طال العهد بالمسلمين من جراء غفلتهم عن ربهم حتى ران على قلوبهم أو كاد، ففترت علاقتهم بكتابه وما فيه من الآي والذكر الحكيم، حتى الذين ما زالوا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار تلاشت المعاني الحقيقية لبعض آياته في نفوسهم فيكتفون بقراءتها رسما وحرفا ولا تومض معانيها في قلوبهم لتزيدهم يقينا في ربهم إيمانا به وتصديقا بما جاء به رسوله صلى الله عليه سلم من البشارة النذارة والهداية. فكم من آية قرآنية واضحة الدلالة فيما تنطق به من الحق المبين لكن يحسب الناس أن مدلولها أضحى جزءا من التاريخ حين مضت أسباب نزولها، خاصة تلك التي تعد المومنين بالنصر وعلاقة المسلمين بأعدائهم من اليهود والنصارى وما يضمرونه من حقد وعداوة وما أعده الله لعباده من النصر والتمكين وحتمية انتصار الحق وإن قل عدد جنوده وزهق الباطل مهما كثر جحافل أزلامه، فتردهم يد الحكمة الإلهية بالابتلاء والمحن ردا جميلا إلى باب مولاهم لينقطع الرجاء إلا منه سبحانه وتهفو القلوب آنية إلى ربها رجاء فيه وطلبا للعون والسداد منه وحده، وبذلك تتجدد علاقتهم بالقران وتشرق معاني آياته في قلوبهم نور يقين وإيمان وتصديق. وها هي آيات الله المشهودة تتحقق في غزة من جديد وسننه الثابتة في ملكوت كونه تترسخ على أرضها المباركة عما قريب.

إفساد اليهود وعلوهم في الأرض

في غرة شهر محرم الحرام الذي حرم الله تعالى فيه القتال وكان الناس حتى في جاهليتهم يقدسونه ويحقنون فيه الدماء وتضع فيه الحروب أوزارها، لكن أبى الصهاينة الذين لا دين ولا خلاق ولا عهد ولا ميثاق لهم، ولا ينضبطون لشرائع السماء ولا لأخلاق الأرض، ولم يشموا في كل تاريخهم الحافل بالعدوان والإجرام رائحة المدنية والحضارة والقيم الإنسانية التي تعارفت عليها الشعوب المتحضرة في السلم والحرب، أبوا إلا أن يجعلوه شهر دماء وأشلاء ودمار وتخريب بيوت الآمنين على رؤوس من فيها من الأطفال والنساء والمرضى والعجزة، تدمير وقصف لبيوت العبادة على أجساد الركع السجود لمولاهم، وهذا برهان حقد وعنصرية وإجرام وغلو في الأرض لم تر الإنسانية لمثل هذا العدوان والغطرسة والاستكبار نظيرا وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً.

غزة آية من آيات الله المشهودة

لو قدر لشعب أن يذوق النزر اليسير مما عاناه شعبنا في غزة من تجويع وتدمير وتخريب وحصار ومنع أبسط مقومات الاستمرارية في الحياة، لاجتث من فوق الأرض وزال واندثر. كيف لا وقد تمكن العدو في سنة 1967 من دك الجيوش العربية مجتمعة في غضون ستة أيام لأنها كانت تحت راية عمية ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ. فراهن الصهاينة وحلفاءهم في الفصل الأول من خطتهم الحاقدة والغبية على سقوط غزة راكعة تحت أقدام قوى الاستكبار والرضي بما ستمليه عليها من شروط في ظرف وجيز، أو سيخرج الشعب إلى الشوارع متبرئا من المقاومة، فأعطت غزة وشعبها ومقاومتها وقادتها الدليل والبرهان أن الله تعالى موجود بقوته وحفظه ونصره مع المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويقينا، فمن كان الله معه لو اجتمعت الإنس والجن عليه، ولو تآمرت كل قوى الأرض على أن يضروه مازادوه إلا قوة وثباتا. وبهذا الثبات ستحيي غزة في قلب الأمة يقينا في موعود الله الذي وعد عباده المستضعفين بالاستخلاف والتمكين بعد هذا الاستخفاف والاستضعاف وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. في غزة اليوم تباشير الوعد تتحقق ورايات النصر والتمكين للأمة تخفق من جديد، بشراك غزة العزة بهذا الشرف، فمنك فجر حرية المستضعفين يلوح، كيف لا والله تعالى جعل من ترابك أولى القبلتين وها أنت يا غزة اليوم أولى قبلة النصر الجديد.

في غزة تبخرت أوهام السلام

بعد طول محن وانكسارات في تاريخ المسلمين وهزائم توالت على رؤوس الأنظمة الحاكمة في بلدانهم في صراعهم مع دولة بني صهيون، يريد دعاة الاستسلام أو سراب السلم وأوهام التعايش مع اليهود يريدون أن يرتبوا مقدمات ممهدات من معطيات تاريخ هزائمهم ليوهموا شباب الإسلام أن لا سبيل إلى العيش إلا بالتعايش والرضي بهذا الكيان الغاصب الذي أصبح واقعا جاثما في قلب الأمة يستحيل تجاوزه، في نظر أصحاب هذا المنطق المخبول والجهل والخطل بسنن الله تعالى والجحود والتعالي على حقائق القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي تؤكد تأصل ما في قلوب اليهود من عداوة للإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء. وستبقى هذه العداوة راسخة في قلوبهم إلى يوم الدين، لا يمكن أن تتحول في أي ظرف من الظروف إلى محبة وألفة، لان الله تعالى الذي خلقهم عالم بأسرارهم وما تكنه صدورهم حين لعنهم على لسان أنبيائه بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وتطاولهم على الذات الإلهية بقبيح الظنون وفحش الكلام وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ كما تآمروا وبئس ما دبروا على قتل نبينا صلى الله عليه وسلم فأخزاهم الله وفضح طويتهم وأجلاهم رسول الله وكتب الله تعالى عليهم الجلاء والخزي والتشتت إلى يوم القيامة، وسيسخر الله تعالى من يشاء من عباده ليسومهم حكم الله فيهم في كل وقت وحين، كما سخر لذلك الفاروق عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي وعز الدين القسام وأحمد ياسين وشباب المقاومة ورجالاتها في هذا الزمان. قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ.

في غزة تجسد المعنى الحقيقي للموت والحياة

تتجدد الحياة في شرايين الأمة بصمود غزة وجهادها، وتموت في الأنظمة العربية ما تبقى من النخوة والرجولة والقيم الإنسانية. الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بالرضوان والجنة، اختارهم الله تعالى إلى جواره مخضبين بدماء الشرف في ساح العزة والجهاد، وفي دمائهم نور سينير للأمة دربها نحو عزتها ومجدها في ظل الخلافة الثانية على منهاج النبوة. وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

فبقدر ما تحزن النفس وتدمع العين وهي ترى أشلاء القتلى ودماء الجرحى من الأطفال والنساء والشيوخ، وهو حزن فطري وعاطفة إنسانية يتساوى فيها بنو البشر، بقدر ما ترقص النفس المؤمنة المطمئنة طربا وفرحا وهي تزف قوافل الشهداء الشفعاء للأمة عند ربها، فبدمائهم يسطرون للحياة معنى، حياة الخلود والعزة والكرامة والشرف، فلا نامت أعين الجبناء.

في غزة تأكد موت الرجولة والإيمان في ضمير النظام العربي الرسمي، هذه الأنظمة الأقزام والخشب النخرة التي تعجب الغافلين بجيوشها وفيالق قوات أمنها وهي تبطش بالمتظاهرين الناصرين لإخوانهم في غزة، وتسيم بمخابراتها ألوان العذاب والظلم لشباب الحركة الإسلامية في مخافر شرطتها وسجونها، أظهر الله حقيقتها وهي أعجز من أن تنطق بكلمة شجب أو تنديد بل أعجز حتى أن تلتئم في إحدى قمم الاستعراض والواجهة، ويا ليت أمرها توقف عند حدود الصمت عن العدوان بل أظهرت غزة للأمة ما كان مستورا من تآمرها وتواطئها مع العدو، فأصبحت هذه الأنظمة شريكا له في إجرامه وعدوانه على المسلمين، فهذا برهان قاطع لكل من مازال يراهن عليها مطية للتغيير الإسلامي المنشود أو ينتظر توبتها كتوبة عمر بن العزيز، فلن يتحقق للأمة كيان ولن تنهض لها قائمة إلا على أنقاض هذه الأجسام البالية النخرة فشتانا بين القادة والأقزام. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

الذي باركنا حوله

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ بارك الله تعالى المسجد الأقصى وبارك ما حوله منذ الأزل وجعله موطنا لأجساد أنبيائه ومن اصطفاهم من أوليائه وخيرة عباده وهو أولى القبلتين، إليه توجه المسلمون في صلاتهم وهم بين يدي رب العزة قائمين. وازداد هذا المكان الطاهر بركة على بركة وطهرا على طهر وقدسية إلى قدسية حين أسري بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إليه وصلى بالأنبياء فيه إماما، فسيبقى هذا المكان وما حوله طاهرا ومباركا في كل جيل وحين، وتتأكد هذه القدسية والبركة بقوافل الشهداء الذين يروون أرضه بدمائهم الزكية . فها هي غزة تعطي الدليل من جديد بدماء شهداءها أن هذه الأرض مباركة بما تعطيه من أرواح أهلها قربانا لله، وستظل هذه الأرض معطاءة، وخاب من ظن فيها غير هذه البركة وهذا العطاء. بوركت يا غزة أرضا وبشرا وحجرا ولن توقف آلة الحرب الصهيونية الحاقدة بركة هذا العطاء بل ستزيده وهجا ونورا.

في غزة آية الوحدة والتوحيد

وحدت غزة بجهادها وصمود شعبها ومجاهديها الأمة من أقصاها إلى أقصاها فأظهرت أن أوهام دويلات الاستعمار وحدوده التمزيقية لهذه الدويلات ما هي إلا أوراق خريف سرعان ما تتلاشى وتنهار، لتظهر الأمة المحمدية على حقيقتها واحدة موحدة من غربها إلى شرقها، عربا وعجما، سنة وشيعة. كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ فالصوت واحد والجسد واحد والدم واحد والعدو واحد، المومنون بعضهم أولياء بعض واليهود والنصارى ومن حالفهم أولياء بعض يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَوَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ملتهم غير ملتنا ومن والأهم وواطئهم فهو من ملتهم.

فغزة رمز غزة أمتنا ونبض وحدتها من جديد ودماء غزة ستسطر صفحة أخرى من صفحات وحدة أمتنا المجيدة، وكلما توحدت الأمة في آلامها إلا ازدادت ضيقا بحكامها الذين زادهم الموقف مما يجري في غزة ذلا وخزيا وعزلة وبعدا عن شعوبهم، إيذانا بقرب رحيلهم لتستريح الأمة من ثقل هزائمهم وهوانهم، ولتسير خفافا نحو التمكين والاستخلاف الموعود صدقا ويقينا، في ظل شريعة الله وما النصر إلا من عند الله. وكل الذين يراهنون على تمزيق الأمة بالنفخ في كير النعرات القومية والطائفية والحزبية والعرقية وكل أتون عصبيات تكسرت نواياهم على صخور وحدة وصمود غزة وجهادها وهم يرون شعوب الأمة تندد وتتظاهر وتدعم وتدعو وتبكي وتزغرد لأعراس الشهادة في غزة نبض العزة والوحدة. بوركت غزة وقد وحدت المسلمين من جديد بل وحدت الإنسانية جمعاء لأن الظلم والطغيان واحد تمجه الفطر السليمة وتنكره العقول النيرة في كل الملل والنحل والشرائع والأديان.