أمام الوضع المتردي للواقع العربي الراهن، في مقابل الاستكبار والعتوّ الصهيوني المتلاحق، وأمام الصمود الشريف للمقاومة الإسلامية، في مقابل التولّي الجبان للأنظمة السياسية العربية، تُطرح الأسئلة التالية:

من يمثل حقيقة الأمّة الإسلامية؟ ومن يستحق حقا أن يقود هذه الأمّة وينقاد لها؟ ومن يُعبر عن إرادتها كما هي؟ ومن يُضحي بالغالي والنفيس دفاعا عن قضيتها؟ ومن يتحمل السجن والحصار والموت من أجلها؟

أليست هي الحركات المجتمعية الحيّة الّتي تلتحم وتنتظم لتقاوم الاحتلال بشتى أنواعه، وتدفع البلاء بكامل ألوانه، وتبذل كامل إمكاناتها من أجل تحرير الإنسان من الطغيان وتحرير الأرض من الأوثان؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تُحارَب هذه الحركات وتُضطهَد، ولماذا يُحاصَر ويُسجَن قياديوها وعلماؤها ومناصروها في جميع أقطارنا العربية؟ أليس في قمّة التناقض الجمع بين اليقين بتغلغل هذه الحركات في قلب الأمة وشرايينها وبين إرغام الأمّة على طاعة حكامها بالبِزِّيز؟ مع من الشرعية والمشروعية؟

واليوم في فلسطين أليست المقاومة صوت الأمّة؟ أليست غزة رمز العزة؟

الشعوب العربية والإسلامية: كمثل الجسد الواحد

تودُّ جميع الشعوب العربية لو أنّ الله تعالى منَّ عليها بقيادة راشدة قادرة على إخراج الأمّة من عالم الاستبداد والانفراد إلى عالم الهدى والرشاد. من غثائية الكمّ والعجز إلى فاعلية الكيف والإنجاز، فشعوبنا كلها مع المقاومة الإسلامية الّتي أعطت الدليل الميداني صدقا وبذلا وجهادا، كلها مع الجهاد بجميع أنواعه، لتغيير ما بالنفس من ظنون سيئة وأوهام مقيمة وعلل مزمنة، حتى ينصلح ما بالآفاق، فلا نجد في عالمنا العربي إلا شعوبا متعاطفة متضامنة متراحمة.

المظاهرات المليونية لم تخرج تأييدا لأيّ حاكم عربي ورث الاستبداد عن والديه، وإنما خرجت تعبيرا حيّا عن رفضها لسياسة ملوكها ورؤسائها، تعبيرا حيّا عن حياة الإسلام والإيمان، خرجت غاضبة ناقمة على الغطرسة الصهيونية الغابوية وعلى السياسة الأمريكية المتواطئة معها وعلى المتعاونين والساكتين والخانعين.

عندما يرفع المتظاهرون شعار: غزة غزة… رمز العزة، فهذا دليل على وحدة الأمّة ووحدة الرسالة ووحدة القضية. عزة الإسلام؛ رسالة الله إلى الإنسان لعمارة الأرض بالصلاح ونشدان الفلاح.

بفضل الله تعالى: أليست المقاومة -ودعم الشعوب الإسلامية لها- هي التي أحيت الهوية الفلسطينية؟ أليست هي الّتي فرضت اعتراف “إسرائيل” ومن ورائها العالم الغربي بأسره بها. أليست هي التي فضحت ازدواجية الخطاب الغربي والعربي على حد سواء؟

من استطاع أن يقدّم أحد عشر ألف سجين في سجون الكيان الصهيوني المُظلمة دفاعا عن الأرض والعرض والشرف والمقدّسات الحقيقية؟ من وقف شجاعا مقتحما أمام العُدّة العسكرية الضخمة للكيان الصهيوني؟ ومن امتطى الشوارع صحفا والسماء أبواقا ليعلن بأعلى صوته في العالمين رفضه وتنديده بالهمجية الصهيونية وتهديده بالمقاطعة والتصدي والانتقام؟ أليست هي تلك الإرادات الشعبية الصادقة؟

فتحيّة خاصّة لشعوبنا العربية والإسلامية على الاستجابة الكلية لنداء النصرة من إخواننا المجاهدين في غزة الأقصى.

الحكام العرب بلا وجه: لا في الداخل ولا في الخارج

شتّان بين موقف الشعوب وبين موقف الحكام!

هَمُّّ حُكّامنا في عروشهم وقروشهم. يقاتلون في سبيلها ويُوالون ويعادون من أجلها. دينهم الكرسي وسياستهم حماية الكرسي. لا ثقة لهم في شعوبهم، بل ودُّوا لو غيّروا هذه الشعوب بشعوب أخرى تكون أكثر خنوعا وطاعة لهم. تكفيهم الثقة في أمريكا وفي بِنتِها إسرائيل.

يمتلئ حُكامنا حياءٌ أمام إسرائيل، “والحياء شعبة من الإيمان”، والحكمة الواقعية تقول: إذا رأيتم الحاكم يعتاد الحياء فاشهدوا له بالانحناء. وإذا رأيتم الحاكم يخشى إسرائيل فاشهدوا له بمحاربة المسلمين.

داخليا يختزلون الوطن في جثة مقدسة، وفي الخارج يبتسمون في وجه الأعداء ببلاهة محنّطة. فقبل أن تتهور إسرائيل بقتل قادة المقاومة تستشير الحكام العرب “المعتدلين” لتأخذ موافقتهم، وبالفعل لم يسبق لهم أن عارضوا اختيارها، وأنّى لهم ذلك وهي سيدتهم المحترمة؟

حُكامنا يعادون حماس جهارا، ويهمهمون أمام سمع العالم وبصره بأن المقاومة ليست في صالح الفلسطينيين، لذلك يعادون الحركة الإسلامية في بلدانهم ويسعون جاهدين لمحاربتها واضطهادها والتضييق عليها، وخذ أي بلد عربي فستجد حكامه يحاربون العلماء والدعاة والمناضلين، ولنذكر تونس والمغرب والجزائر ومصر والقائمة تستوفي ال22 دولة عربية… فأيّة قضية دافع عنها الحكام لصالح شعوبهم؟ وأية قضية ربحها العرب من لجوئهم الذليل للمحافل والهيئات الدولية؟ وأية قضية تجمع هؤلاء الحكام؟

لا وحدة بين العرب، ولا انسجام ولا مشروع ولا برنامج اللّهم أن يكون هو محاربة الإسلاميين على إسلامهم وصدّ الأبواب في وجه شعوبهم. فعندما ينادي أهل فلسطين بعودة اللاجئين، يجيبهم الحاكم العربي (من أمٍّ بريطانية): “عودة اللاجئين حلّ غير معقول”، ولمّا تغتال الأيادي الآثمة شيخا أو عالما أو قياديا من المقاومة ينبري السيد الحاكم أصالة عن نفسه ونيابة عن باقي الحكام من بني جلدته فيُهدي للمجرم شارون حصانا عربيا أصيلا جزاء لفعاله الإجرامية.

وقد يظن البعض بأنّ مصر مثلا تسعى لتحقيق المصالحة بين الفلسطينيين، أو أنها تدافع عنهم في وجه إسرائيل، والحقيقة غير ذلك. إذ تنوب مصر عن إسرئيل ليس إلا. يقول أحد المعلقين الإسرائيليين: “إنّ من يتابع الإعلام المصري يُخيل إليه أنّ المعركة بين مصر وحماس، وليست بين إسرائيل وحماس” 1

وإلاّ لماذا يتّفق محمود عباس وحسني مبارك ووزير خارجيته وكونداليزا رايس وتسيبي ليفني على نعث حماس بأنّها هي المسؤولة عن جميع ما وقع وما يقع. أي أنه ليس في المنطقة من خطر على المودة بين إسرائيل ومصر وسلطة عباس إلا تنغيص حماس. فإذا كانت المقاومة شرفا عند الشعوب فهي شوكة في حلق الحكام وعائق في طريقهم نحو مزيد من الاستبداد.

لسان حالهم يقول مع رايس: ينبغي دعم عباس ضدّ حماس. وهاهو عباس كان يُعد خطة للطوارئ بموجبها يستلم العميل دحلان وأعوانه السلطة مباشرة بعد سقوط حماس كما كانوا يتوهّمون. وها هو أولمرت اللعين يؤكد بعد 23 يوما من الحرب العدوانية أنّ الحرب كانت من أجل إضعاف حماس لصالح عباس.

الرئيس عباس انتخب من قبل الفلسطينيين بناء على برنامج سياسي وعدهم فيه بإقامة دولة مستقلة قابلة للحياة على أساس خريطة الطريق ومؤتمر أنابوليس، ووعد أمريكي من قبل الرئيس بوش بتطبيق حلّ الدولتين قبل انتهاء ولايته بنهاية العام الماضي. لقد ضَلَّ من ظن أنّ العُميان تهديه.

أمّا زعيق الجامعة العربية فقد انتهى عمليا بالشتات والتلاشي والتنابز بالألقاب بين صبيان السياسة السياسوية في آخر زمان العض والجبر، كيف لا تتلاشى وقد خرجت ميّتة، ف “جامعة الدول العربية في أصلها فكرة إنجليزية…. لقد كانت الجامعة بالنسبة إلى الإنجليز وسيلة للحفاظ على سيطرتهم أو على الأقل وجودهم في المنطقة الغنية بالـــنفط زيادة على كونها سوقا مهمة لمنتوجاتهم” 2

الدول الأوربية: الشعار والعائق

انفضحت شعاراتها السحرية المنادية بحقوق الإنسان كإنسان، والديمقراطية في كلّ مكان، لمّا تعلّق الأمر بكيان الغصب والاحتلال: إسرائيل. الغرب مسكون بروح جاهلية رسّختها الصهيونية العالمية ودعمتها النصرانية المتصهينة لاشتراكهما في أساطير الماضي ومصالح الحاضر وأوهام المستقبل. وهذا أبو العوائق في الحوار مع الغرب والتواصل معه، فكيف يتخلّص الغرب من عقدة التحيز للعقيدة الصهيونية على حساب وحدة البشرية والمصالح، وعدالة الحقوق والحريات؟ 3

إنّ وظيفة أوربا اليوم هي إضعاف المسلمين وإشغالهم بصراعات داخلية لتشتيت قوتهم وشلّ نفوذهم وبالتالي ضمان تبعيتهم وتكريس فرقتهم وتقلّصهم السياسي والاقتصادي. فهي تساوم الحكام على فلسطين مقابل إغراءاتٍ وهمية من قبيل ضمان تسلطهم واستقرار حكمهم… ولا تتردد في مدّ الدولة العِبرية بالدعم العسكري والمالي، والتكنولوجي والدبلوماسي والأمني… وتمنع شعب فلسطين الأبيّ من حقّه في الحياة المستقلّة الكريمة، وتضغط على حكوماتنا لمنع وصول المساعدات الّتي تقدّمها الشعوب الإسلامية والعربية لشعب فلسطين. بل تضغط عليها كي لا تستقبل أعضاء حكومة حماس المنتخبة! (الأردن، المغرب…)

والحق الأبلج هو كيل الغرب بمكيالين كلما تعلق الأمر بقضايا المسلمين، فأوربا كاملة تعتبر وحشية الكيان الصهيوني (قتل مئات الأطفال ومئات النساء ومئات الشيوخ وهدم المدارس والمساجد والمشافي وتجريف الأراضي وتخريب الطرق والمنشآت…) دفاعا عن النفس!، نفس اليهود فقط أما باقي الأجناس فلا تعتبر لهم نفس في دين الصهاينة، حيث ورد في تلمودهم أنه من العدل أن يقتل اليهودي كلّ أممي، لأنه بذلك يُقرب قُربانا إلى الله!

وصدق الحقّ سبحانه إذ يقول: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ

الويلات الأمريكوصهيونية: إسرائيل دائما تدافع عن نفسها!

أمّا الولايات المتحدة، فقد دعمت الدولة الصهيونية منذ احتلالها لأرض فلسطين إلى يومنا هذا بالمال والنفوذ والسياسة والثقافة والسلاح 4 ، وسوقت لنفسها أوهاما في أذهان الناس تتغنى بأناشيد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الدولية.

لكن إذا تعلق الأمر بالمسلمين -خاصة أنّ أرضهم تتوفر على أكبر احتياط من حقول النفط في العالم- فالواقع حرب شعواء لا إنسانية فيها ولا مروءة، مادامت المصلحة قبل أي اعتبار. فما الفائدة من تعليق الآمال على ما يسمّى ب “الشرعية الدولية” والّتي تؤول في النهاية إلى “البراغماتية الأمريكو صهيونية” إن كان الفيتو الأمريكي يضرب بعرض الحائط كلّ قرار يدين الكيان العنصري الغاصب؟ وقد سبق له رفض أكثر من 30 قرارا أمميا، ورغم ذلك لا يزال بعض حكامنا يستنجد بقرار الأمم المتحدة التي لا تملك لنفسها سلطة أمام جبروت أمريكا وصلف إسرائيل.

ألم يان لحكام الهزيمة أن يعوا الدرس جيدا؟

ألم يفهموا بأنّ طريق الحرية والقوة والكرامة لا تمر بالضرورة عبر أمريكا؟

ألم يحن الوقت ليتصالحوا مع شعوبهم، بل ليتصالحوا مع الله في شعوبهم، ويخشوا الله في الناس عوض أن يخشوا الناس في الله؟

دول أخرى: أكثر عربية من العرب

تركيا دولة غير عربية، لكنها انتفضت عوض الحكومات العربية وانسجمت مع ضمير شعبها وأحيت موقفا أصيلا كان شوكة قوية في حلق الأطماع الصهيونية والغربية في المنطقة، وخاصة الأرض المقدسة. وأبانت عن الجبن والانقسام العربيين. اللهمّ لا شماتة.

وكذلك فعلت إيران وتفعل. ويكفيها عزا أن تبني نموذجها “الناجح” لتعبر عن موقفها بقوة ووضوح. والجديد هو موقف فنزويلا التي عبرت عن موقف إنساني رفيع المستوى، لمّا طردت السفير الإسرائيلي يوم 06 يناير 2009، احتجاجا على العدوان الصهيوني. وهو الفعل الّذي لم تستطع أن تقوم به الدول العربية على الرغم من أنّ العدوان في دارها. تُرى أكانت ستتّخذ نفس الموقف لو أنّ فنزويلا تعرضت لاعتداء؟ لا أظن.

بوليفيا أيضا أعلن رئيس دولتها إيفو موراليس قطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع إسرائيل، بسبب حربها على غزة، حيث صرّح بقوله: “أودّ أن أعلن أنّ بوليفيا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ونظرا لهذه الجرائم الخطيرة ضدّ الحياة والإنسانية، فإنّ بوليفيا تعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل”، وبعد ذلك ولمّا أفنى العدوان آلاف الضحايا تململ بعضهم ليجمّد مؤقتا مكتبا للتعامل التجاري مع إسرائيل.

وتجتمع القمم العربية ويتراشق أعضاؤها بالتهم، عبارة وإشارة، وكأنّ الأمة في حاجة إلى خصام أو كلام.

وأخيرا تذكير

الإسلام غدا قادم؛ “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.

والنصر من الله قريب؛ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

وشرط النصر الاستحقاق؛ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ.

اللّهمّ إنّا نسألك النية واليقين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


[1] زفاى باريل في هآرتس 29/12/2008.\
[2] المهدي المنجرة، جريدة المساء 14.01.2009.\
[3] حتّى صوّتت دولة تدّعي حرية التعبير والرأي كفرنسا لصالح قانون غيسو – فابيوس سنة 1990 ليعاقب بصرامة شديدة كلّ من طعن في العقيدة السياسية الصهيونية اللاإنسانية، ويوم13 نونبر2006 صرّح وزير خارجية فرنسا أنّ “أمن إسرائيل لا يساوم!”.\
[4] لا زالت الولايات المتحدة توفر حاليًا 600 دولار سنويًّا لكل فرد في إسرائيل!.\