قد أفهم صمت المتخاذلين من حكام العرب والمسلمين حول ما يجري في غزة الصمود، فمصالحهم الشخصية تتجلى في القضاء على كل حركة تحرر ومقاومة يمكن أن تستلهم منها الشعوب اليقظة والهمة والإرادة والعزيمة للانعتاق والتحرر من الاستبداد المطبِق على الأنفاس، قد أفهم تواطؤ المنتظم الدولي فاللوبي الصهيوني متحكم في كل مفاصل القرار بالعالم… لكن الذي لا أفهمه هو مواقف بعض علماء المسلمين وخاصة الرسميين منهم، ففي تصريحات نقلتها صحيفة عكاظ السعودية نهاية الأسبوع الماضي وصف مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ التظاهرات التي عمت الشوارع تضامنا مع غزة وسكانها ومقاومتها بأنها “أعمال غوغائية وضوضاء لا خير فيها” كما ذهب إلى أن “الغوغائية لا تنفع بشيء وإنما هي مجرد ترهات ولكن بذل المال والمساعدات هي التي تنفع، فالمظاهرات لا خير فيها ولا مصلحة منها، وإنما غوغاء وضوضاء” ولم ينس طبعا الإشادة بما أسماه “حملة خادم الحرمين الشريفين الشعبية لإغاثة وعون المتضررين الفلسطينيين”، ولا يعد هذا التصريح الأول من نوعه الذي يجرم التظاهر ويُسَفِه الموقف الكبير للشارع العربي والإسلامي والعالمي، بل سبقه إلى ذلك تصريح مماثل لرئيس مجلس القضاء الأعلى الذي وصف فيه التظاهرات أيضا بأنها “استنكار غوغائي” معتبرا أنها من “باب الفساد في الأرض حيث تشهد أعمال فوضى وتخريب” بل ذهب إلى أنها تصد عن ذكر الله.

كنا ننتظر من الشيخين الكريمين أن يستنكرا حرب الإبادة التي يشنها المرتزقة الصهاينة ضد أطفالنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا بغزة الصامدة، كنا ننتظر منهما أن يبينا لنا رأي الشرع الحكيم في حصار مصر لغزة وسكانها ووقوفها عقبة في وجه عقد قمة عربية تعلم مصر نفسها أنها لن تخرج بشيء سوى بيان بارد برودة ضمائرهم وقلوبهم وإيمانهم ومروءتهم، كنا ننتظر منهما أن يشرحا لنا الفرق بين الخيانة ومواقف مصر الرسمية الجبانة والخسيسة، كنا ننتظر منهما أن يستنكرا منكرا فظيعا يتعدى ضرره للأمة جمعاء وهو التواطؤ المذل والمخزي لحكام الهزيمة والسوء والعار مع الغزاة والقتلة والمحتلين، كنا ننتظر منهما أن يصدرا فتوى شرعية مفادها أن إمداد المقاومة الباسلة بالسلاح واجب ديني وفريضة شرعية…

حينما كنت أطالع هذه التصريحات تذكرت موقفا لإمامنا العظيم وعالمنا الجليل العز بن عبد السلام (رحمه الله) حينما تحالف والي دمشق الصالح إسماعيل الأيوبي مع الصليبيين لقتال أخيه نجم الدين أيوب حاكم مصر، وكان من شروط هذا التحالف أن يهبهم مدينتي صيدا وشقيف، وأن يسمح لهم بشراء السلاح من دمشق، وأن يخرج معهم في جيش واحد لغزو مصر، فما كان من إمامنا العز إلا أن وقف رافضا لهذا المنكر، فأراضي المسلمين ليست مِلكا للحاكم أو أبيه أو أمه حتى يهبها لمن شاء، كما لا يجوز بيع السلاح للصليبيين خاصة وأنها موجهة إلى صدور المسلمين في مصر، وقف إمامنا العظيم على منبره في خطبة الجمعة يستنكر هذه الفعلة الشنيعة وهذا الجرم العظيم وبحضور والي دمشق، وأعلنها صراحة بأن الملك خائن ويجب خلعه لأنه لا ولاية لخائن، فما كان من الحاكم –طبعا- إلا أن باشر “تسلطه” وجبروته فأصدر أمره بعزل العز عن الخطابة واعتقاله.

ما رأي شيْخيْنا الكريمين في موقف العز؟ لنتأمل موقف العز –هذا- الذي رفع فيه صوته عاليا مستنكرا لهذا المنكر، ولنتأمل مثل هذه التصريحات بل لنتأمل الصمت المريب والمتوقع لباقي علمائنا –إلا من رحم الله- وخاصة الرسميون منهم، أليس إغلاق معبر رفح حرب أنكى وأشد على القلب والنفس والأخلاق والمروءة والشهامة من حرب الصهاينة على إخواننا الصامدين في غزة لأنها تحصل من بني جلدتنا؟ ألا يعد هذا منكرا فظيعا يجب النهي عنه بالكلمة الناصحة الحرة الصادقة الصادحة في وجه الحاكم؟ أين شيخ الأزهر والذي ما تزال مصافحته للإرهابي شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني الملطخة يده بدماء الفلسطينين عالقة في الأذهان؟ وأين مفتي مصر مع احترامي لهذا الرجل الذي أكن له كل تقدير؟ لماذا لا يستنكر علماؤنا تخاذل حكامهم بل تواطؤهم المكشوف مع الظالم والمحتل؟ أليست هذه خيانة عظمى لها حكم في الشرع الحنيف؟ لكنني لا أعمم طبعا فهناك علماء أفاضل لا يخافون في الله لومة سلطان ولاحاكم.

يا علماءنا المحترمين هذا إمامنا العز فرغم أنه كان يتصدر منصبا رسميا (الخطابة والإفتاء والقضاء) فذلك لم يمنعه من قول كلمة الحق في وجه الحاكم وبحضوره، والسبب في ذلك يا سادة هو أن علمه أوصله إلى حقيقة مفادها أن ما عند الله خير وأبقى، وما عند غيره زائل زائل زائل، وكل علم لا يوصل إلى هذه الحقيقة عملا فهو وبال على صاحبه وحجة عليه يوم القيامة.

انتبهوا يا أصحاب الفضيلة! فمسئوليتكم لا تقل أهمية عن مسئولية حكامكم الجاثمين على صدور العباد، وأنتم تعلمون أكثر من غيركم أن صنفان من الناس بصلاحهما يصلح الناس وبفسادهما يفسد الناس العلماء والأمراء، ولتتذكروا قول الله تعالى: وقفوهم إنهم مسئولون.