أطالع هذي الأيام بعض المقالات باللغة العربية من بعض الأقلام المشبوهة في جرائد ومواقع إلكترونية تحمل المسؤولية للشرفاء من الرجال المقاومين على أرض فلسطين، الذين يقودون الأمة العربية والإسلامية بل الإنسانية بشكل عام، ويعرون عن الوجه القبيح للصهاينة المجرمين، ويعطون المثال في التصدي لآلة العدوان والجشع التي تريد أن تقضي على ما تبقى من قيم الكرامة والنخوة لهذه الأمة الغلبانة بفعل تراكم سنوات التسلط والتخلف. هذه الأقلام المشبوهة، وللأسف الشديد، بالرغم من ضحالة فكر أصحابها، وهو أقرب إلى حديث العجائز، فإن لها مفعول عند بعض ضعاف الأنفس وكذا العوام من الناس، لاسيما أن العامة بالنظر إلى عفويتها وفطرتها هي الرافعة الحقيقية، هذه الأيام، لنهج المقاومة وفكرها المتحرر من وصاية الأنظمة الخانعة و”ربها” الويلات المتحدة الأمريكية.

إن هؤلاء الكتبة المتصهينين يخدمون العدو الصهيوني الغادر، عدو الله وعدو الناس أجمعين، وأقلامهم هي ما تبحث عنه الصهيونية منذ تأسيسها، أي خلق إعلام مساند وظهير لآلة الإجرام والوحشية المسترسلة منذ زرع هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين وفي قلب الأمة العربية والإسلامية، وفي هذا الصدد يقول الخبير المغربي البروفيسور المهدي المنجرة في كتابه Humiliation a l’ère du mega impérialisme (الإهانة في عصر الميكا-إمبريالية) في الصفحة101 من الطبعة الأولى ” حين ذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الدراسة عام 1948، حصل في نفس الشهر الذي وصلت فيه إلى أمريكا أن اعترفت الأمم المتحدة بإسرائيل، ومع مرور الوقت وفي نفس العام جاء دافيد بن غوريون ونظم اجتماعا كبيرا في أحد فنادق مدينة نيويورك مع أغنياء اليهود في أمريكا وقال لهم (وسأنقل الكلام كما هو حتى لا أخون الترجمة):

“Je ne suis pas venus pour demander de l’argent. Je voudrais que chacun d’entre vous se serve de cet argent pour acheter un journal, une station de radio ou de télévision,un studio de cinéma ..”

“إنني لم آت إلى هنا لكي أجمع المال منكم، ولكن أطلب من كل واحد منكم أن يحتفظ بماله كي يشتري الإعلام مثل جرائد ومحطات للراديو أو قنوات تلفزيونية، واستوديوهات سينمائية”

ويعلق الخبير المنجرة على هذا القول – وهو العالم بدور الإعلام في صنع نموذج الإنسان المواطن المصلح عبر تنمية بشرية حقيقية بعيدا عن الشعارات المخزنية التي تتغيا إلى صناعة مواطن صالح حسب هواها – قائلا في نفس الصفحة: إن وسائل الإعلام تحظى بأولوية على درجة كبيرة من الأهمية لدى الحركة الصهيونية وإسرائيل، في مقابل هذا المسعى الصهيوني نجد أن الإعلام العربي بعيدا عن تطلعات الشعوب!!

إن الكتبة، والذين لا أستحيي أن أسميهم بالمتصهينين الجدد الذين يتكلمون بكلامنا ويعيشون بيننا لا يكفون هذي الأيام عن توجيه أقلامهم/رماحهم المسمومة والطاعنة لظهر المقاومة الشريفة التي باتت اليوم هي من يقودنا إلى نفض غبار ثقافة المذلة والعهارة والنذالة، وهي من حاصرت الزعامات الكارتونية وأدخلتهم إلى قصورهم، عفوا إلى جحورهم، وطفقوا يتآمرون عليها ليل نهار… ولا نامت أعين الجبناء.

فالكتبة المتصهينون والذين يجب أن يحاكموا بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للأمة والإنسانية جمعاء، كلامهم ضحل لا حجة له سوى التخفي وراء عبارات تبعث على الغثيان حين يحملون فصيل حماس المسؤولية ويدعونها إلى التفاوض مع الكيان الصهيوني بدعوى أن إسرائيل ديمقراطية كما كتب أحد الجهلة، وكأن حماس هي من تتحمل المسؤولية عما يقع للفلسطينيين منذ عام 1948، أو كتائب الشهيد عز الدين القسام هي من أشعلت حرب 1956 و1967 وهي المسؤولة عن مجازر دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرها من المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني والعربي، أو ربما هي من حاصرت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في مقاطعته برام الله حتى مات شهيدا، ولم يستطع أن يحضر قمة بيروت للعرب الهاربة التي قدمت مبادرة قيل أن أحد الصحفيين الأمريكيين المتصهينين هو من أوحى بها إلى الزعيم العربي الذي قدمها وقتذاك.

إن نهج التفاوض مع الكيان الغاصب جربته منظمة التحرير الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو وما تلاها من مفاوضات واتفاقيات ولم تجن منه غير العلقم، حيث تكاثرت المستوطنات/المغتصبات الصهيونية، والمستوطنون بدؤوا يحسون بالطمأنينة والراحة على ثرى فلسطين وتأتي قطعانهم من أصقاع الدنيا، بينما الشعب الفلسطيني يعيش أكثر من نصفه في الشتات، لولا أن قيض الله سبحانه وتعالى لهذي الأمة رجالا من المقاومين، وعلى رأسهم كتائب الشهيد عز الدين القسام الذين قتلوا من الصهاينة ما عجزت الأنظمة العربية الرسمية مجتمعة في تاريخ صراعها مع الكيان الصهيوني أن تقتل عدد ما قتلت حماس!!

إن أقلام المتصهينين هي ما تشتهيه البروباغندا الصهيونية الجبارة، وهي الفكرة التي نظر لها أحد المثقفين الصهاينة يدعى هاركابي في كتاب له تحت عنوان the mind arab (العقل العربي) الذي يقول في محتواه بأن العربي لا يمكن أن تنتصر عليه الصهيونية إلا بفعل مفاوضات أما الحرب فإن العرب أقوياء وأن إسرائيل لا جرم أنها خاسرة وهو الأمر الذي جنته الصهيونية عبر مسلسل السلام/السراب. ويعتبر”هاركابي” الأب الروحي لحزب العمل الصهيوني، وكثيرا ما يستشهد به شمعون بيريز في كلامه.

تعالوا بنا، أيها الكتبة لنسمع إلى شهادتين وهما ليستا لقومي عربي ثائر”قومجي” ولا مسلم مؤمن “متهور”و “إرهابي”، تعالوا بنا نسمع إلى مثقفين كبيرين من إسرائيل، وهما يحملان اسمهما كما تشتاق قلوبكم: الأول هو المفكر والأكاديمي (إسرائيل شاحاك) صاحب كتاب Histoire juive le poids des trois millénaire، (التاريخ اليهودي ثقل ثلاثة آلاف سنة) وهو أستاذ شرفي للكيمياء العضوية في الجامعة العبرية للقدس، والثاني هو (إسرائيل آدم شامير) الروسي الأصل صاحب كتاب “وجه إسرائيل الآخر” الذي تعرض للمنع في فرنسا، وسحبت طبعته الأولى من الأسواق، ثم أحيل ناشر طبعته الثانية إلى المحاكمة.

كتاب الأكاديمي إسرائيل شاحاك قدم له البروفيسور الفلسطيني إدوارد سعيد والذي أشاد بالكاتب وعمله المميز الذي ربط بين الصهيونية واليهودية والإجراءات القمعية المتخذة ضد غير اليهود أو “الأغيار”، ويحسب للمفكر “إسرائيل شاحاك” أنه ناقم وغاضب من ما يدعى كذبا وزورا بمعسكر السلام التابع لحزب “العمل” و”ميريتز” الإسرئليين الذين لم يترددوا ولو مرة واحدة في الضغط على الفلسطينيين للحصول على تنازلات سياسية، كما أن “شاحاك”، ويا للمفارقة الغريبة، كان أول من ندد باتفاقية أوسلو التي كان يدفع في اتجاهها معسكر الحمائم الإسرائيلي، ويعود موقفه هذا إلى تعمقه في دراسة التقاليد الحاخامية والتلموذية، وفضحه للعقلية الإسرائيلية وممارساتها تكذيبا للخرافات التي تعج بها وسائل الإعلام الغريبة حول ديمقراطية إسرائيل، وفضحا غير مباشر لجهل الساسة والمثقفين العرب بحقيقة هذه الدولة اللقيطة، لاسيما من يعلن أمام الشعوب العربية بأن إسرائيل تغيرت فعلا!!

ويقول “شاحاك”، لمن يصفون إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية، بأن القوانين التلمودية هي التي تنظم اليهود بغيرهم، وهذا ما يميز الصهيونية ولو في صورتها الأكثر علمانية، ومن هنا ينبغي النظر إلى السياسة الإسرائيلية منذ تأسيس إسرائيل وقيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني، فالسياسة الإسرائيلية المتبعة على أرض الواقع هي ناجمة عن تفاعل الاعتبارات الواقعية والتأثير الإيديولوجي الذي يزداد بقوة لدى سلوك مناصري إسرائيل في الخارج.

ويشير “شاحاك” إلى مسألة التضامن الآتي من غير اليهود نحو إسرائيل، والذي له انعكاسات أكثر ضررا، ويتمثل في موقف كثير من المسيحيين وحتى اليساريين الذين يتصورون أن التكفير عما تعرض له اليهود من اضطهاد يوجب عليهم غض الطرف عن سلوك هؤلاء، بل والمساهمة في أكاذيبهم، ويذكر معلومة تاريخية مهمة، ففي سنة 1944، وفي عز الحرب ضد هتلر، صادق الحزب العمالي البريطاني على مخطط لطرد الفلسطينيين، مطابق لمخططات هتلر المتعلقة باليهود، وتمت المصادقة على المخطط بضغط من اليهود أعضاء الحزب العمالي الذين لم يفتئوا، من ذلك الحين، يساندون السياسة الإسرائيلية مساندة مطلقة. ونفس الموقف نجده في الولايات المتحدة الأمريكية، مع الإشارة إلى أن موقف الليبراليين أكثر ولاء لإسرائيل.

أما “إسرائيل آدم شامير” صاحب كتاب” وجه إسرائيل الآخر” فهو يعري الوجه القبيح لإسرائيل التي لا تستطيع أن تعيش دون سفك الدماء وإزهاق الأرواح ودون معارضة من داخلهم تذكر للمجازر التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين والعرب والتي تتجاوز أحيانا ما قام به النازيون بحق اليهود في أوطانهم السابقة، فالجندي اليهودي لا يسمح لنفسه بهزيمة، لأنها قد تعني النهاية، وحين يتعب كما حصل في حرب رمضان 1973 حيث كاد أن يتذوق الهزيمة لولا الدعم الأمريكي المباشر الذي تجاوز الخيال، والذي استلزمه اقتلاع الرئيس ريغان من سريره على صراخ غولدا مائير الذي يهد ويرعد ويستغيث ضد الخطر المصري السوري على إسرائيل التي تعتبر مصيرها أهم بكثير من نوم الرئيس الأمريكي!!

وبالرغم من هذا الدعم الأمريكي المطلق في ظل سكوت عربي مطبق، فإن الصهاينة لا يحسون بمستقبل لبلدهم اللقيط، ويحكي “إسرائيل شامير” قصة بالغة الدلالة عن انعدام الثقة في الوجود على أرض فلسطين وفي قلب الأمة، نتيجة المقاومة التي ما خمدت ولا استكانت بالرغم من سنوات عجاف من المفاوضات العبثية مع هذا العدو، فأثناء حضوره جلسة في مجلس الشيوخ الفرنسي في منتصف الثمانينات من القرن الفائت، خاطب أحد النواب الإسرئيليين بانفعال وهو صادق، حشدا من اليهود : “نحن في إسرائيل قد تعبنا” فردت عليه مواطنة فرنسية يهودية قائلة “ولكننا كنا دائما معكم، نذهب غالبا إليكم” فأجابها الإسرائيلي على الفور “إنكم تأتون إلينا كسواح، أما نحن فإننا على الأرض نتلقى باستمرار وحدنا الضربات، ولم نستطع أن نظل في وضع كهذا إلى الأبد…”.

وإلى من يصفون إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية يقول شاحاك مكذبا هذا الزعم الخادع “إن حلم القادة الصهاينة هو أن يجعلوا من فلسطين دولة يهودية مثلما إنكلترا دولة إنجليزية وإيطاليا دولة إيطالية، لكنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا في مسعاهم، والسبب برأي المؤلف داخلي قبل أن يكون خارجيا لوجود فروق أساسية بين اليهود داخل إسرائيل، ومحو هذه الفروق هو من قبيل اليوتوبيا إذ ليس هناك أصعب من صناعة الإنسان وصناعة احترامه لأخيه الإنسان، وهو أمر مفقود لدى الصهاينة لأنها مجرد عصابة استولت على الأرض وخيراتها، ويعطي”شامير” مثالا صارخا لهذه الفروق ما بين المستوطنين الإسرائيليين: قد تجد يهوديا من اليهود الغربيين يصف يهوديا آخر من الشرق قائلا له “ليس من العار أن تكون مغربيا ولكن ليس شرفا أن تكون مغربيا” فيرد عليه اليهودي المشرقي “إن المحرقة كانت عقابا مستحقا للمحتقرين الإشكيناز”.

لقد أدرك إسرائيل شاحاك أن دولة إسرائيل لا يمكنها أن تعيش لولا الدعم الأمريكي لحلفائهم الصهاينة، ويتمنى لو أن أمريكا قطعت يد المساعدة عن إسرائيل على الأقل مدة 10 سنوات وسيرى العالم كيف تتغير إسرائيل!!

يحز في النفس أن نرى بعض الكتبة يسفهون المقاومة وينتقصون من دورها الفعال في دحر الاحتلال، بينما نرى الكاتب إسرائيل شاحاك مغرم بحب فلسطين وأهلها حيث يقول “إنها قصة حب. لأني مغرم في أعماقي بشعبها، بفلسطينيتها، بأبنائها المولودين فيها والذين هم فيها بالتبني. إن هذه الأرض قادرة على توحيد الإنسان والعقل، وذلك باستلهام العبر من مقابرها القديمة وطبيعتها الفريدة، إن سقوط الأرض المقدسة، سيخلق نقطة اللاعودة بالنسبة للإنسانية….وسقوط فلسطين سيكون بمثابة سقوط الإنسانية..”.

على سبيل الختم:

لما سئل “إسحاق رابين” الهالك عن المبعدين في مرج الزهور، أجاب “إنني أحارب الإرهاب الذي تحاربه الدول العربية” والإرهاب الذي يعنيه “رابين” هو المقاومة الفلسطينية وقادتها الذين رمى بهم الاحتلال الصهيوني في عز فصل الشتاء في منطقة ثلجية بجنوب لبنان، وكان من بين المبعدين الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأب الشهداء الدكتور محمود الزهار ورئيس الوزراء الفلسطيني، المنتخب من قبل الشعب الفلسطيني بأغلبية فاقت ثلثي الشعب، الأستاذ إسماعيل هنية، هؤلاء الرجال هم “إرهابيون” حسب التوصيف الصهيوني الإرهابي، وحسب هذا “المنطق” فإن الشعب الفلسطيني الذي اختارهم ليمثلوه هو أيضا إرهابي يجب أن يعاقب على اختياره الحر عبر انتخابات نزيهة شهد العالم بذلك!!!

ولأجل ذلك فالعدو الصهيوني لم يحقق أي هدف إلى حد الآن في حربه على غزة، وبما أنه يحارب “الأغيار” بتعبير “شاحاك” ولا يريد للجندي الصهيوني أن يهزم كما يقر “شامير”، فإنه عمد إلى استعمال أسلحة محرمة ضد عدو أعزل من كل شيء إلا من الإرادة القوية والإيمان بعدالة القضية، كالقصف بقنابل الفوسفور التي تؤدي لحرائق واختناقات وتقطع الأجساد!!