يحتفل العالم الإسلامي بالعام الهجري الجديد والشعب الفلسطيني يحترق بالقنابل الصهيونية، والحصار العربي المُخزي الذي تتزعمه الجارة مصر وتباركه أغلب الدول العربية، يتواصل ويتأصل. إلا أن ما يعانيه أهل غزة في فلسطين اليوم، قد عاناه الصحابة الكرام إلى جنب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث كان أذى المشركين وذوي الجاه والنفوذ في مكة بليغا في النفس والأهل والمال والولد. إيداء عصف بقلب فاطمة الزهراء رضي الله عنها، يوم أن رأت آثار الإيذاء دماء وجروحا على الوجه الطاهر، ورأى الأب الرحيم دموع الألم والأسى تنحدر على الوجنات الطاهرة، فما زاد أن قال أتبكين يا فاطمة ؟؟ “والله ليُتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون”..

فلما تواصل الأذى أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، فانطلق إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأمره أن يتخلف بعده ريثما يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لِما يعلمون من صدقه وأمانته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا والمشركون مجتمعون على بابه يتربصون به ليقتلوه، فألقى الله عليهم سِنة من النوم فخرج رسول الله في أمان من الكفار وترك عليا في مكانه نائما على فراشه الطاهر فواصل رسول الله المسيرة إلى أن وصل المدينة المنورة برسول الله.

نماذج خالدة

تمر السنين والأعوام وتبقى الدروس والعبر من الهجرة النبوية منهاجا للمسلمين يقتدون به في حياتهم العامة والخاصة فهاهم المجاهدون في فلسطين تٌُعرض عليهم الدنيا بمتاعها وتُعرض عليهم المناصب والأموال مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاشم ويرفضون، ويصرون على مواجهة العدوان، والمرابطة في سبيل الله، وهم كذلك في المغرب وفي سائر بلاد العالم يرفضون الجلوس مع الظالمين والمُطبعين مع الكيان الصهيوني مصداقا لقوله عز وجل: وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القوم الظالمينَوهذا واحد من أصحاب رسول الله يعطينا الدرس إنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجهر بالقرآن على ملأ من المشركين، فينهالون عليه بالضرب حتى تسيل دماؤه. ولما رأى أصحابه ما هو عليه من الإيذاء، قالوا: ما كان أغناك عن هذا؟؟ فكان رده المفحم الباهر: والله لأغاديهم به الغداة.. لم يجزع لما أصابه، ولم ييأس، وإنما صمم على تبليغ الدعوة إلى الله، إنه مؤمن، والمؤمن الوثيق الصلة بربه، لا يبالي على أي جنبٍ كان في الله مصرعه.

كما نعلم أن عثمان بن مظعون كان داخلا في جوار الوليد بن مغيرة، فسلم من أذى المشركين تقديرا لذلك الجوار،-كما يسلم رئيس السلطة الفلسطينية اليوم ورؤساء العرب – فلما رأى ما عليه من الأمن والسلامة ورأى ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الإساءة والاعتداء، قال يحدث نفسه الأبية: أروح وأغدو آمنا في جوار مُشرِك، ورسول الله وصحابته يعذبون والله ما هذا من الإيمان في شيء، وانطلق إلى الوليد يرد عليه جواره الحامي المنيع. وعلم المشركون بأنه لم يعد متمتعا بذلك الحمى، فانهالوا عليه ركلا وصفعا حتى أفقد إحدى عينيه، فلما عتب عليه، قال الرجل المؤمن الصادق المخلص المضحي في سبيل الله: والله إن عيني السليمة في حاجة لما أصاب أختها ابتغاء وجه الله، فطوبى لإخواننا الشهداء وطوبى لكل من اختاره الله ليكون من المجاهدين، أنرضى بجوار المشركين الجدد، ونترك إخواننا يعذبون والله ما هذا من الإيمان في شيء؟؟؟

جهاد ونية

وفي معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”ويقول كذلك “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها”. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: والهجرة المطلوبة في حق الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة في عصرنا هجرة معنوية. أول خطوة فيها هجرة ما حرم الله. ثم قطع ما يربطنا بالماضي قبل التوبة. وبالتعالي على حاضر الفتنة. وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له.) 1

فالهجرة نقلة نفسية لا نقلة مكانية، نقلة تنقلنا إلى الجهاد في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين وهذا يتطلب تعبئة شاملة، في إبطال الباطل وإحقاق الحق لا يكفي جهاد الحجة إنما يكون الجهاد المطلوب جهاد التحرك العسكري، والزحف والنزال، والصمود حتى النصر، وبعده إلى يوم القيامة.

إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.


[1] المنهاج النبوي ص 170.\