1- من غزة فلسطين البدء

العالم اليوم أمام حرب فريدة في تاريخ الحروب الكبرى، فهي تجري في مجال جغرافي ضيق ومحدود ومحاصر، وهو أيضا أمام نموذجية رائدة في بسالة المقاومة وصمود شعبها الذي عاش الحصار ويعيش اليوم تحت سماء تمطر قنابلا مختلفة الحجم والشكل والتأثير ولا يفارق مسامعه هدير الطائرات وأصوات المدافع برا وبحرا. هذا الصمود المقاوم والناجح بالمعايير السياسية والعسكرية ينجزه الفلسطينيون الذين يواجهون أكبر قوة عسكرية في المنطقة ورابع جيش في العالم مدعوم مباشرة من أمريكا. على أرض فلسطين، فلسطين ذلك الجرح الغائر في جسم الأمة والإنسانية الذي ينزف دما أكثر من ستين عاما حتى صارت قضية فلسطين القضية المركزية لكل العرب والمسلمين. والمحتل ليس دولة قائمة في أي مكان من العالم؛ بل كيان تشكل من ناس جاؤوا من كل بقاع الدنيا ليكونوا عصابات قتل وإرهاب، ثم تهجير السكان الأصليين وإقامة دولة مدعومة من الغرب عموما لتصبح أقوى دول المنطقة عسكريا ;هزمت الجيوش العربية، تقريبا، في جميع الحروب التي خاضوا معها، لكنها تفشل في أول مواجهة قوية وهامة مع نموذج المقاومة الشعبية الحديثة في البلاد العربية والإسلامية اليوم، بل الكثير تحدث ليس عن الفشل بل عن الهزيمة الكبرى في لبنان 2006 واليوم، وإن لم يتوقف العدوان إلى الآن، عن الفشل والهزيمة في معركة غزة التي سماها رجالها “معركة الفرقان”.

إن انتصار المقاومة في غزة اليوم يعني انتصار القضية الفلسطينية، وإن انهزامها يعني انهزام خط المقاومة وسقوط صرحه وضياع تضحياته، ولذلك نجد المقاومين في غزة يقاومون على هذه القاعدة وبهذه الخلفية، لأن الأمر يتعلق بسقوط كبير للقضية برمتها، ولكن ما أكدته الأيام أنهم على خط الانتصار سائرون وعليه عازمون. بل قد حقق ولو لم تتوقف الحرب.

نعم هناك دمار وشهداء من المدنيين أغلبهم أطفال ونساء، وهناك لاشك شهداء من رجال المقاومة الذي أصبحوا يرهبون العدو بمجرد وجودهم دون أن يظهروا له، لكن التقييم الأولي للمعركة يبين أن فشل الكيان الصهيوني حقيقة وأن انتصار المقاومة واقع قائم، ومادام هذا يعني غزة، أي فلسطين، فهل نحن أمام نصر استراتيجي يعلن بداية مرحلة جديدة من مسيرة الأمة التاريخية؟

2- لماذا انتصار استراتيجي

يأخذ هذا الانتصار المحقق بعده الاستراتيجي من ثلاثة عوامل:

1-2- الأول: لأنه بأيدي فلسطينيين

هم أبناء الأرض، وهم الذين ربطوا الحاضر بالماضي الذي خذله الحكام العرب في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي لما خذلوا عز الدين القسام وأمثاله؛ فلاهم زودوهم بالسلاح، ولا هم دعموهم بما يمكنهم من الاستمرار في مقاومة ومحاربة عصابات الصهاينة من الهكانا وغيرها.

فهؤلاء الرجال المقاومون اليوم لم يفعلوا إلا أن أعادوا القطار إلى سكته الأصلية حيث حملوا السلاح على قاعدة إيمانية راسخة في القلب وثابتة على الأرض فلم يرهنوا قضيتهم بأيدي أحد؛ لا أشخاص ولا نظام عربي ولا مؤسسات أممية ودولية.

وهنا مرتكز حاسم؛ فحين يقتنع صاحب القضية أنه لن ينجز المهم لأجل قضيته إلا هو، سيجهز نفسه بكل الإمكانات المتاحة من كل المستويات والمجالات ويجعل نفسه بين خيارين هو كريم عزيز في كليهما: “النصر أو الشهادة”.

إنه الطريق الوحيد للمواجهة بين طلائع شعب اغتصبت أرضه وهجر ناسه وقتلوا تقتيلا وبين محتل غاز لاخيار له إلا استعمال كل الوسائل الممكنة للبقاء على أرض اغتصبها وأقام دولة وجوده عليها أو أن يرحل ويعود إلى التيهان في الأرض كما كان.

إنها معادلة صعبة وحادة وحاسمة، وهي اليوم على محك مرحلة عض الأصابع: أي من يعض أصبعه أولا: هل خيار المقاومة والحرية أم خيار الاحتلال والاغتصاب. ولكن التاريخ علمنا أن الشعوب لا تقهر وإن هزمت في لحظات ما، فإنما لتستعد لليوم الفاصل.

وما يعطي قيمة لهذا الانتصار أن المقاومة في لبنان أدركت أهميته المصيرية حيث اعتبرته أهم وحامي انتصارها في يوليوز 2006.

2-2- الثاني: لأنه يعني أمة

إن انتصار المقاومة في معركة غزة اليوم، لا يعني الفلسطينيين وحدهم، ولكنه يمس في الجوهر وجود الأمة الإسلامية قاطبة.

ولذلك، فإن المسؤولية اليوم عظيمة على كاهل قيادات طلائع هذه الأمة الصادقة والحاملة لهم نهضتها وانبعاثها من جديد لتقوم بوظيفتها التاريخية والرسالية.

إن أمة عانت وتعاني من أثار الاستعمار المباشر والتبعية والاستبداد آن لها أن تكون في مستوى ما ينجزه أبناؤها المقاومون في غزة اليوم. فحجم التضحيات أمام وجود الكيان الصهيوني اليوم تجعل قيادات طلائع الأمة أمام ضرورة تحمل المسؤولية الكاملة لاستثمار ما ينجزه أبناؤها في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وباقي قلاع المواجهة المباشرة مع الغطرسة الغربية والاستعمار الصهيوني الصليبي الاستعماري التوسعي القائم.

لذلك، فليس المطلوب اليوم من هذه القيادات الطلائعية في كل العالم العربي والإسلامي أن تخرج بالناس لأجل الصرخات التي لها دورها لاشك، لكن المطلوب هو الانتقال بهذه النهضة العامة العاطفية الجياشة الحاصلة أمام حجم المجازر وبشاعتها في غزة إلى مستوى الوعي والانخراط الكامل في معركة المصير والوجود مع كيان غاصب شل جسم الأمة بشكل شبه كلي.

ومن ثمة، فإن مطلب الحرية الكاملة للشعوب العربية والإسلامية اليوم لم يعد مطلبا يحتاج إلى أي نوع من المناورات والهتافات وحتى الصرخات، بل اللحظة التي يصنعها المقاومون وسط شعبهم الصابر والصامد والمحتضن لهم يحتاج إلى وضوح كاف وضروري للانتقال بهذه الشعوب الغاضبة إلى مرحلة الغضب الكامل على كل أنواع القمع والاستبداد الحاجبة والمانعة من استكمال مسيرة الحرية الحقيقية.لذلك فالمقاومة اليوم تضعنا جميعا أمام لحظة الحسم في الزحف الجماعي لانتزاع حريتنا وتسخير إمكاناتنا التي ينهبها غيرنا لخدمة قضايا أمتنا.

إن المقاومة في فلسطين اليوم، بل في كل قلاع المواجهة، تنجز بكل جدية وفعالية ما عليها، فهل تنجز الشعوب العربية والإسلامية بقياداتها الطلائعية الحقيقية ما هو مطلوب منها؟

فالمقاومة لاتطلب من الشعوب الاصطفاف للتزويد بالدم فقط، لأن ما سال من دماء على الأرض كاف للنهوض، ولا تطلب منها الاصطفاف للتسجيل في لوائح للتطوع للقتال في فلسطين، فعندها ما يكفي من المقاتلين المجاهدين اليوم، لكنها تطلب، أي المقاومة، أن تصطف هذه الشعوب وقواها صفا واحدا لإنجاز حريتها الكاملة ليحصل التلاقي والتوافق بين إنجاز المقاومة وإنجاز الشعوب وطلائعها على خط الاستقلال الكامل والحرية الشاملة.

وبهذا يكون انتصار المقاومة في إفشال مخططات الكيان الصهيوني وهزيمته في المنطقة مدخلا مهما لإنجاز المطلوب في الأقطار العربية والإسلامية، بل هناك علاقة مصيرية بين مهمة المقاومة ومهمة أمتها.

إن الواجب على قيادات الحركات التغييرية في الشعوب العربية والإسلامية أن تنتقل بغضب هذه الشعوب وفق وعي استراتيجي دقيق إلى مرحلة تصاعدية تجمع بشكل واع بين مطلب تحرير فلسطين ونهاية الكيان الصهيوني وبين مطلب تحررها هي من قبضة الاستبداد والتبعية الذي أوصلتها إلى هذه الوضعية من الدونية والمهانة لولا رجال المقاومة الذين ردوا الاعتبار وشقوا طريق التحرير وبعثوا من جديد الأمل في الوحدة والقوة.

فلما خرجت الشعوب العربية والإسلامية بهذا الشكل الكبير لتعبر عن غضبها وتضامنها فستخذلها القيادات إذا لم توجه هذا الغضب إلى الهدف القريب والذي يخدم السعي إلى تحقيقه، وفق مطالب محددة ودقيقة، مطلب تحرير فلسطين وتوفير شروط الدعم الأساسية لذلك.

إننا أمام معركة سياسية عامة وتاريخية يعني خوضها الالتحام الاستراتيجي المصيري بين قوى التحرير والبناء على خط المقاومة والتغيير وبين رجال الثغور الصامدة في غزة وكل قلاع المواجهة والتماس. فهل تُضيع قيادات الحركات التغييرية الفرصة التاريخية على هذه الشعوب مرة أخرى؟ والأنكى من تضييع هذه الفرصة أن تصبح حركة الأمة التضامنية الغاضبة على ما يجري في غزة حالة تنفيس كبير، إن لم يكن كليا، على واقع الاحتقان الذي مصدره الاستبداد والتسلط؟

3-2- الثالث: لأنه يحدث في ظل واقع تواصلي إعلامي غير مسبوق

خيضت أغلب المعارك الكبرى مع الكيان الصهيوني في ظروف إعلامية لا تسمح للشعوب بالمتابعة الكافية والواعية لمجريات الأحداث، كما لا تسمح للمقاومة بالتواصل الإعلامي الذي يساهم في توازن الرعب والحرب المعنويين.لكن خلال معارك العقد الأخير من القرن العشرين ومعارك هذه السنوات الثمان التي مضت من القرن الواحد والعشرين يمكن القول: إن خيار المقاومة، بالإضافة إلى امتلاكه نوعية مهمة من السلاح، امتلك قوة إعلامية وفرها هذا الواقع التواصلي المباشر، وقد تبين حسن استثمارها إلى حد كبير.ومن ثمة فإن العامل الإعلامي التواصلي المباشر في تغطية المعارك وتحليلها مع الالتقاط السريع لمعطياتها ساهم بشكل كبير في حصول التواصل المباشر مع رجال المقاومة ونقل عملياتهم وإنجازاتهم إلى الجميع، ووفر كفاءة على التحليل الموضوعي لأجل صناعة الرأي المناسب.

ولذلك، سيكون من الخطأ الفظيع عدم استعمال هذه الإمكانات الإعلامية والتواصلية في نقل الوعي المقاوم وحقائق إنجازاته إلى الرأي العام وفق استراتيجية إعلامية متكاملة تروم تحقيق نوع من الوعي بالقضية وبمدى ارتباطها بالقضايا اليومية للمواطن، وتستطيع أن ترسم خطا تصاعديا في بناء الوعي والثقافة التي تدعم المقاومة وتروج وعيها والوعي بها مما يصنع رأيا عاما ناهضا يقاوم قوى الاختراق الثقافي الذي يدعو إلى الهزيمة والاستسلام وتكريس التبعية والاستبداد. ويكون هذا مفيدا جدا لما يحصل في إطار عرض المشروع المتكامل لنهضة الأمة وبناء شخصية رجالها ونسائها.

إن اللحظة التاريخية المعيشة يحصل الرهان فيها على وجود قيادة جامعة لكل معاني النهوض، ومتخلصة من أية صبيانية في التنازع على المواقع، لكنها حازمة في توظيف كل طاقات الأمة ومحاربة لكل قوى الاستبداد والمسخ والتبعية وفق وعي استراتيجي يلتحم جذريا مع حجم تضحيات رجال المقاومة وشعبهم الذي احتضنهم وضحى من أجلهم ولم يخذلهم مهما كانت الصعاب والتضحيات.