تدخل الحرب الصهيونية على قطاع غزة الأعزل أسبوعها الثاني، وهي حرب نوعية لم يسبق لها مثيل في التنكيل بشعب وإبادة أمة مستضعفة تطالب بحقوقها، حرب تستعمل فيها الألة الصهيونية المتغطرسة أفتك الأسلحة ضدا على كل القوانين والمواثيق الدولية، لأن العدو الصهيوني فوق كل القوانين. كيف لا والأمم المتحدة ومجلس الأمن وكل المجالس الدولية بقيادة أمريكا تخشى غضب الكيان الصهيوني فلا أمر ولا حل ولا عقد بدون رضى هذا الكيان الغاصب، حرب تسوم أبناء المسلمين وبناتهم في غزة الشهيدة شيبا وشبابا نساء وأطفالا سوء العذاب، فالطائرات الأمريكية الصنع إف16 تمطر المساكن الآمنة بآلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات والحصيلة عشرات الشهداء ومئات الجرحى.

دمار وخراب وقصف ونقص في الأدوية وظلام دامس وتجويع وحصار شامل يشارك فيه العدو والقريب، حرب لم يسلم منها الشجر والحجر والدواب وكثير من الناس، لم تسلم منها المساجد والجامعات والمراكز والبنية التحتية الحيوية لقطاع غزة.

فبطبيعة الحال يحصل ذلك أمام صمت المنتظم الدولي وتخاذل الأنظمة العربية واستماتة المقاومة الباسلة وانتفاضة الشعوب المناصرة، وخلخلة واضحة في موازين القوى الداخلية والخارجية، مما يجل الصادقين من أبناء الأمة. وأحرار العالم والتواقين للحرية والانعتاق يتساءلون إلى أي حد يمكن أن تكون القضية الفلسطينية وهي قضية مركزية في قلب الأمة ومشروعها النهضوي دعامة استراتيجية للتحرير الشامل؟.

تذكير بالأصل لفهم طبيعة التدافع

المؤمنون بالله عز وجل القارئون لكتاب الله تعالى الفاقهون لسنة الله في الكون، يؤطرون الصراع الدائر في الأرض التي بارك الله حولها تأطيرا قرآنيا نبويا مما يجعلهم يفهمون حقيقة الصراع مع كيان منهجه وفكره ومخططاته وبروتوكولاته عقدية بالأساس، ورحم الله عبد الحميد كشك الذي كان يردد دائما في دروسه ومواعظه العقيدة لا تحارب إلا بالعقيدة.

الصهاينة الملعونون في كتاب الله تعالى يخوضون صراعا عقديا ببرنامج سياسي وعسكري وإعلامي وثقافي، ولذلك فالمؤمنون بالله تعالى ورسوله يستنبطون مضمون الحراك الجهادي المقصود بقوله تعالىبعثنا عليكم عبادا لنافي سورة الإسراء ويترجمون ذلك من خلال عمل الحركة الإسلامية على كل الواجهات والخطوط. أيها المؤمنون بالله تعالى، هلا من عودة إلى المعين الصافي إلى الأصل الحبل الممدود كتاب الله تعالى لنتلو جميعا آيات الله تعالى في مقدمة سورة” الإسراء” ليتبين لنا جميعا جوهر التدافع المطلوب مع الصهاينة الماكرين.

دماء الشهداء، استنهاض للأمة

العدوان الغاشم الذي يتعرض له أبنا ء غزة المجاهدة، ودماء الشهداء الزكية روت الضمير السكران لكثير من أبناء الأمة وصدق من قال أن الصدمات والضربات لاتزيد أمتنا إلا الصمود والثبات والتماسك، فمنذ الأيام الأولى للهجوم الوحشي الهمجي للصهاينة، بدأت تنتعش ذاكرة الشعوب، فإذا بالمشاعر الجياشة والقلوب والعقول والأرواح والأجساد التواقة للتحرر تنطلق في مواكب شعبية ومسيرات غاضبة للتنديد والاستنكار، ومع توالي الأيام ازدادت حدة التحرك الجماهيري وهي في تزايد والحمد لله رب العالمين. مؤشرات يتلقاها الأوفياء وأصحاب الهمة والعزيمة للتدليل على طريق النصر والتغيير والتحرير.

إن ما يقع في رقعة غزة مسألة حاسمة في معادلة التغيير بين طرفي الاستكبار العالمي وقوى الممانعة والتدافع، القضية في مغزاها وعمقها عنوان صريح يختزل المواجهة بين فريقين وفصيلين: فصيل الاستبداد والظلم والاستكبار وفصيل الرجولة والمقاومة والممانعة والتغيير، وللتأكيد على هذه القضية لابد من التطرق إلى أهم المؤشرات الأساسية التي طفحت على المشهد الدولي الداخلي والخارجي في الأيام الأخيرة إثر الهلوكوست الصهيويني على غزة:

* الانتفاضات الشعبية:

حشدت قضية غزة من الدعم الشعبي ما لم تحشده قضية أخرى من جنس العدوان الحربي، ذلك أن كل العواصم العربية والإسلامية والغربية، أعربت شعوبها عن الإدانة الصارخة لهذا العدوان، بل من المؤشرات الصحية استمرارية غليان الشارع الشعبي وتطور أشكال التضامن وارتفاع سقف المطالب الشعبية مما جعل الأنظمة العربية والغربية والمؤسسات الدولية في حرج قانوني وسياسي وحقوقي.

* انفضاح واضح للأنظمة العربية:

الجديد في قضايا الأمة الذي أثارته مذبحة غزة، الانفضاح الواضح للأنظمة العربية، ذلك أن قضية معبر رفح، وهو معبر فلسطيني مصري، فرضت على النظام المصري أن يكسر الصمت نظرا للضغط الشعبي، مما جعل الرئيس مبارك يخرج ما في جبته ويتهم المقاومة ممثلة في حماس ويحملها المسؤولية، بل كان منسجما إلى أقصى الحدود مع خيار التطبيع لما أصر رسميا على عدم فتح معبر رفح تحت مسوغات ومبررات تؤشر على أنصع صور المؤامرة والتخاذل بالقول أن “المعبر يقع على أرض محتلة ولا بد للمحتل أن يراقب هذا المعبر”، فأي استبلاد للضمائر الحية وأي استخفاف هذا بإرادة الشعوب.

الحقيقة أن دماء المجاهدين وأرواحهم الغالية، وأنفاس ضغاميس الجنة لن تندثر سدى، بل هي سر النصر القريب، فالفجوة التي تتسع يوما بعد يوم بين الشعوب والحكام خير سبيل للانعتاق.

* سقوط القناع عن المنتظم الدولي:

عبر المنتظم الدولي ممثلا في مجلس الأمن عن تواطئه المكشوف مع الكيان الصهيوني، فبعد انعقاد جلسته المخصصة للموضوع، كان واضحا موقف الدول المتآمرة التي تتفهم دوافع إسرائيل كما تقول وتبرر هذه الهجمات بدم بارد، بل من الخلف تدعم العدوان بالتمويل وإيراد الأسلحة الخطيرة وتزويد الكيان الصهيوني بأحدث الوسائل .

المنتظم الدولي لم يستطيع استصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بوقف العدوان الوحشي على غزة، ولم يستطيع إدانة هذه الحرب حتى فبالأحرى محاكمة رموز الإجرام الصهيوني.

الحقيقة أن الشعوب العربية والإسلامية وحركات التحرر العالمية لا تنتظر من هكذا مجلس متآمر أية مفاجأة لأنها تعرفه حق المعرفة فهو ضالع في التآمر حتى المشاشة.

… وستنتصر المقاومة في الأرض والسماء

كشف العدوان الجاري على غزة عن صمود الشعب الفلسطيني واحتضانه للمقاومة الباسلة ومواساته للجرحى والمكلومين من وسط القصف والجراح، كما كشف غن خبرة المقاومة وقدراتها العسكرية والحربية الميدانية من خلال صواريخ القسام وغراد المدوية المزلزلة لأحقر كيان وأهونه، ومن المحصلات الجهادية التي جنتها الأمة إلى حدود الساعة:

– استماتة وثبات الأشاوس الأبطال في غزة العزة شعبا وحكومة ومقاومة.

– صمود المقاومة واستمرارية نهجها رغم القصف والقتل الوحشي. وتمترس كل أبناء غزة وبناتها وكل الأجندة خلف قيادة المقاومة.

– تلاشي الرهانات الصهيونية في كسر شوكة المقاومة وفك الارتباط بين الحكومة المقاومة في غزة وشعبها المجاهد.

– تكبد العدو الصهيوني للخسائر المادية والبشرية رغم قلتها ولكن الأهم هي الخسائر المعنوية المتمثلة في حالة الرعب والانهيار التي أحدثتها مفاجآت صواريخ وقدائف المقاومة، مما انعكس على نفسية القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية الحائرة جراء اتخاذ موقف بخصوص المواجهة البرية، مع استحضارها لحرب يوليوز2006 في جنوب لبنان ودروس المقاومة في حزب الله.

– حشد الدعم الشعبي للقضية في كل ربوع العالم ومن كافة الأجناس والأديان والملل والنحل.

– ارتفاع اصوات في الداخل الفلسطيني في رام الله تدعو إلى دعم الصمود في غزة، وتجاوز حلة الانقسام مع التركيز على ضرورة فتح المعابر وإنهاء العدوان الصهيوني دون أية شروط.

يبدو في الأفق المتلبد بالغيوم، بزوغ أنوار فجر جديد، أنوار النصر والتمكين لعباد الله تعالى القائل سبحانه وتعالىإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

نداء قبل الختام

معشر المسلمين والمؤمنين بالله تعالى، دماء أهل غزة في أعناقكم فهبوا لنصرة إخوانكم ولبوا نداء الاستغاثة بأموالكم ودعائكم وأصواتكم وأرواحكم، فلئن كان حكام المسلمين باعوا القضية فلا ينبغي لنا أن نجاريهم في غيهم وخيانتهم وتخاذلهم وهوانهم واستكانتهم أمام أحقر وأهون الخلق عند الله تعالى، أيها الناس ما يقع في غزة من إجرام وتنكيل وإبادة مسخ لكل الشعارات المرفوعة وعربون على زيف إعلانات حقوق الإنسان، فيا أحرار العالم أيها المنافحون عن الديمقراطية الحقة وعن حق الإنسان في العيش، لا تصمتوا عن هذا الإجرام بل انتفضوا وانتصروا للمستضعفين.

أما أنتم يا أحبابنا في غزة الجريحة، عذرا إن حالت بيننا وبينكم حواجز الحدود المصطنعة، عذرا إن منعنا عن القتال معكم تجبر حكامنا وتسلطهم علينا، لكم الله تعالى الواحد القهار، لكم الله في محنتكم ودمائكم وجراحكم وجوعكم وعطشكم، لكم الله في وحشتكم وغربتكم في زمن تكالب الأعداء وتخاذل الإخوان وهوان الجيران، أماه أيتها المرأة الفلسطينية الشماء يا مربية أجيال الجهاد لا تبكي إن سالت دماء الأبناء وتناثرت أمام عينيك الأمعاء أشلاء، لا تبكي ولا تحزني فو الله إنكم أطهر الناس على الأرض وأخير الناس وأزكى الناس، نفتخر بكم بين الأمم أحياء وأمواتا.

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون