كشفت مجزرة غزة الرهيبة عن رسالة واضحة إلى كل الشعوب العربية التي قد تتجرأ يوما ما على اختيار زعماء أو قادة لا يحظون بموافقة «إسرائيل»، أو دعم الاتحاد الأوربي ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك هو المفهوم الجديد للديموقراطية التي تحاول تلك الأطراف الثلاثة تسويقه وتصديره إلى العالم الثالث، وإن اقتضت الضرورة فرضه بلغة الحديد والدم والنار.

وتبعا لهذا المفهوم الجديد للديموقراطية، صار مفروضا على الشعوب العربية ومن شابهها قبل أن تقدم على اختيار زعمائها وممثليها أن تطلب من أمريكا أن تصنع قائمة بأسماء القادة والزعماء الذين يحظون برضاها وعطفها، وتعرضه على البرلمان الأوربي لإصدار قرار بشأنه بتعديله أو مباركته، وتقديمه إلى “حكماء” «إسرائيل» ليعرجوا به على حائط المبكى بالقدس وكل الأراضي التي سقتها «إسرائيل» بالدم الفلسطيني في صبرا وشاتيلا، في خان يونس وكفر قاسم ودير ياسين وجنين… الخ. حينها فقط يصبح من حق العرب اختيار الزعماء المتمتعين بشرعية دولية تجنبهم العقاب الجماعي الذي قد يتعرضون له إذا ما غضب طرف من الأطراف الثلاثة على زعمائهم.

لذلك فإن الحصار الجوي والبري والبحري الذي تعرض له قطاع غزة منذ وصول حماس إلى السلطة يهدف إلى خنق تجربة ديموقراطية فريدة من نوعها وهي ما تزال في المهد، أي قيد التكون. وعليه كانت «إسرائيل» تنتظر من الحصار أن يحدث انقلابا في القطاع وذلك بتأليب سكان غزة على ممثليهم من حماس وتحمليهم مسؤولية التجويع الذي تعرضوا له، وإرغامهم على الابتعاد عن السلطة وتنصيب مكانهم زعماء أو قادة تربطهم ب»إسرائيل» وشائج الطاعة والولاء.

لكن الحصار، حصار التجربة الفريدة في القطاع، أدى إلى نقيض النتائج المنتظرة والمتوخاة. تشبث سكان القطاع بالزعماء والقادة الذين اختاروهم عن طواعية ودون إكراه. فتحولت غزة إلى لحمة واحدة تواجه الاحتلال بما أتيح لها من وسائل، وتجابه الحصار بالصمود والاستمرار على قيد الحياة. على ضوء تلك التطورات، أدخلت «إسرائيل» تعديلات على خطابها قبل أن تعدل استراتيجيتها الرامية إلى “رمي قطاع غزة في البحر”. تمثل ذلك التعديل في إدراج سكان غزة بدورهم، إلى جانب قادتهم في حماس، ضمن خانة الإرهابيين. فتحولت غزة برمتها بقادتها وشعبها وبناياتها وكل ما تأويه من حيوان وجماد إلى أخطر بؤرة في العالم تأوي مليونا وسبعمائة ألف إرهابي.

واقتضت الضرورة، ضرورة حماية أمن «إسرائيل» والعالم المتحضر المساند لها والمؤيد لخطواتها والمدافع عنها في المحافل الدولية نيابة عنها من خطر وهمي قادم من غزة، وحماية الدول العربية المتحالفة والمتواطئة معها بالصمت من عدوى تلك التجربة الفريدة، اقتضت الضرورة شن حرب شاملة لا تستثني أحدا.

تتعرض كل تجربة فريدة حديثة النشأة إلى مختلف أشكال الحصار قصد القضاء عليها قبل أن يمتد مفعولها إلى مناطق أخرى. حدث ذلك مع الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، والثورة الروسية في القرن العشرين، والثورة الثقافية في الصين وانتهاء بالثورة الإيرانية في أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي. لكنها لم تصل إلى درجة شن حرب إبادة جماعية على زعمائها والمتعاطفين معها كما حدث في غزة.

لا أحد ينكر أن نـجاح حماس في الانتخابات ووصولها إلى السلطة في القطاع، وانتصار حزب الله على «إسرائيل»، واستمرار إيران في برنامجها النووي، أدى إلى انتعاش الحركات الإسلامية في عدد من الدول العربية، وصارت تستقطب عددا من الأتباع والمتعاطفين معها، بل إن الحركات الإسلامية صارت، في حدود معينة، تمثل الصرح الوحيد الذي صمد في وجه مسلسل الانهيارات المتلاحقة للتيارات الإيديولوجية والأنظمة المجسدة لها والتي ظلت مهيمنة على الساحة العربية لفترة من الزمن. وقد ازدادت تلك الحركات قوة منذ اللحظة التي خرجت من العمل السري، والعمل المبني على العنف وقبلت بقواعد اللعبة الديموقراطية. وصارت تشكل عنصرا أساسيا من عناصر الساحة السياسية العربية، بل يمكن القول على أنها صارت تمثل قوة من قواه بالنظر لحجم المساندة والتعاطف الذي لقيته.

لذلك، فإن صمت الأنظمة العربية، التي تحولت إلى مجرد مومياءات محنطة، تجاه الحرب الدائرة رحاها بغزة هو صمت له دلالتان على الأقل: الأولى تتجلى في كون جل تلك الأنظمة لا تستطيع أن تنقلب على “ولي نعمتها” في وصولها وبقائها في السلطة أي أمريكا والاتحاد الأوربي. فأغلب تلك الأنظمة لم تصل إلى السلطة عن طريق انتخابات نزيهة، وإنما عن طريق الدعم الأمريكي وإعلامه القادر على أن يقلب كل المعادلات والمفاهيم. وذلك ما يعني أنها لا تحظى بتأييد شعبي يمكن الاعتماد عليه في أوقات الشدة. وفي ظل غياب الدعم الشعبي لم يبق لتلك الأنظمة سوى الدعم الخارجي ممثلا في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة المتحالفين مع «إسرائيل» والمدافعين عنها. فكيف يمكن لأنظمة غير ديموقراطية أن تتضامن مع زعامة وصلت إلى السلطة بطريقة ديموقراطية، معتمدة فقط على الدعم الشعبي الذي ناصرها واختارها لتمثيله زمن “الرخاء”، والتحم معها وضحى بدمه من أجلها زمن الشدة؟.

في حين أن الدلالة الثانية للصمت العربي تجاه مجزرة غزة هي أن «إسرائيل» تنوب عن الأنظمة العربية في عملية اقتلاع تجربة ديموقراطية فريدة من جذورها. تجربة ساهمت في الماضي في انبعاث العقل والفكر العربيين، وانتعاش الساحة الثقافية والفكرية، وجعلها تغلي بالنقاشات والمناظرات، وحررت الوعي العربي من السياج الذي تريد الأنظمة أن تحاصره فيه، وتمنعه من الاشتغال والتفكير. وفي هذا السياق بالتحديد، تحولت غزة من جديد إلى نفحة أوكسجين لعالم يختنق، إلى بارقة أمل في تحقيق نصر، نصر سيؤدي وبالضرورة إلى استعادة الثقة في الذات المثخنة بالانتكاسات المتوالية والهزائم المتلاحقة، وبعث الروح فيها من جديد علها تنهض وتنبعث من رمادها، وتستيقظ من غيبوبتها. على أن ما تخشاه الأنظمة العربية بالذات هو أن تكون تلك اليقظة مرعبة. كلما راحت شعوبها في غيبوبتها، وانشغلت بإشباع بطونها ورغباتها إلا وأحست تلك الأنظمة بالأمن والطمأنينة على مناصبها، واستمرارها في لعب دور البطولة على مسرح آلام ومعاناة شعوبها.

وبالنظر لكل ذلك، انشغل حكام العرب، حكماؤهم، في هذه الأيام العصيبة والسنوات العجاف من تاريخهم المجيد المرصعة حلقاته المتوالية بالهزائم، المطرزة صفحاته بالانكسارات المتعاقبة المؤدية إلى “قمة الحضيض” المفتوحة على أفق مفتوح على مزيد من التردي وينذر بدخول كهنة الدم إلى آخر المعاقل التي ما تزال تمانع الواقع المفروض، وتشاكس المجهول وتناور في حلبة انعدام تكافؤ القوى، انشغل هؤلاء السادة بتطورات الهجوم الإسرائيلي على غزة. فانكبوا للتشاور بشأن العاصمة العربية الأنسب لعقد مؤتمر قمة غير عادي لدراسة القضية المطروحة عليهم وصياغة الرد المناسب بشأنه. مرت عشرون يوما من القتل والفتك والتدمير والقصف المتواصل ليل نهار ولم يجمع الحكماء الأشاوس على مكان انعقاد المؤتمر: شمال إفريقيا أم الخليج. وبعد جهد جهيد، وأخذ ورد تم الاتفاق على عقد تلك القمة في دولة من دول الخليج العربي “المناضلة” تماشيا مع سياسة القرب وحسن الجوار، وبالقرب من القواعد العسكرية الأمريكية تحسبا للطوارئ.

اهتم الحكماء العرب بالمكان ولم يعيروا للزمن أدنى اهتمام. لا يهم الزمن لأن عشرين يوما من القصف ليست سوى لحظة من اللحظات العابرة كالنزوات في تاريخ الحكم العربي الخالد. بينما الموقف حرج ويتطلب مزيدا من ضبط النفس، مزيدا من التعقل والتبصر، مزيدا من الحكمة التي ارتشفها الحكام العرب، حكماؤهم، من الحليب المصنوع بأمريكا، والعصير المستورد من «إسرائيل»، والنبيذ القادم من مزارع فرنسا. لا يهم الزمن لأنه ما يزال في غزة فائض سكاني يستطيع أن يتحمل، لما عهد فيه من صبر وتجلد، ما تجود به الطائرات من قنابل، وما تسخى به الدبابات من قذائف، وما بوسع البنادق أن تقذفه من رصاص. لا يهم الزمن لأنه ما يزال في غزة حطب بشري للتدفئة في زمن الصقيع العربي السرمدي. الزمن لا يهم لأن أرض غزة التي ارتوت بدماء أبنائها صارت طرية لاستقبال مزيد من الأشلاء. الزمن لا يهم لأن الطائرات الإسرائيلية لم تستنفذ بعد كل ذخيرتها، والخبراء الأجانب لم يكشفوا بعد عن الآثار الفعلية للأسلحة الجديدة المجربة في مختبر غزة. لا يهم الزمن لأن المقاومة ما تزال بحوزتها أسلحة ادخرتها لأوقات الشدة.