لا.. ليس هناك أي خطأ في العنوان أعلاه.

إذ لم ترتكب المجزرة الصهيونية الجديدة يوم الجمعة، فدعت الجامعة العربية على الفور لقمة طارئة في اليوم الموالي السبت. بل بدأ الهولوكوست الإسرائيلي ظهيرة السبت 27 دجنبر 2008 فأودى بحياة أكثر من 220 شهيد و700 جريح، مما استدعى حكام العرب “الأشاوس” إلى التفكير، مجرد التفكير، في عقد قمة طارئة يوم الجمعة 2 يناير 2009!!

نعم.. حق لنا أن نطرح مئات علامات الاستفهام مصحوبة بمختلف كلمات ورسوم الاستغراب.

أين هو وجه الاستعجال في “قمة” قد تعقد، قد، بعد 6 أيام على المجزرة الصهيونية الرهيبة؟! وما محل إعراب كلمة “طارئة” من اللقاء العربي على مستوى الرؤساء، إذا كان يستدعي كل هذا الزمن؟!

هل “السادة” ملوك وأمراء ورؤساء الدول لم يجدوا أماكن شاغرة في الطائرات التي تقلهم من بلدانهم إلى الدوحة طيلة الأيام الستة؟!

هذا الاستفهام سينتفي إذا علمنا أن بعضا من الدول -مصر أساسا-، وطيلة يومين على انطلاق العدوان، ظلت متحفظة على عقد القمة أصلا، بل وحتى مجلس التعاون الخليجي بدا مرتبكا في موقفه مكتفيا بإحالة الحسم في المشاركة من عدمها لممثليه في مجلس وزراء الخارجية العرب الذي سيعقد الأربعاء 31 دجنبر في القاهرة.

خلاصة هذا الكلام، انتفاء علامات الاستفهام على الزمن (ستة أيام من أجل عقد القمة) وانتقاله لمساءلة الموقف الرسمي للنظام السياسي العربي مما جرى ويجري في غزة.

الهولوكوست الصهيوني الجديد في غزة تقاطعت فيها إرادات ومصالح دولية وعربية و”إسرائيلية”. الإرادة الدولية واضحة سلفا من خلال شروط الرباعية الدولية المُطالبة بالاعتراف بدويلة الاحتلال اللقيطة ونبذ المقاومة الفلسطينية الشريفة وتجريم سلاحها، لذلك لم يتجاوز الموقف الدولي كما العادة الشجب والمطالبة بضبط النفس بين الطرفين، حيث طالب مجلس الأمن الدولي بإنهاء القتال في غزة –وليس العدوان الجديد للاحتلال- وردد الاتحاد الأوروبي نفس النغمة تقريبا وكان الموقف الأمريكي المتفهم لدوافع “إسرائيل في حربها” الأكثر وقاحة.

وفيما يخص المصلحة الصهيونية فقد تقاطع فيها المجد الانتخابي الداخلي الذي يقتات على دماء الغزيين (إنه المنطق السياسي ل”دولة جارة” كما يقول البعض)، وإنهاء نزيف “قوة الردع” التي كثر الحديث عنها بعد هزيمة حرب تموز 2006 في جنوب لبنان، وتغيير حكم حماس الذي استقر واستعصى على الاستسلام رغم شدة الحصار أو على الأقل إضعاف بنيتها التحتية، وفرض قواعد جديدة ل”التهدئة من أجل التهدئة” لا مكاسب فيها للفلسطينيين وتحويلها إلى وضع ممتد في الزمن يصعب لاحقا القفز عليها بالعودة إلى المقاومة العسكرية.

أما “المكاسب المفترضة” لبعض أنظمة الحكم العربية فامتزج فيها “أرباح” إنهاء حكم حماس وبالتالي إعادة سيطرة سلطة رام الله على القطاع، وهي الأقرب إلى المزاج والمصالح العربية خاصة في شق المفاوضات والرضا بالقليل الموجود بدل الكثير المفقود، امتزج ذلك بالرغبة في إنهاء التأثيرات “السلبية” لنجاح نموذج حماس على خيارات الشعوب التي قد تنساب أصوتها في رصيد الإسلاميين وخانتهم السياسية والانتخابية، وفي المقابل تشكيل صورة سلبية في لا وعي الشعوب الإسلامية عن التكلفة الباهظة للخيار الإسلامي حتى ولو جاء عبر صناديق الاقتراع.

إن موقف غالبية النظم الحاكمة في الوطن العربي غير خاف على معظم الشعوب، لكنه انتقل هذه المرة، وبالمكشوف، من الصمت والتواطؤ الخفي إلى التبرير والمشاركة والبصم للكيان الصهيوني لإبادة غزة وإنهاء حكم حماس حتى ولو تم ذلك عبر إغماس اليد العربية في شلالات الدم الفلسطيني الطاهر.

الحديث عن انخراط جزء من النظام السياسي العربي في المجزرة الجديدة ليس حديثا مرسلا لعقلية مأسورة بفكرة المؤامرة، بل له من شواهد الواقع ما يدفع عنه كل تشويش وتشكيك. فالإرهابية “تسيبي ليفني” أعلنت الحرب من القاهرة عاصمة أكبر دولة عربية، وبعضا من وزراء خارجية الدول والمتحدثين باسمها حملوا مسؤولية المجزرة لحماس والفصائل التي لم تجدد التهدئة، وعدد من الملوك والرؤساء لم نسمع لهم همسا وآخرون خارج التغطية ومن تبقى أخلى المسؤولية في بيان إدانة. وغير خاف أن الحصار الخانق على القطاع، والذي بلغ 19 شهرا، تشارك فيه عواصم عربية، وإلا فمعبر رفح ممر عربي خالص، وقبل كل ذلك فلاءات الرفض الثلاث (لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات) التي كانت تزين قمم القادة العرب أصبحت نعمات ثلاث، ودويلة الاحتلال أصبحت صديقة بعد أن كانت عدوة لا يمكن التعايش معها حتى قمة فاس الثانية سنة 1982.

في ضوء كل هذا التواطؤ والمشاركة في العدوان والتخلي عن القضية يصبح عقد قمة، لن تُفعِّل أسلحة النفط ولا المقاطعة الدبلوماسية ولا الجيوش العربية، مهما تأخرت زمنيا ومهما كان الوضع الذي يستدعي استعجالها، في عرف حكام العار والهزيمة، طارئا وعاجلا.