاسر جمال عبد الناصر أهون من هزيمة تعقب من ساهم في قتل شعب مرابط مجاهد صابر بالتواطؤ المعلن والمضمر، بإغلاق المعبر والتفاوض المنكر فوق الدماء والأشلاء على التدويل والتذليل لتسليم القطاع إلى القُطَّاع، والانتقال من الضفة إلى الضفة الأخرى لإتمام مسلسل التهويد:

وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد.

لم يبق بعد هذه الحثالة والنذالة إلا صادقون أربعة ليفْني وأردوغان وتشفيز والشعوب العربية.

ليفني صدقت لأنها نطقت وقالت إن إسرائيل تحارب نيابة عن دعاة السلام في العالم، وخاصة عن الحكام العرب والحكومات العربية والسلطة الفلسطينية حيث تمثل حماس عدوا مشتركا لكل هؤلاء، ورمزا لأعداء لها في كل الأنحاء. فانتصار إسرائيل هو انتصار لهم، وانتصار حماس هو تهديد مباشر لهم: تهديد مستمر ومنتشر ومنذر.

صدقت وهي الكذوبة، فلتهنأ لها النيابة وليَحسِب كل حسابه.

وأوردغان رئيس وزراء تركيا صدق أنْ جَرَح الكيانُ الإسرائيلي نخوته، وأهان دولته، فانتفض رافضا صفعته ووقف إلى جانب الحق بصدق قائلا: إسرائيل هي المعتدي، أولا لأنها احتلت الأرض، وثانيا لأنها حاصرت الشعب، وثالثا لأنها خرقت الهدنة المتفق عليها، ورابعا وخامسا وعاشرا لأنها تقتل شعبا أعزل تحت يافطة الدفاع عن النفس ضد صواريخ حماس، وما هي إلا حملة انتخابية لا أخلاقية فوق الجثث والأشلاء وأنهار من دماء الأبرياء، جريمة حروب لا حرب واحدة، يسجلها التاريخ بمداد من العار والصغار والشنار لمن لن ينفعهم ندم عند حلول ساعة الحساب في الدنيا قبل يوم الحساب.

وتشفيز الرفيق من فعل ولم يكتف بالقول المباح، وطرد سفير المحتل ليصفع بفعلته الشجاعة هذه قفا كل رفيق مهود، وكل حاكم مُرَوّض ومقيد، وليؤكد أن من سنن الله أن ينصر دينه وأولياءه بالرجل الكافر عسى أن يكون من حسنات حماس إن شهِد ووحّد.

ولم يبق صادقا إلا الشعوب العربية الحرة المستقلة الأبية التي خرجت عن بَكرة أبيها تشجب، تندد، تبكي، تدعو، تتظاهر بدون تظاهر وتعلنها صريحة واضحة جارحة جامحة راجحة حماس هي تاج الرأس، وهي شوكة العرب والمسلمين، وهي النموذج الناجح لحركة داعية للحق، واعية بمسؤولياتها التاريخية، راعية لحقوق شعبها ساعية لتفويت الفرصة على الحملة الانتخابية العالمية التي تقودها “إسرائيل” في الولايات المتفرقة الأمريكية، لصالح الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تهويد العالم، وتجريده من إحساسه، وتجنيده لخدمة فرعون العصر، وهامانه، وقارونه، وجنوده وحراسه.

ويبقى صدق واحد ننتظره من هذه الشعوب، لعل تراكمات الحروب لا يؤدي إلا إليه، ولا يؤكد إلا عليه، وليست إلا مقدمة بين يديه: الحرب على أفغانستان، على الشيشان، على الصومال، على السودان، على لبنان، على تركيا، على إيران، وعلى غزة العزة هو ما تكرر ليقرر أن مؤازرة حماس الآن هو الأساس، وهو غدا أساس لبناء يجعل العالم العربي الإسلامي كله حماس في حماس، لنسمع في يوم من الأيام صوت الإسلام يقول عبر شاشات الإعلام: أيها الحكام شعوبكم تخاطبكم، تقول لكم: لقد جربتم نظم الدنيا ولم تفلحوا. لقد قهرتم بالسيف والنار والمنع والحصار ولم تستطيعوا وأد حركة الإسلام ولن تفلحوا. لقد أعملتم آليات الخراب والدمار في الإعلام والتعليم والمحاكم والإدارات والبرلمانات… فلم تنجحوا في خنق صوت الإسلام بل أطفأ الله ناركم وأتم نوره. وها أنتم وقد أجمعتم على ضرورة إعمال الدخيرة الحية لأعتى قوة عسكرية في شعب أعزل فلم يكن إلا الفشل، فهلا أصغيتم إلى رسالة الإسلام قبل نذير الطوفان لتَدَعوا هذه الشعوب تقرر مصيرها بعيدا عن المملى والمستجدى، ولتقود الأمة نحو ما لم يستطيعوا تحقيقه أو نحو ما اجتهدتم وسعكم للمنع دون تحقيقه موجزا في هذا البيان الساحر من ربعي ابن عامر: “الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

هذا هو الطريق وهذه معالمه. ولندع لسيده وقطبه مسك الختام قبل السلام:

“إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه .. إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق، وإنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل .. إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود .. فأنى يجد في نفسه وهنا أو يجد في قلبه حزنا. وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود؟

إنه على الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وليكن للضلال سلطانه ، وليكن له هيله وهيلمانه، ولتكن معه جموعه وجماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق شيئا، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق – وهو مؤمن – ولن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال ..

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد

سلام سلام

لهم في ضفــة الأقصى انبطــاح *** وغزة هـــاشم فيها اجتـــياح
ضحـــايانا بـلا حصــر وأنّى *** لنا الشكـــوى وكلّ مستـــباح
قرانا والحـــواضر والفيـــافي *** منـــازلنا استبيحت والمِــراح
ومجـــلس أمنهم يشهي دمـــانا *** على أشـــلائنا تُلْقى القــداح
ونحن العُـــرب حيرى أو صموت *** وإن قـــلنا نُبــاح أو ضُبـاح
وإســـرائيل خصــم لا يبــالي *** وأمــريكا هي الحَكَم الصُّـراح
تــؤازه بفعـــال وغــــال *** فمــال أو فصــاح أو صفـاح
ونحــن نـــؤازر الأغـلى بقال *** ودعــم القول تــذروه الريـاح
معــابر أُغلِقت في وجـــه شعب *** يعــاني الحصر تهمته الكــفاح
ويفعـــل فيه أذيــال الأعــادي *** مجـــازر لم يوقعها الســلاح
إعـــانات لهم قيــد انتظـــار *** وهل يا قــوم تنتظر الجــراح
ومن مـــاتوا ومن عطشوا وجاعوا *** ومــن كلّ بحقّــهمُ مبـــاح
قنابل حـــارقات ليس ينــــجو *** أناس من لظـــاها والبطــاح
وأعــداء الشعـــوب بلا ضـمير *** وفي جــولاتهم بالسرّ باحــوا
حمــاس قطب إرهــــاب تنامى *** وإن بقـــاءها خطر صُــراح
وليس عــلى اليهــود ولا عليــنا *** إذا رُمــنا إزاحتــها جُنــاح
إذا لم نتحـــد ضدًا عليـــــها *** فلا أمـن يــرجَّى أو فـــلاح
وإن فازت حمـــاس لا أمـــان *** ولن يَسَــعَ الحكـومات افتضـاح
وحــزب الله لم يعرف رجـــوعا *** ولم يُكبـــح لثــورته جمـاح
غدَا بعد انتصـــار في اغتـــرار *** ولم يُشهــد لغـــدوته رواح
إذن فالحـــرب غايتــها حمـاس *** فلا ارتــاح اليهود ولا أراحـوا
إلى أن يسقـــط “الإرهاب” أرضـا *** ويعــلوَ فوق جـثته السمــاح
ودُم متظـــاهرا واشجب ونـــدد *** فيا شعــب الأَسى كلٌّ متــاح
لكن القضـــاء على حمــــاس *** قضـاء لا يغيــره اللَّقـــاح
ألا صبـــرا حماس العــزّ صبرا *** فما بعد الــدّجى إلا الصّبــاح
ألا شكـــرا يا أبطال شكــــرا *** بعـــزتكم علا منّا الجنـــاح
ألا بشــــرى لكم والله بشـــرى *** مليــح القوم يهواه المِــلاح
ألا عـــذرا لكم يا قوم عــــذرا *** وهل يــرجى لمأسـور سراح
وهل يأسو جـــراح القدس أسـرى *** وهل تجــدي الإدانـة والنّواح
متى يقتـــص فاروق لمســـرى *** نبي الله أو يــأتي صـــلاح
ألا فلنقـــرأ السبـــع المثــاني *** على شهـــدائنا هذا اقتـراح
وكبّر أربــعا حـــزنا ويأســـا *** على أمـــم أئمتــها قبـاح
وصـــل على محمدنا صــــلاة *** بها يــرجى لكُـربتنا انـزياح
وسلم مكـــثرا أزكى ســـــلام *** سـلام الصبّ للصـدر انشراح