إنه لمن دواعي الغبطة والافتخار أن يعز الله سبحانه وتعالى الإسلام برجال مجاهدين مرابطين في أرض الإسراء والمعراج. لقد صدقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك”. قالوا يا رسول الله وأين هم؟ “قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.

لقد رأينا بأم أعيننا كيف تصدت فئة قليلة من المؤمنين المجاهدين مسلحة بأبسط أنواع العتاد لهجمات بني صهيون الغاصبين.رأينا كيف خذلهم إخوانهم في العروبة، تلك الراية العمٌية التي فتكت بأمتنا. تحركت مشاعر الأمة الإسلامية وهاجت، فزاد الشرخ اتساعا بينها وبين من يحكمها بغير ما أنزل الله مؤكدين بذلك أنهم منهم لا منا. رأينا كيف تعاطفت معنا شعوب تجمعنا معها الأخوة في الإنسانية، فانبجست منها المروءة التي لا يملكها المتمسلمون الخاذلون المخذولون. رأينا كيف صدقنا الله وعده في بني صهيون وفي قلوبهم القاسية فهي كالحجارة أو أشد قسوة. استحقوا لعنة الله على لسان أنبيائهم ورسلهم لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. شاهدناهم وهم يهلكون الحرث والنسل، والعباد والبلاد. رأيناهم على حقيقتهم المخزية بعد أن تبددت وعودهم وشعاراتهم الداعية لتحقيق السلام. ونحن نستشعر وعد الله عز وجل ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها.

ونكاد نرى بأبصارنا رايات النصر تلوح في الأفق القريب إن لم نكن رأيناها يقينا ببصائرنا فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا فماذا فعلنا لاستقبال الوعد الصادق المتنزل على المجاهدين العاملين لا القاعدين المتواكلين؟. هذه غزة تحترق، ومن قبلها محارق أخرى في فلسطين والعراق والبوسنة وأفغانستان والصومال ولبنان وهلم جرا. تمر الأزمة تلو الأخرى، وينصر الله عز وجل جنوده إن شاء نصر المرحلة ثم تعود الأمة كما كانت مبعثرة وممزقة.

طالع أيضا  غزة بين المهم والأهم(3) .. أهل المروآت

إن كان غوث إخواننا في غزة أو غيرها من أقطار المسلمين، وإمدادهم بالمعدات والأدوية والمال والأطر الطبية وغيرها أمرا ضروريا ومهما، فما هو يا ترى الأهم من ذلك والذي لا ينفك أبدا عن المهم؟

لن نتخبط العشواء بحثا عن أصل الداء، ولن نخوض في جدال عقيم أكثر ما يكون فكريا، ولن تمنعنا اجتهادات الفروع من الصعود مباشرة إلى الأصل، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى يخبرنا في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود والإمام أحمد “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليلقذفن الله في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا وكراهية الموت”.

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ما أحسن وصفك لما نعيشه الآن وما أدقه، أمة تؤكل من كل مكان، لا حرمة لها عند بني الإنسان مع أنها كثيرة العدد لكن قليلة المدد. أكلنا يوم ضاعت الخلافة الراشدة، واستبد بالحكم غلمان بني أمية ومن جاء بعدهم فجعلوه وراثة فيما بينهم. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هلاك أمتي على يد غلمة من قريشقال الراوي: فقمت أخرج مع أبي وجدي إلى مروان بعد ما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة ثم سكت”. واختصم السلطان والقرآن كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو نعيم في دلائل النبوة “ألا إن رحا الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم. قالوا: وما نفعل يا رسول الله؟ قالٍٍِ: كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فوالذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية”. وانتقضت عرى الإسلام واحدة تلو الأخرى ابتداء بالحكم كما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي الذي رواه الإمام أحمد في مسنده “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرها الصلاة” حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه اليوم، أمة مشتتة، يقتلها الوهن والفرقة، لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، غثاء كغثاء السيل، يسوسها حكام ليسوا منها، أضاعوا دين الله عز وجل، وأضاعوا الحقوق والواجبات فتخلى الله عنهم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. كانت نتيجة ذلك البعد عن الله حكاما ومحكومين إلا من رحم الله من علماء عاملين وأولياء مجددين ربانيين ومن اتبعهم مرض عضال، لقد ألقى الله في القلوب الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت، ولكي يبقي الله عز وجل الأمل حيا في قلوب المسلمين أكرمهم بمنارات تضيء لهم الطريق، وبومضات تجدد العزم، وبصوى تجنب التيه. أظهر سبحانه خلال قرون العض والجبر بعد الخلافة الراشدة رجالا وأي رجال، رجال دعوة ودولة، أئمة في الهدى والتقى حاولوا إعادة الأمر إلى نصابه كأسيادنا عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح، ويوسف ابن تاشفين وغيرهم. رضي الله عن الجميع ورحمهم. وجعلهم بعد الصحابة الكرام نموذجا خالدا يقتدى به إلى يوم الدين.

طالع أيضا  غزة بين المهم والأهم(2).. علاج الأعراض أم علاج الأسباب؟

إذا كان سبب ما نعانيه اليوم في غزة وفي غيرها من ثغور المسلمين المسلوبة هو الوهن الذي يصيب القلوب والذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأولى والأجدى أن تتوجه إليه همم المسلمين أولا وقبل كل شيء لكي تعالجه. “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” 1 . القلب أصل الإيمان والتقوى والهمة العالية التي تخرق الجبال وتنجز وتخترع وتنتصر على بني صهيون في غزة وفي فلسطين كلها وعلى غيرهم، ولكن قبل ذلك ومعه تنتصر على نفسها فتخرج من الدنيا وقد فازت بأفضل ما يفوز به مخلوق في هذا الكون وهو معرفة الله عز وجل مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مغبون من فارق الدنيا ولم يعرف الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.


[1] رواه الشيخان عن حديث النعمان ابن بشير.\